“بلاك ووتر” و”الأمير الأسود”

“دولـــة” عابـــرة للقـــارّات أشبـــه بجيـــش إمبراطــوري… بإمــرة جورج بوش

طوني صغبيني

ثكنات ومروحيات وآليات، أسلحة وتكنولوجيا متطورة، آلاف «الحراس» المستعدين للتدخل في أي دولة في العالم. «بلاك ووتر»، أو «حرس بوش الإمبراطوري»، كما يحلو للبعض تسميتهم، جيش كامل يقوده مدير عام، في ظاهرة تعبّر عن اقتحام القطاع الخاص لميدان الحرب في عصر “الإرهاب الدولي

خرج اسم «بلاك ووتر» إلى العلن للمرة الأولى في العراق عام 2004، حين أقدم مقاتلون في الفلوجة على إحراق أربعة حرّاس مسلحين. وتفاعل الاسم بعد المجزرة التي ارتكبها أعضاؤها في ساحة النسور في أيلول الماضي، فما هو سرّ الصعود المفاجئ لهذه الشركة، ومؤسسها إريك برنس، الذي يدخل مقر وكالة الاستخبارات الأميركية «سي آي إي» ساعة يشاء ليجتمع مع كبار المسؤولين فيها؟

عناصر من «بلاك ووتر» يوفّرون الحماية لبول بريمر في قاعدة عسكريّة في الرمادي عام 2004 (بيتر أندروز ــ رويترز)

“الرؤية”

هي «بلاك ووتر ــــــ الولايات المتحدة»، ولعلّ القسم الأخير من التسمية للتشديد على الهوية الأميركية للشركة، التي يؤكد قادتها باستمرار أن كل ما تقوم به هو بعلم واشنطن ولخدمتها.
تحت عنوان «الرؤية لدعم الأمن والسلام والحرية والديموقراطية في كل مكان» يستقبلك الموقع الرسمي للتجنيد في «بلاك ووتر». ويشدّد على أن جميع المتعاقدين عليهم أن يحملوا الجنسية الأميركية ويقسموا على احترام الدستور الأميركي في المستويات العليا من التجنيد. لكن واقع أكبر جيش خاص في العالم يختلف عن الصورة الملمعة للشركة المتورطة في عشرات الانتهاكات والاعتداءات وتهريب السلاح في العراق وأمكنة أخرى من العالم.

ويصف جريمي سكاهيل، مؤلف كتاب «بلاك ووتر ــــ صعود أقوى جيش مرتزقة في العالم»، الشركة بأنها «مؤسسة المرتزقة الأكثر سرية وقوة في العالم. هي الجيش الخاص الأسرع نمواً على الكوكب بقدرات على إطاحة أنظمة بكاملها في أي مكان من العالم”.

وبعد عقد على تأسيسها، لم تعد «بلاك ووتر» مجرّد مؤسسة واحدة، بل تفرّعت إلى عدد من الشركات التابعة، تختص بتقديم خدمة أمنية معينة في البرّ والجوّ والبحر.

تملك بلاك ووتر اليوم أكثر من 23 ألف جندي، منهم نحو 3000 موزعين في مهمات مختلفة في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، والباقون في مراكزهم على استعداد للتدخل حين الطلب «في أي مكان في العالم خلال وقت قصير». أما منتسبوها فيتجاوز عددهم مليونين.

المؤسسة تملك أيضاً أكبر قاعدة عسكرية خاصة في العالم في مويوك في ولاية نورث كارولينا تمتد على مساحة 28 كيلومتراًَ مربعاً، تتضمن أنفاقاً ومنشآت تحت الأرض ومنصات طائرات ومروحيات وحقولاً واسعة للرماية والمناورات، منها بحيرة اصطناعية للتدريب البحري، بالإضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر، لا تضع السلطات الأميركية سقفاً لها. وتمتلك الشركة قاعدة تدريب في ماونت كارول في ولاية إيلينوي، وعدداً من القواعد الصغيرة في الدول التي تنفذ فيها مهمات.

أما خدمات «بلاك ووتر»، فهي لا تنحصر بالحماية المسلّحة، بل توفر بشكل أساسي التدريب التكتيكي على الأسلحة والمهارات الخاصة للجيوش والحكومات وأجهزة الأمن العامة والخاصة على السواء، حيث يتدرّب بحسب أرقامها الرسمية أكثر من 40 ألف شخص سنوياً.

وبموازاة التدريب، تقدّم الشركة خدمات أمنية تنفيذية واستشارية، منها ما يتعلق بوضع الخطط الأمنية وتقويمها وتنفيذها، ومنها ما يتعلق بوضع خطط مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية وتنفيذها وتقويمها، ومن ضمنها تأمين مراكز إدارة الأزمة وإنشاء مناطق آمنة من النزاع وتنفيذ مهمات إنسانية.

ولا تقتصر مهمات «بلاك ووتر» على البر، فهي توفّر خدمات بحرية للحكومات والشركات الخاصة على السواء، تتمثل بوضع برامج مضادة للقرصنة والإرهاب وتدريب طواقم السفن عليها وتنفيذها.

وجوياً، تدير «بلاك ووتر» شركتين للطيران (الخدمات الجوية العالمية والخطوط الجوية الرئاسية) تختصّان بتقديم خدمات الصيانة والدعم اللوجستي ونقل البضاعة. وتمتلك الشركة أسطولاً عريضاً من المروحيات العسكرية من طراز «غن شيب»، كالتي يراها العراقيون يومياً في بغداد.

ومن متفرّعات «بلاك ووتر»، «مجموعة رايفين للتطوير»، المتخصصة في بناء المنشآت العسكرية والتدريبية والمطارات. وهناك أيضاً شركة «غرايستون» المحدودة المختصة في تجنيد المرتزقة من دول العالم الثالث للعمل في الخارج.

الأمير الأسود

منذ تأسيسها عام 1996 حتى اليوم، تحوّلت «بلاك ووتر» من مؤسسة صغيرة تدرّب فرق الشرطة المحلية إلى جيش عالمي وجزء لا يتجزأ من العمليات الأميركية في العراق. يقول مؤسسها، الضابط السابق في القوات البحرية الخاصة، إريك برنس، في مقابلة نادرة له في 24 تموز 2006، إن أسباب هذا الصعود بسيطة جداً: «نحن ننفذ دائماً مهمتنا كاملة، بطريقة صحيحة، وخلال الوقت المطلوب». لكن ما لم يقله «أمير» «بلاك ووتر» هو أن الصلات المالية والسياسية والدينية التي تجمع إدارة شركته بالمحافظين الجدد والجمهوريين المتشددين في إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، هي التي سهّلت للشركة الحصول على عقود بمليارات الدولارات .

عراقيّان يحتجّان ضدّ الاحتلال  أمام سيّارة مشتعلة تابعة لـ«بلاك ووتر» في الفلّوجة عام 2004 (كريم صاحب ــ أ ف ب(

وصلات برنس السياسية تظهر أولاً في خلفيته العائلية الجمهورية،  فوالده المليونير إدغار برنس كان أحد أهم المموّلين الكبار للحزب الجمهوري، وأحد مؤيدي غاري بوير، المستشار المحافظ للرئيس الجمهوري رونالد ريغن، الذي دعمه بشكل  كبير لتأسيس «مجلس أبحاث العائلة»، الذي يعدّ أحد أكبر اللوبيات المسيحية اليمينية  تأثيراً في إدارة بوش الحالية. ووالدته ترأس حالياً «مؤسسة إدغار وإلسا برنس»،  التي تتبرع بسخاء لبعض الأسماء والمؤسسات المعروفة في اليمين المسيحي.

ولا يقلّ مدير «بلاك ووتر» سخاء عن عائلته، في ما يتعلق بتمويل الحملات الجمهورية، حيث تبرّع شخصياً مع  زوجتيه الأولى والثانية، بمئات آلاف الدولارات منذ عام 1998، بالإضافة إلى أكثر من مليون دولار عبر مؤسساته المختلفة.

وفي سياق تداخل الدين بالسياسة في عملية صنع قرار البيت الأبيض، تجمع الأصولية المسيحية اليمينية إريك  برنس مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض، وبالأخص مع الرئيس جورج بوش نفسه، إذ ينتمي كلاهما للمذهب المعروف باسم «المسيحيون المولودون من جديد  CHRISTIAN BORN AGAIN.

وبرنس الابن هو أيضاً عضو  مجلس إدارة منظمة الحرية المسيحية العالمية، وهي منظمة غير ربحية تقدم المساعدات  «للمسيحيين المهددين في إيمانهم بيسوع» في أنحاء العالم.

وتقول مصادر إن والدي  إريك عضوان في «مجلس من أجل سياسة قومية»، وهو منظمة مسيحية متشددة جداً وشبه  سرية، أعضاؤها رموز المحافظين الجدد في إدارة بوش، مثل نائب الرئيس ديك تشيني  ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد والحاكم العسكري السابق للعراق بول بريمر. ويؤمن أعضاء هذا المجلس بـ«التدخل البشري في الخطة الإلهية لتعجيل مجيء المسيح  الثاني، عبر مساعدة دولة إسرائيل وشنّ الحروب ضد أعداء الله”.

الحرس الإمبراطوري الخاص

وشكّلت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 عصراً إمبراطورياً لشركات  الأمن الخاصة، ولا سيما «بلاك ووتر»، التي استفادت من وجود دونالد رامسفيلد في  وزارة الدفاع الأميركية، ولا سيما أنه أوضح أكثر من مرّة أنه «يجب على البنتاغون  أن يعتمد أكثر فأكثر أساليب القطاع الخاص”.

وتقاطعت هذه النظرة مع  تشديد برنس على ضرورة مساهمة شركته في «تحويل وزارة الدفاع إلى منظمة أكثر سرعة  ورشاقة»، مشيراً إلى أنه يعتبر الشركة «امتداداً للجيش الأميركي”.

وكان العقد الأول الذي  كافأت به الإدارة الأميركية مموليها وداعميها في «بلاك ووتر» في أفغانستان، حيث تولّت الشركة تدريب فروع أمنية تابعة لوزارة الداخلية الأفغانية، ثم ساعدتها  الإدارة الأميركية على تولّي تدريب المجموعات الأمنية الخاصة التي كُلّفت بالحفاظ  على أمن الألعاب الأولمبية عام 2003-2004 في اليونان، وحصلت على عقد آخر مع حكومة  أذربيجان عام 2005 لتدريب القوات البحرية الخاصة وتجهيز منشآتها.

ولعلّ بول بريمر هو أكثر  من خدم «بلاك ووتر» عبر فتح أبواب العراق لحرّاسها، بدءاً بتكليفها حمايته  الشخصية، وصولاً إلى العقد الذي وقّعته العام الماضي لتوفير الحماية لأكبر سفارة  أميركية في العالم في بغداد، وهي كلها عقود بملايين الدولارات وتصل أحياناً إلى  مليار دولار، كالذي وقّعته الشركة عام 2004 لحماية المسؤولين الأميركيين في أنحاء  مختلفة من العالم. وتشير تقارير صحافية إلى أن 34 في المئة من الـ20 مليار التي  أنفقتها إدارة بوش على إعادة إعمار العراق ذهبت إلى الشركات الأمنية المتعاقدة  معها، وبينها «بلاك ووتر”.

وتوّجت «بلاك ووتر»  علاقتها مع وزارة الدفاع عام 2005 بعقد تبلغ قيمته 15 مليار دولار لمشاركة البنتاغون وأربع شركات أخرى في وضع برنامج مكافحة الإرهاب المتعلق بالمخدرات.
في العام قبل الماضي، إثر  إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة، أوكلت الإدارة الأميركية إلى «بلاك ووتر» مهمة الدخول إلى المناطق المنكوبة وتسلّم الأمن بالكامل، ما سبّب انتقادات  عنيفة لظهور المرتزقة المسلحين في الشوارع الأميركية. وكتب أحد الصحافيين يتساءل: «إن ذلك يعطينا تذكيراً صغيراً بأن الطغيان الذي نفرضه على الآخرين سيأتي يوم  ينقلب فيه علينا”.

إريك برنس خلال شهادته أمام لجنة الكونغرس الثلاثاء الماضي (ستيفان زاكلين ــ إي بي أي(

تدريب الاستخبارات الأردنية؟

استعمل البعض تعبير «الباب الدوار» لوصف علاقة جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إي» بـ«بلاك ووتر»، حيث نجحت الأخيرة باجتذاب عدد كبير من العملاء ومسؤولي الوكالة بعد تقاعدهم وأحياناً قبل ذلك.

لكن «الباب الدوار» لا يقتصر على توظيف عملاء الـ«سي آي إي»، بل يتعدى ذلك إلى تولّي الشركة المهمات التي كانت الوكالة تقوم بها في الماضي. والحادثة الأهم في هذا المجال حصلت في الأردن، إذ تقول مصادر أميركية إن نائب مدير العمليات في «سي آي إي»، بوب ريشر، نجح عام 1999 بإيكال تدريب الاستخبارات الأردنية وتجهيزها للوكالة، في مقابل حصول الأخيرة على معلومات عن المجموعات «العدائية»، ولا سيما الفلسطينية.

وبعد استقالته من الوكالة، أخذ ريشر علاقته بالاستخبارات الأردنية إلى «بلاك ووتر»، التي أصبحت الآن تتولى تدريب الاستخبارات الأردنية وتجهيزها. وأوضحت المصادر أن «المسؤولين في «سي آي إي» غاضبون جداً. الملك الأردني عبد الله الثاني لا يزال يتكلم مع ريشر معتقداً أن ذلك لا يختلف عن التكلم معنا. إنه يعتقد أن ريشر لا يزال الرجل المناسب”.

الأخبار – عدد السبت 6 تشرين الأول 2007