6 تعليقات

هل يساعدنا الفايسبوك حقاً على التواصل؟ (2\2)

الفايسبوك: كتاب الأقنعة

* * *

(هذا المقال هو جزء من سلسلة: العيش كصورة، كيف يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة – يمكن الضغط على هذا الرابط للعودة إلى الفهرس)

(يمكن تكبير الخطّ على الشاشة عبر الضغط على +CTRL)

* * *

المشكلة التي تحصل عند تحويل الفايسبوك إلى محور علاقاتنا الاجتماعية، أننا مع الوقت، بدل التعامل مع بروفايل الفايسبوك على أنه شخص، نبدأ بالتعامل مع الشخص على أنه بروفايل فايسبوك.

الفايسبوك يحوّلنا إلى صورة جميلة تبتسم، وإلى ستاتوس ذكي لا يتعدّى 200 حرف، لكننا كبشر أكثر من ذلك بكثير. نحن قوس قزح من الرقص والفرح والحزن والغضب والابداع والجنون والعشق والقتال والأسرار. لكن الفايسبوك لا يسمح لنا بذلك لأن محرّكه الأساسي هو التنافس بين الجميع لإظهار أنفسهم على أنهم يمتلكون الحياة الأكثر إثارة ونجاحاً سعادة، كأننا في صفّ كبير في الثانوية يتبارى فيه الجميع للظهور على أنهم الأجمل والأفضل.

الفايسبوك لا يسمح لنا أن نعرض سوى وجه واحد منّا، والكارثة أنه حتى هذا الوجه قد يكون مزيفاً. وراء ابتسامات الصور قد تختبأ الكثير من الأحزان ومشاعر الوحدة، وراء الصور تختبأ الكثير من الأمور الجميلة أيضاً. الفايسبوك يريد أن يحتكر صورتنا عن أنفسنا، يريد أن يكون نحن، لكنّه ليس نحن.

مع الوقت، الناس على الفايسبوك تتحوّل بالنسبة إلى بعضها البعض إلى مجرّد صور، مجرّد تعليقات ذكية وستاتوس شاعري. وهذا أمر طبيعي، فأي نوع من العلاقة يمكن أن نبني حين نتفاعل مع مئات “الأصدقاء” في نفس الوقت يومياً؟ حين يكون علينا كل يوم أن نتابع آخر أخبار المئات من الناس، يخسر أصدقاؤنا الحقيقيون من قيمتهم، ونخسر نحن من صلتنا معهم رويداً رويداً.

قد يقول أحدهم أنه هنالك مبالغة كبيرة في ما نقوله هنا، وقد يقول أن كل شخص يستعمل الفايسبوك بطريقة مختلفة، وربّما يكون محقاً، لكن رغم ذلك، ما ذكرناه حتى الآن يبقى وصفاً للحقيقة. يكفي أن نفكّر للحظة كيف نستعمل أمور مثل subscribe وlimited profile وما شابهها من أدوات تهدف إلى الحدّ من قدرة الآخر على التفاعل معنا والإطلاع على معلوماتنا. هذه كلها أدوات تشجّع باستمرار على “تسطيح” العلاقات وعلى ممارسة النفاق الاجتماعي والإدعاء اننا لا نزال أصدقاء مع شخص لا نكترث له البتّة. قد نكون أشخاص صادقين في الحياة، لكن غالبيتنا تستعمل هذه الأدوات، وهذه أدوات غير صادقة ولا تشجّع على الصدق.

زرّ الـ unsubscribe مثلاً مهمته حجب تحديثات صديق(ة) معيّن عن الظهور في صفحتنا. إن استعملناه لن نسمع عن الشخص المذكور إلا حين ندخل إلى صفحته، لكننا في الوقت نفسه نبقى أصدقاء. أي أن الفايسبوك يعطينا إمكانية أن نبقى “أصدقاء” مع شخص لا نريد أن نسمع عن حياته شيئاً. مثال آخر هو البروفايل المحدود Limited profile الذي يتيح لنا أن نبقى “أصدقاء” مع أشخاص لا نريد لهم أن يعرفوا أي شيء عن حياتنا. لماذا نريد أن نعقّدها تكنولوجياً؛ حين نتفحّص لائحة أصدقائنا سنجد أننا أصدقاء مع الكثير من المجهولين، بل أحياناً مع أشخاص لدينا تجاههم مشاعر عدائية متبادلة في الحياة.

لكن هذا كلّه سهل أمام الالتقاء مع صديق على الفايسبوك في الحياة الواقعية. كم من مرّة التقينا بصديق أو صديقة على الفايسبوك في الشارع ولم نقل مرحباً لبعضنا البعض؟ كم من مرة التقينا بصديق أو صديقة على الفايسبوك واكتشفنا أن شخصيته الفايسبوكية مختلفة تماماً عن شخصيته الحقيقية؟

السبب الجذري لكل هذه المشاكل هو التسطيح: علاقة إنسان بإنسان هي شيء، وعلاقة صورة بصورة هي شيء مختلف تماماً. العديد من الناس تعتقد أنها تعرفنا بمجرّد النظر إلى صفحتنا على الفايسبوك. العديد من الناس تفترض أنها صادقت شخص ما لمجرّد أنها تفاعلت معه مرّة على الفايسبوك. هذه الافتراضات غير الواقعية هي نتيجة التسطيح الجاري للعلاقات. التسطيح الأكبر يحصل حين نضع كل الناس التي نعرفها في مكان واحد، مكان يتساوى فيه الصديق مع الغريب مع الحبيبة مع الوالد مع الموظّف مع ربّ العمل. كلهم في مكان واحد وكلهم يراقبون كل ما نفعله على الموقع وكلهم لديهم توقّعات اجتماعية متناقضة منّا. الحصيلة هي المزيد من التوتّر والشلل الاجتماعي، والمزيد من السطحيّة في التفاعل مع الآخر.

سطحيّة الفايسبوك وصفتها كاتبة أميركيّة شابّة بجملة ممتازة. في مقال لها تفسّر فيه أسباب مغادرتها للفايسبوك قالت آلرين سبينسلي: “عالمي هو بالفعل أصغر الآن، لكن كل شيء فيه أكثر عمقاً”.

وهي محقّة إذ على الفايسبوك كل شيء يصبح أقل عمقاً؛ تمنّي عيد الميلاد يأخذ ثلاث ثوانٍ فقط من وقتنا وانتباهنا، تمنّي أعياد سعيدة للأصدقاء والعائلة يحصل عبر “تاغ” لصورة واحدة على الفايسبوك بدل أن نتكبّد عناء لقاء الأصدقاء والعائلة. إعلان التحوّلات العائلية والمهنية المهمّة يتم عبر جملة واحدة باردة بدل أن تكون مناسبة مفعمة بالعناق والتهاني مع الأحبة والأصدقاء. مواقع التواصل الاجتماعي تشجّع على تواصل أقل مع الناس وتواصل أكبر مع الشاشة، وفي الشاشة كل شيء أبرد، أقل حميميّة، وأقل حقيقيّة.

بالإضافة إلى كل ذلك، إن الوقت والانتباه الذي يأخذه الفايسبوك منّا يؤثر سلباً على قدرتنا على تطوير علاقاتنا الاجتماعية. انتباهنا ووقتنا وجهدنا كبشر هو محدود؛ ووفقاً لدراسات علم النفس يمكننا أن نعطي انتباهنا ووقتنا وجهدنا لنحو 3-8 أصدقاء في نفس الوقت فقط بالإضافة إلى العائلة، ويمكن أن يصل عدد المعارف إلى 150 (وهذا الرقم معروف برقم دونبار). حين نتخطّى هذا العدد، علاقاتنا الاجتماعية تعاني وتتدهور. وإن كنّا مثلاً أصدقاء مع 300 شخص في نفس الوقت، كميّة الانتباه التي سيحصل عليها كل واحد منهم ستكون 1\300 من انتباهنا؛ وبالتالي علاقتنا معهم ستكون مجرّد علاقة مع رقم الكتروني، وأقصى ما يمكن أن تصل له في معظم الأحيان هي رسالة خاصة داخل الفايسبوك. فقط حين تكون علاقتنا ضمن حدود الأرقام المعقولة، تكون صلاتنا مع الآخرين أعمق وذا مغزى حقيقي.

القرّاء هنا اللذين أعمارهم كبيرة كفاية ليتذكروا الحياة الاجتماعية قبل الفايسبوك يعلمون كيف أثّر الفايسبوك (والانترنت بشكل عام) على حياتنا وما الأثر الذي تركه فيها. نحن اليوم من دون شك نمتلك حياة الكترونية أغنى، لكن معظمنا لديه حياة اجتماعية أفقر، وهذه نتيجة طبيعية. معظمنا اليوم لديه أصدقاء لا يخرجون من المنزل في أيام راحتهم؛ لدينا أصدقاء يتعاملون مع الفايسبوك على أنه بديل عن حياتهم الاجتماعية، ولدينا أصدقاء يعتقدون أن الحياة الاجتماعية الحقيقية هي على الفايسبوك لا على أرض الواقع. الدعوات والرسائل والأحاديث والأنشطة باتت كلها على الفايسبوك، حتى بات السؤال المعتاد بعد الانقطاع الالكتروني “لماذا الغياب؟” كأن الحضور في الحياة الحقيقية بات غياباً.

لا نعلم كيف سيؤثر الفايسبوك على الجيل الذي لم يعرف كيف تكون العلاقات الإنسانية والصداقات والحب قبل الفايسبوك، الذي قد ينشأ ليعتقد أن بدأ صداقة هو بسهولة النقر على زرّ، وإنهائها هو بسهولة النقر على زرّ آخر. الذي قد ينشأ ليعتقد أن ذروة العلاقة الإنسانية هي أن نتبادل 50 تعليق على صورة على الفايسبوك فيما نجلس وحيدين في المنزل، والذي قد ينشأ ليعتقد أن التفاعل مع الحياة ومع أحداثها هو إما عبر الضغط على Like أو عبر إغلاق نافذة المتصفّح. هذا هو الفايسبوك؛ أحدهم يخبرنا أنه تناول صحن تبولة للعشاء، Like. إحداهن تضع صورة لها في بلد أجنبي ما، Like. أحدهم يمدح الطاغية أو يسبّه، Like. أحدهم انفصل عن حبيبته، Like. إحداهنّ تضع فيديو فيه موت وألم ودمار، Like.

يكفي أن نتخيّل أن زرّ اللايك يساوي الإيماء برأسنا بـ”نعم” لكنتشف كيف أننا نبني مجتمعاً من القطعان التي تتعامل مع بعضها بعضاً كالأرقام فيما تدّعي أننا أصبحنا “مترابطون” أكثر من أي وقت مضى في التاريخ… هذا هو الفايسبوك. Dislike.

_____________________

الخميس المقبل على نينار: هل يجعلنا الفايسبوك أكثر تعاسة؟

_____________________

6 comments on “هل يساعدنا الفايسبوك حقاً على التواصل؟ (2\2)

  1. [...] – هل يساعدنا الفايسبوك حقاً على التواصل (الجزء الثاني) [...]

  2. [...] السلبيّة مثل تضاعف مشاعر الغيرة، التوتّر، الوحدة، انتهاء الحميميّة وفي بعض الحالات، [...]

  3. ما كرهته في هذه المجموعة من المقالات في موضوع الفيسبوك هو أنك على حق !

  4. [...] كنّا قد تحدّثنا في مقالات سابقة عن تأثير الفايسبوك على العلاقات الاجتماعية، عن تأثيره على السعادة، عن تأثيره على الوقت [...]

  5. عفوا جانبك المنطق السليم فى الطرح المتكامله فى هذه الجزئيه—ووقعت ثانية فى فخ التعميم.
    تحياتى
    (J)

التعليقات مغلقة.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 825 other followers

%d bloggers like this: