الدرع الصاروخيّ رسالة إمبراطورية!

طوني صغبيني

هل يحمل الدرع الصاروخي الذي تحاول الولايات المتحدة إقامته في شرق  أوروبا رسالة ثقافية قبل أي شيء آخر؟ في هذه المسألة رمزية تخفي معاني كثيرة. فإذا  كانت الإمبراطوريات القديمة تحمي نفسها من البرابرة ببناء الأسوار، فإنّ  الإمبراطوريات الحديثة تحمي نفسها بمظلّات صاروخية!

من جهة أولى، يعني الدرع  أنّ الولايات المتحدة تعتبر أوروبا، أكثر من أي مكان آخر، مدى حيوياً مباشراً لها، باستعدادها الدفاع عنها بأكثر التكنولوجيات العسكرية كلفة وتطوراً. وهنا لا نقول  شيئاً جديداً، فلطالما كان الأمر على هذا النحو منذ الحرب الباردة تقريباً، لكن  المسألة نفسها تعود اليوم في زمن العولمة وتلاشي الحدود هي مختلفة.

فهل أخذت واشنطن بنظرية  صموئيل هانتنغتون في «صدام الحضارات» التي دعا فيها لصرف الجهود في التنمية  والدفاع على دول «الحضارة الغربية» فقط ـــــ أي بمفهومه أميركا الشمالية وأوروبا ـــــ والاكتفاء بسياسة خارجية متواضعة تجاه بقية دول العالم من دون التدخل  العسكري والسياسي المباشر؟

لا بد من أن ذلك يشكل  جزءاً من الاستراتيجية الأميركية، مع فارق أن السياسة الخارجية التي أرستها إدارة  بوش في الأعوام الأخيرة ليست متواضعة أبداً، بل هي هجومية تشكّل الحرب «الوقائية»  المسبقة أحد أركانها الأساسية. وهذا هو جزء من رسالة الدرع الصاروخي. إذ يبدو أنّ الدول الغربية، وسط انتقال الاضطراب والقلاقل الاجتماعية والسياسية إلى أراضيها،  ووسط ما يبدو أنّه استحالة تحقيق رفاهية شعوب إلا على حساب شعوب أخرى، قرّرت أن  تخفّف كثيراً من التزاماتها المباشرة تجاه شعوب العالم غير النامي، والتركيز على  مشاكلها ومجتمعاتها هي فقط، على رغم الشعارات البراقة، كأنه تخلٍّ غير مباشر عن العولمة وتمسّك بها في الوقت نفسه، فالحدود هنا تفتح في اتجاه واحد فقط: نحن نأخذ الخيرات والنفط والأدمغة والمال والأسواق، وأنتم احتفظوا بفقركم وأمراضكم وطغاتكم  والمهاجرين العاطلين عن العمل وجميع مشاكلكم… ولا تستطيعون فعل شيء حيال ذلك ولا  حتى بالصواريخ!

لا تبنى الأسوار عادةً إلا لحماية قلب الإمبراطورية، أما خارج الأسوار،  فعلى رغم أنه هو ما يجعل من الإمبراطورية إمبراطورية بالفعل، يبقى، رمزياً على  الأقل، مناطق الفوضى والاضطراب، مناطق الفقر وانعدام الديموقراطية وانتهاك الحقوق  الأساسية للإنسان… في الداخل هناك «دافعو ضرائب»، مواطنون، وفي الخارج هناك… برابرة!

فحتىهذه الإمبراطورية المعولمة، التي تعمل شكلاً على إزالة الحدود  بدعوى السلام العالمي والديموقراطية والانفتاح الاقتصادي والسياسي، هي نفسها لها  حدود، وحدود عسكرية أيضاً. حدود تفصل المواطنين عن «البرابرة»، في منطق يسهّل  علينا فهم ما يحصل اليوم في عالمنا، لأنّ للمواطن حقوقاً، أما البربري فلا حقوق  له، لكن لديه واجباً واحداً وهو الخضوع

بهذه الطريقة نستطيع مثلاً فهم كيفية وصول عشرات المروحيّات وآلاف رجال الإطفاء إلى اليونان في غضون يومين لإطفاء الحرائق، بينما يموت الناس تحت الأنقاض في آسيا وأميركا اللاتينية حتى تترحّم عليهم الأمم المتحدة ببضعة أكياس من الأرز والطحين! وبهذا المنطق أيضاً نفهم كيف أنّ أسر جنديّين إسرائيليّين في جنوب لبنان يستحقّ إرسال 15000 جندي بدباباتهم وبوارجهم وطائراتهم المذخّرة، بينما ذَبحْ نصف مليون نسمة في رواندا منتصف التسعينيات لم يشجّع دول العالم على إرسال ولو شرطي سير واحد!

وبالمنطق نفسه، لا نستغرب كيف تهبّ القيامة في الحكومات الغربية  عندما يسرق أحدهم مسماراً من متحف اللوفر مثلاً أو أي متحف وطني آخر، ويُعتبر  مجرماً دولياً يُلاحَق في أصقاع الأرض، لكن لا تنبس الحكومات نفسها ببنت شفة عندما  تُنهب كل مدينة بابل الأثرية في نقل حيّ على التلفزيون! فبابل هي من حضارات البربر  المندثرة، على نقيض اللوفر، رمز الحضارة الحيّة المبدعة!

ولعلّ رمزية هذا النوع من  الحدود للإمبراطورية هو أبلغ معبّر عن رسالتها. والإمبراطورية، مثل كلّ إمبراطورية  في التاريخ، تحاول إظهار نفسها على أنّها حاملة لرسالة عليا للبشرية، لكن تطبيقها  فقط داخل حدودها، أما خارجها فتنتهك باسم رسالتها حقوق مليارات البشر. وبالنسبة  إلى هؤلاء البشر، المشكلة عند وجود الإمبراطورية، ليست مجرد وجودها، بل وجودها مع  رسالة تدّعي الدفاع عنها.

تتضاعف المشكلة في حالة  الولايات المتحدة، لأن دخول الولايات المتحدة في المرحلة الإمبراطورية يتفاعل مع عولمة لها أسياد عديدون ومتنوعون، لكن يتشاركون جميعاً أيديولوجيا واحدة: الربح من  دون أي اعتبارات لحقوق الإنسان وللواجبات الأخلاقية والبيئية.

والعولمة اليوم متوحشة، ليس فقط لأنّ الاقتصاد انتزع الأولويّة من  السياسة، بل لأنّ فلسفة الربح من دون ضوابط أضحت هي لبّ الأيديولوجيا السياسية،  التي تسيّر أكبر حكومات العالم ومنها حكومة الولايات المتحدة. وهذه هي الرسالة  العليا لإمبراطورية اليوم، الربح تحت شعارات كثيرة.

وإذا تعمّقنا في بنية حكم  الولايات المتحدة لوجدنا ما يثبت ذلك. فواشنطن ليست عبارة عن مجلس شيوخ وكونغرس  ورئيس وحكومة وأجهزة فيدرالية، بل شركات كبرى لها ممثلون في الكونغرس والأجهزة  الفيدرالية، وهي التي ترسم الخطط، ليس لسياسة خارجية للدولة، بل لسياسة ربحية  لشركاتهم تقوم الدولة بتنفيذها. أما دور المحرك العقائدي في السياسة الخارجية الذي  يكثر الحديث عنه اليوم تحت عنواني المحافظين الجدد والمسيحيين المتهوّدين، فهو من ضرورات التوسع الإمبراطوري المتمثلة من جهة بتوفير التعبئة الروحية والمعنوية  والأكاديمية لقوى الدولة، وإيجاد «غلاف» عقائدي جذّاب لرسالة الأمة من جهة ثانية،  وذلك شبيه بالدور الذي أدّته البروتستانتية في التوسع الرأسمالي الأوروبي في عصر  الثورة الصناعية.

ومثال واحد عن آلية اتخاذ القرارات الأميركية وكيفية تأثيرها على عمل  «المجتمع الدولي» بكامله، تثبت ذلك. ففي أحد الوثائقيات على تلفزيون الجزيرة، ذكر  تقرير حادثةً متعلقةً بالسكر. ففي دراسة لمنظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، تبيّن أن نسبة السكر في المشروبات الغازية له تأثيرات مدمرة على صحة  الإنسان، ما حدا المنظمة إلى إعداد تقرير في سبيل إقرار الحد من نسبة السكر في تلك  المشروبات. ولكن المتضرر الأكبر كان اتحادات السكّر، بدءاً بتلك الزراعية إلى  الصناعة وانتهاءً بالتصدير، التي هي أحد أهم ممولي الحملات الانتخابية للرئيس  الأميركي. وطلبت تلك الاتحادات من رئيس بلادها منع التقرير من الوصول للضوء تحت  طائلة قطع التمويل عن الحملات الانتخابية. وعلى أساسه هددت الحكومة الأميركية  صاحبة الإسهام المالي الأكبر في موازنة منظمة الصحة العالمية بقطع المعونة المالية  عن المنظمة إذا أصرّت الأخيرة على المضي في تقريرها حتّى النهاية. واختارت المنظمة  عدم نشر التقرير والسماح لآلاف البشر حول العالم بإيذاء صحتهم كي تستطيع شركات  عملاقة تحقيق بعض الدولارات الإضافية… تذكّروا أننا لا نزال نتكلم عن السكّر،  فكيف الأمر بصناعة النفط والأسلحة والمنتوجات التكنولوجية وغيرها!

وفي ظلّ هذا الواقع، لا يوجد مجتمع دولي إلا في ذهن المثاليين… ما  هو موجود بالفعل هو إرادات دولية، قد تتفق طموحاتها مع الأخلاق الإنسانية، وقد لا  تتفق وهذا الأغلب، حيث القرارات تؤخذ بجداول الربح والخسارة. وها هو الجدال الدائر في الولايات المتحدة اليوم حول الانسحاب من العراق يدعم ذلك. فجوهر الجدال ليس حول  كذب الحكومة بشأن أسلحة الدمار الشامل، أو مدى أخلاقية الاحتلال بحد ذاته وسرقة  الموارد الطبيعية وقتل الأبرياء، فهذا جدل للصحف والجامعات والجمعيات المدنية، لا  للمؤسسات السياسية العليا. فالأخيرة تدرس فقط ما إذا كان الوجود الأميركي المباشر  في العراق يدرّ أرباحاً عبر تسهيل آلاف العقود للشركات الأميركية، تفوق الأعباء  المالية والبشرية (الخسائر) التي يستطيع المجتمع والموازنة المالية تحمّلها.

وها هو الدرع الصاروخي، إعلان معاصر بأن القواعد القديمة لا تزال  جارية، وأنه في اللحظة التاريخية التي سقطت معظم الحدود التي تصارعت البشرية عبرها  لقرون ووفرت ثورة التكنولوجيا فرصة نادرة لتحقيق التقارب بين الشعوب، قررت أعتى  دولة في العالم إقامة أبشع أنواع الحدود، ولا نقصد فقط رمزية الدرع الصاروخي التي  تحدثنا عنها، بل الحدود الدموية التي بنتها الولايات المتحدة حول نفسها، لأنها  بالمنطق الذي تريد أن تحكم فيه العالم، بالرسالة التي تحملها، لا يمكن أن يكون لها  سوى حدود من الدماء.

الأخبار، الثلاثاء 4 أيلول 2007