إيران أيضاً تخشى «طلبنة» باكستان

طوني صغبيني

فيما تتخذ الأزمة في باكستان أبعاداً دولية متزايدة، تغذيها المخاوف الغربية من الانعكاسات الهائلة على منطقة الشرق الأوسط الناجمة عن أي تغيير «غير مبرمج» في نظام الحكم المترنح، تتجه الأنظار أيضاً إلى إيران، التي تراقب بصمت التطورات عند جارها الشرقي، القابع على أكثر من 100 قنبلة وصاروخ نووي.
على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، شهدت العلاقات الباكستانية ـــــ الإيرانية هبوطاً وصعوداً مستمرين، حكمتها المخاوف المشتركة من إقامة أنظمة حكم عدائية في إسلام أباد وطهران، نظراً للحدود الطويلة بين البلدين، والعلاقات المتشابكة والتأثير المتبادل. وفي الواقع، فإن تبدلّ أنظمة الحكم وتحالفاتها الإقليمية، كان العامل الأكبر في توجيه بوصلة العلاقات بين البلدين.
وتدهورت العلاقات الثنائية للمرة الأولى بشكل جدي، إثر نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي أطاحت الدعم الباكستاني لنظام الشاه، وأطلقت سنوات من القتال بالوكالة بين النظامين، عبر دعم الجماعات السنية والشيعية داخل كل من البلدين. ثم انفجرت المواجهة بشدّة منتصف التسعينات إثر قيام الاستخبارات الباكستانية بمساعدة بعض المدارس الدينية المتشددة بتأسيس «طالبان» ومساعدتها على إحكام سيطرتها على أفغانستان، وإقامة نظام أصولي فيها، اعتبرته إيران معادياً لها وتهديداً مباشراً لأمنها القومي من البلد الذي تتقاسم معه أطول حدود برية. وكاد التوتر يتحول إلى حرب مباشرة بين إسلام أباد وطهران، بعد حشد القوات الإيرانية على الحدود الأفغانية، رداً على قيام طالبان بقتل عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار الشريف عام 1998. وردّت طهران بزيادة دعمها لتحالف الشمال المكوّن من اثنيات الهزارة والطاجيك والتركمان واثنيات أخرى استطاعت عام 2001 طرد طالبان من كابول بمساعدة التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
أمّا التعاون النووي بين الدولتين، الذي أتاح لإيران أن تتقدم ببرنامجها النووي، فقد حصل في الفترة الممتدة بين أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، حين شهدت العلاقات استقراراً نسبياً، وبعد فترة قصيرة من تدهور علاقات باكستان بالولايات المتحدة. لكن إسلام أباد تنصّلت بشدة من مسؤوليتها عن تصرّف عبد القدير خان، أب البرنامج النووي الباكستاني، الذي أنشأ تجارة ناجحة من بيع المعرفة النووية إلى كوريا الشمالية وليبيا وإيران، وأصرت على أن التصرف المذكور كان «بسبب إغراءات المال وعن طريق الخداع».
ومنذ عام 2001، دخلت العلاقات الباكستانية ـــــ الإيرانية مرحلة جديدة، بعد رفع الغطاء الباكستاني عن طالبان وإسقاط حكمها في أفغانستان. تطوّر أتاح استعادة التعاون، ولاسيما في مجال تبادل تقنيات السلاح في مقابل النفط، واستئناف محادثات مشاريع أنابيب النفط والغاز التي تمرّ في الهند وباكستان وإيران.
لكن التوتر بقي قائماً رغم التحسن النسبي، على خلفية الدور الإيراني المزعوم في زعزعة الاستقرار في أفغانستان، الأمر الذي تراه إسلام أباد يهدد نظامها. كما أن الصلات بين الجنرال برويز مشرّف والبيت الأبيض تزيد المخاوف الإيرانية بعد تصاعد حدّة المواجهة مع الولايات المتحدة.
وقد تدفع العلاقات الباكستانية مع الدول المتخوفة من الطموحات الإيرانية، ولا سيما مع السعودية، إلى تغذية مخاوف طهران من إسلام أباد. ومن المعروف أن السعودية موّلت الجزء الأكبر من البرنامج النووي الباكستاني، ولعلّها الدولة الوحيدة التي زار مسؤولوها المنشآت النووية الباكستانية، كما أنها من توسّط مع الصين لمساعدة إسلام أباد على شراء صواريخ بعيدة المدى. وقد لمّح بعض المسؤولين الإيرانيين أخيراً إلى تعاون نووي بين السعودية وباكستان، كما اقترحت الرياض إنشاء مركز لتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
ويقول الباحث في الشأن الإيراني في مركز «مجموعة الأزمات الدولية»، كريم سدجدبور، «من وجهة النظر الإيرانية، أحد أسباب مخاوفهم الأمنية (التي يتذرعون بها للتمسك بالبرنامج النووي)، هي ما يدعونه احتمال طلبنة باكستان… إن هذه المسألة تسبب قلقاً جدياً في إيران».
ورغم التصادم، تتشارك طهران وواشنطن الخوف نفسه من سقوط مشرّف. ويبدو أن البيت الأبيض سيضطر إلى تقديم «خدمة» جديدة للنظام الإسلامي على الحدود الشرقية، بعد إسقاط نظامي طالبان وصدام، هي الاضطلاع بمعركة منع إقامة «أصولية نووية» في إسلام أباد.


الأخبار عدد الجمعة ٩ تشرين الثاني ٢٠٠٧