توصيات لجنة كينيدي: مأسسة عمل الشركات الأمنيّة

طوني صغبيني

مرتزقة لكنّهم ليسوا مرتزقة! هذه هي الوضعية الجديدة التي أوجدتها الإدارة الأميركيّة للشركات الأمنية الخاصّة العاملة في الخارج إلى جانب جيوشها، بعدما أقرّت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أخيراً توصيات أدخلت تعديلات كبيرة على علاقة البيت الأبيض بالمتعاقدين.
واضح من التوصيات أنّها تحدّ من حرية ونفوذ الشركات الخاصّة التي سُمِح لها سابقاً بارتكاب المجازر دون أي محاسبة، لكنّها تحمل في الوقت نفسه اتجاهاً يدفعها أيضاً خطوة إضافيّة في اتجاه التكامل مع السياسة الخارجية الأميركية، عبر الاعتراف بدورها وتنظيم العلاقة معها.
منذ مجزرة ساحة النسور التي ارتكبها مرتزقة شركة «بلاك ووتر» في بغداد وما سبّبته من ردود فعل عنيفة، بدا أنّ واشنطن بدأت البحث عن المدخل لتنظيم العلاقة مع هذا النوع من الشركات. وفيما تذمّرت وزارة الخارجية أكثر من مرّة في وسائل الإعلام من تصرّفات «بلاك ووتر» و«داين كورب انترناشونال» مستهدفة وضعها «تحت السيطرة» بعد إلحاق أضرار بصورة البيت الأبيض، اقترحت وزارة الدفاع التي سهّلت سابقاً تدفّق العقود على تلك الشركات، أن يتمّ وضع الأخيرة تحت إمرتها المباشرة.
واعتمدت لجنة وزارة الخارجية لإعادة النظر بوضع شركات الأمن برئاسة باتريك كينيدي مقاربة مختلفة عن نظرة وزير الدفاع روبرت غيتس، تبنّتها رايس وتمثّلت بضبط عمل الشركات عبر صلات أوثق مع كل من البنتاغون والسفارة الأميركية لدى بغداد ووزارة الخارجية. ويبدو أنّ كلا الاتجاهين للخارجية والدفاع، يحملان ضمناً قناعة تتمثّل بربط المرتزقة قانونياً ومؤسّساتياً بالإدارة الأميركية حتى تكاد تصبح جزءاً رسميّاً من توجّهات البيت الأبيض بعدما كانت نتاجاً محرجاً لسياساته الخارجية.
ولعلّ أكثر ما دفع في هذا الاتجاه، هو الاعتراف الرسمي للمرّة الأولى، بأنه «لا بديل عن المتعاقدين» في تقرير لجنة كينيدي، في ظلّ تنامي الحاجات الأمنية والعسكرية من جهة، ورفض الجيش الأميركي تولّي مهمات المتعاقدين قائلاً للجنة إنّ ذلك «مسألة غير ممكنة… وغير مرغوبة»، من جهة ثانية.
وتشير أرقام إنفاق الحكومة الأميركية على العقود الأمنية للعام الماضي، إلى تزايد الاعتماد على المرتزقة، حيث اعترف البيت الأبيض بارتفاع مدفوعاته لحساب هذه الشركات من مليار دولار، إلى 4 مليارات سنويّاً، فيما أفاد تقرير آخر نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بأن الإدارة تعمل على زيادة عدد الموظّفين الذين يشرفون على العقود وينظّمونها بعدما ظلّ عددهم في الماضي محدوداً جداً، مسبّباً فوضى كبيرة في الإدارة المالية.
ويمكن أن تكون زيادة الموظّفين هي الخطوة الأولى في اتجاه تحويل العلاقة بين هذه الشركات والإدارة، من علاقة تقوم على الصلات الشخصية والسياسية إلى علاقات متمأسسة بين الطرفين.
ومن أبرز الدلالات على توثيق العلاقة بين الإدارة والشركات الأمنية، تشديد توصيات كينيدي على رفع مستوى التنسيق بين الحرّاس الخاصّين مع البنتاغون ومع أمن السفارة، وتلقين المتعاقدين الإجراءات العسكرية والدبلوماسية، وخضوع الشركات لمحاسبة وزارة العدل… والتوصية الأهمّ في هذا المجال، هي تعزيز تواصل السفارة الأميركية مع عائلات الضحايا حيث سيقوم فريق من وزارة الخارجية بزيارة العائلات العراقية المتضرّرة «لتقديم التعازي والتعويضات المناسبة» عقب كلّ حادث قتل أو إضرار بممتلكات، وهو ما يدلّ على أنّ السفارة الأميركية ستتحمّل فعلياً المسؤولية عن أعمال المرتزقة.
أبرز الثغر التي شابت التقرير، هي عدم حسم مسألة خضوع الشركات الأمنية للقانون الأميركي، حيث تتمسّك الشركات بعدم الخضوع للقانون العسكري لكونها ليست جزءاً من الجيش الأميركي، كذلك لا سلطة للقانون المدني عليها لأنها تعمل تحت عباءة البنتاغون. ويبدو أنّ قرار إخضاعها للقانون الأميركي هو سياسي بالدرجة الأولى، لأنّه سيحرم جسماً عسكرياً يعمل للأهداف الأميركية، من ميزات وحصانات تتيح له القيام بالأعمال «الوسخة» التي لا يمكن الجيوش النظامية القيام بها (على الأقلّ من حيث المبدأ)، مثل تعذيب المعتقلين حيث يتمّ جزء منه على أيدي أعضاء سابقين في أجهزة الديكتاتور التشيلي أوغوستو بينوشيه استقدمتهم «بلاك ووتر» بالمئات إلى العراق. ويمكن أن يكون التأخّر في حسم هذه النقطة ناتجاً من تمهّل الإدارة في دراسة منافع وأضرار إخضاع «وحوش» الشركات الخاصّة، الذين أشادت اللجنة «بفاعليتهم العالية» في حماية المسؤولين، للقانون الأميركي.
من هنا يمكن الاستنتاج أنّه إذا اقتنعت الإدارة الأميركية حقّاً بضرورة الاعتماد الاستراتيجي على المرتزقة، فإنّ الإصلاحات الأخيرة كانت ضرورية لشرعنة هذه الشركات، وتجميل صورتها المهشّمة ووضعها تحت إشراف البيت الأبيض، تمهيداً لتوسّع مقبل في دورها. ويبدو هذا التوجّه واضحاً في ظلّ استمرار تنامي الطموحات الأميركيّة وتلويح واشنطن بتوجيه ضربة لإيران، الأمر الذي سيزيد الاعتماد على المتعاقدين لإتاحة انصراف الجيش إلى مهماته الأخرى.
يبدو كأنّ العلاقة بين جيوش المرتزقة وواشنطن تنضج ببطء لتنتقل من الاعتماد العفوي الفوضوي إلى القوننة المنظّمة. وليس ذلك بغريب عن البيت الأبيض؛ فإذا كانت المرتزقة هي بطبيعتها متوحّشة وغير إنسانيّة، ومعلماً من معالم عصور الظلاميّة، فذلك لا يتعارض مع إخضاعها لضوابط قانونية ومؤسّساتية لأنه ينسجم شكلاً مع صورة العالم «الذي يسود فيه القانون وحقوق الإنسان والديموقراطيّة»، كماركة مسجّلة للسياسة الخارجية الأميركيّة.


جريدة الأخبار عدد الاثنين ٥ تشرين الثاني ٢٠٠٧