الاقتصاد الصيني الناخب الأكبر… في تايوان

طوني صغبيني

قد يبدو الكلام عن ارتياح الحزب الشيوعي الحاكم في بكين لانتصار الحزب الوطني الصيني (الكيومنتانغ) في تايوان في الانتخابات التشريعية السبت الماضي غريباً جداً لمن يعرف التاريخ الدموي الطويل الذي يربط الحزبين، اللذين تواجها في حرب أهلية ثم في صراع اقتصادي سياسي حاد لنصف قرن منذ انسحاب مقاتلي الكيومنتانغ المهزومين في البر الرئيسي إلى جزيرة تايوان.
هذا «الانقلاب» في الأدوار يمكن فهمه بعد معرفة التغيرات الجذرية التي حصلت على جانبي مضيق فورموزا منذ أفول حكم ماو تسي تونغ في البرّ الرئيسي وبداية «أعجوبة النمو الصيني». نمو جعل الحزبين الشيوعي والوطني للقرن الواحد والعشرين غير ما كانا عليه القرن الماضي: الشيوعي يحمل لواء الليبرالية الاقتصادية وينفتح تجاه مزيد من المشاركة السياسية، فيما الكومنتانغ يدافع عن إقامة علاقات مباشرة مع بكين وطي صفحة الخلافات بصورة نهائية.
وهذا ما يفسر بشكل أساسي الهزيمة الساحقة للحزب التقدمي الديموقراطي، الذي جعل الشعار العريض لسياسته الخارجية «معاداة الصين»، ولم يستفد على ما يبدو من تجربة الكيومنتانغ الطويلة في الحكم (التي امتدت منذ 1949 حتى عام 2000) وخلاصتها التعامل مع بكين بواقعية.
معاداة الصين كانت لها نتائجها الكارثية على الاقتصاد التايواني، حيث هربت الرساميل (أكثر من 150 مليار دولار في العشرين عاماً الأخيرة) بانتظام من الجزيرة إلى المناطق الصناعية المزدهرة على الساحل الصيني الشرقي، ولجأ التايوانيون إلى البر الرئيسي لتحصيل قوتهم (حوالى 4.3 في المئة من سكان تايوان ـــ مليون نسمة ـــ يعملون أو يعيشون في الصين بحسب مجلس البر الرئيسي في حكومة تايوان).
وعارض الرئيس الديموقراطي تشين شوي بيان بحدة دعوات رجال الأعمال والصناعة إلى توسيع العلاقات التجارية مع بكين والاستفادة من الفرص التي يجلبها النمو الاقتصادي الصيني، وخصوصاً بعدما بلغت الصادرات التايوانية إلى بكين أكثر من 40 في المئة من مجمل صادراتها. وبالعكس، أصدر تشين بيان قرارات عديدة للحد من الاستثمارات التايوانية في البر الرئيسي ورفض فتح خطوط تبادل مباشرة بين بكين وتايبيه لتسهيل الحركة التجارية.
وبعد الاقتصاد، كانت التوترات السياسية سبباً إضافياًَ للناخبين لعزل الحزب الديموقراطي عن البرلمان؛ فالعلاقة مع بكين شهدت التوتر الأكبر في تاريخها في عهد تشين بيان، بعدما أصر على انتهاج سياسة «استقلالية» متطرفة بلغت ذروتها في طرح فكرة تنظيم استفتاء في آذار يتزامن مع الانتخابات الرئاسية في الجزيرة بهدف إعلان الاستقلال والانضمام إلى الأمم المتحدة، الأمر الذي أغضب حتى الولايات المتحدة، أقرب حلفاء تايوان، والتي وصفته على لسان وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس بأنه ينم عن «سياسة استفزازية»، في ظلّ تهديد العملاق الآسيوي باستعادة الجزيرة بالقوة.
مثل هذه السياسة سبّبت تدهوراً في العلاقات الخارجية لتايوان، التي غرقت في عزلة متزايدة بعد سقوط علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية الواحدة تلو الأخرى، وكان آخرها دولة مالاوي، التي أعلنت أمس قطع العلاقات مع الجزيرة لمصلحة بكين.
في المقابل، وعد «الكيومنتانغ» بالضغط باتجاه «اتفاق سلام» مع الحكم الشيوعي وتحسين العلاقات معه والسماح بزيارات السياح من القارة إلى الجزيرة واستئناف الخدمات البريدية والتجارية والنقل المباشر التي انقطعت قبل 60 عاماً، وهو ما يراه الناخب التايواني مدخل استعادة النمو.
أمام هذا الواقع، أضحت المعادلة الانتخابية واضحة: الاقتصاد هو الناخب التايواني الأكبر، وبكين هي «الجار ـــ الشقيق»، الذي يحقق معدلات نمو خيالية في الوقت الذي أقفل فيه الحزب الديموقراطي الباب أمام تايوان للاستفادة، ولو بالقدر اليسير ،من الأعجوبة المجاورة.
والنتيجة لم تتجلّ فقط بخسارة الحزب الديموقراطي للانتخابات التشريعية، بل يبدو أن بكين استطاعت أيضاً تحويل قوتها الاقتصادية إلى إغراء حقيقي لتايوان بتجاوز الانقسامات السياسية القديمة، بحيث دفعت مواطني الجزيرة إلى معاقبة حكامهم بالنيابة عن بكين على سياساتهم الانفصالية.
أما الخلاصة الأبعد للانتخابات فهي الدلالات التي حملتها عن مستقبل الجزيرة، إذ أظهرت أن التايوانيين غير مستعدين لمغامرات سياسية جديدة من قبيل إعلان الاستقلال الذي يهدد بحرب مع الصين، وأنهم عندما يضطرون للاختيار بين الاستقلال السياسي والرخاء الاقتصادي فهم يختارون الثانية حتماً.

الأخبار عدد الثلاثاء ١٥ كانون الثاني ٢٠٠٨