الأزمة التشادية… والرياح الآتية من الشرق

طوني صغبيني

لم يكد المتمردون ينسحبون من نجامينا حتى ارتفعت أصوات مجلس الأمن لدعم الحكومة التشادية، بعدما كان أعضاؤه يدرسون مرحلة «ما بعد نظام الرئيس ادريس ديبي».
وعلى وقع أزيز الرصاص، لم توارب الصحف السودانية في الدفاع عن مصلحة الخرطوم «بإقامة نظام صديق» في التشاد، في ظلّ طغيان مسألة إقليم دارفور على الخلافات الداخلية بين الفرقاء التشاديين.
فالحرب الأهلية في دارفور هي العقدة التي تجتمع فيها معظم ملامح الأزمة التشادية الحالية. والأخيرة لم تكتسب أبعادها الدولية إلا بعد الإعلان عن انتشار قوة أوروبية من آلاف الجنود «يوفور» في المثلث الحدودي بين التشاد والسودان وأفريقيا الوسطى، لحماية الدارفوريين من بطش الميليشيات السودانية الحكومية.
بعد إنشاء «يوفور»، دخلت الأزمة التشادية في مرحلة جديدة: الخرطوم لم تعد قادرة على تحمل حكم ديبي في نجامينا، والذي يغدق المساعدات على متمردي دارفور.

وزير الدفاع الفرنسي موران يصافح الرئيس التشادي ديبي في نجامينا أمس (باسكال غويو ـ رويترز)

ونجامينا بدورها لا تستطيع تجاهل النزاع المجاور لها لسببين: العبء الاقتصادي والسياسي الكبيران اللذان يسببهما النزاع، وخاصة في ما يتعلق باللاجئين، والقرابة الدموية بين المتمردين في الإقليم والحكم التشادي (قبيلة الزغاوة).
وفي الوسط، يقف المتمردون التشاديون، قرب جار سوداني «كريم» يقدّم لهم المأوى والدعم، وفي مواجهة حكم فاسد أكثريته من الزغاوة. وضعية المتمردين هذه تضعهم في مواجهة معضلات عديدة: فمن الصعب عليهم أولاً أن يشيحوا نظرهم عن «الأخ» السوداني الداعم، لكن من الأصعب إن تسلموا الحكم أن يتجاهلوا مصلحة بلادهم في وضع حدّ للأوضاع في دارفور.
الاحتمال الأول يضعهم في مواجهة الزغاوة ذات النفوذ المتراكم من سنين حكم طويلة. وحكم ديبي نفسه، رغم دعمه لتمرد دارفور، واجه انشقاق بعض ضباطه الذين اتهموا النظام «بالتلكؤ» في الدفاع عن الزغاوة في وجه الخرطوم.
أما الاحتمال الثاني فيؤدي إلى تكرار سيناريو ديبي نفسه، الذي انطلق من السودان ليتسلّم السلطة، ثم وجد نفسه في حالة تشبه الحرب مع الخرطوم.
وتطرح «يوفور» إشكالية جديدة على المتمردين: من المستحيل أن تسمح الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، بتسلم المتمردين الحكم إذا كانوا ينظرون إلى القوة العسكرية الأهم في شرق أفريقيا بعيون سودانية.
هذا ما يفسر التناقض في موقف المتمردين من القوات المشتركة، حيث أعلنوا ترحيبهم بها، بعدما أكدوا في الماضي أنهم سيعاملونها كاحتلال.
وانتشار «يوفور» هو بدوره، إشارة إلى بداية مرحلة جديدة، عنوانها «تحقيق الاستقرار»، بهدف تأمين سلامة القوات العسكرية وإتاحة المجال لبدء استغلال حقول النفط الجديدة المكتشفة في شرق التشاد وتنفيذ المشاريع النفطية الكبرى، ومنها خط أنابيب ذات أهمية كبرى من التشاد إلى الكاميرون.
البحث عن الاستقرار يمكن أن يشرح وقوف القوات الفرنسية على الحياد عندما كان المتمردون يحاصرون حليفاً تاريخياً لها في القصر الرئاسي. إذ يمكن أن تكون باريس قد أعادت النظر لوهلة في دعم نظام متأرجح لا يقدر على إنهاء التمرد لا سلمياً (آخر اتفاقية سلام كانت منذ أقل من ثلاثة أشهر)، ولا عسكرياً (هذا الهجوم هو الثاني على نجامينا في غضون سنتين).
الطرح الأوروبي لـ«يوفور» يرى أن انتشار القوات سيجلب معه استقراراً للمنطقة، لكن مجرى الأمور على الأرض ينحو في الاتجاه المعاكس؛ فالمتمردون يعيدون النظر باستراتيجيتهم والمخاوف السودانية تتصاعد، وعلاقة الخرطوم الوثيقة مع العملاق الصيني الظمئ إلى نفطها، قد تدفعها إلى مغامرة يمكن أن تكون مباشرة. ولعلّ ما قيل عن مشاركة طائرات سودانية في الهجوم على محافظة ادري في الشرق هو الإشارات الأولى للتدهور.
المعارك هدأت، لكن الأزمة لا تزال بعيدة عن نهايتها. وإذا «هبّت رياح التغيير هذه المرة من الشرق»، على حد تعبير إحدى المقولات الشعبية، فستلتقي بـ«يوفور» في منتصف الطريق.


الأخبار عدد الخميس ٧ شباط ٢٠٠٨