إسقاط خرافة «الفرادة» لتصالح الغرب مع الشرق

تقدّم أوروبا كان نسبيّاً والمطلَق نتيجة الأحكام المسبَّقة

طوني صغبيني


عبر مؤلَّف موسوعي، يقدّم أستاذ الانثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كامبريدج، جاك غودي، رؤية جديدة للعلاقة بين الشرق والغرب عبر تحطيم المقولات التقليدية المفسّرة للتفوّق الغربي، الواحدة تلو الأخرى.
فمع غودي، الشرق ليس كياناً أزليّاً متخلّفاً، ولا الغرب، «عقلانية» متأصّلة ومتفوّقة في طبيعتها.
وتصنيف العالم إلى شرق وغرب هو بحدّ ذاته «خطأ كبير» يُضمّ إلى لائحة المغالطات الكثيرة التي وقع فيها الفكر الأوروبي عند تصنيفه العالم إلى ثنائيات متضادّة: المجتمع الحديث / التقليدي، المتقدّم / البدائي، الرأسمالي / ما قبل الرأسمالي… وهي تصنيفات اعتبرها غودي «فخّاً» يشوّه أيّ بحث موضوعي.
الفروق بين الشرق والغرب جرى تضخيمها لفترة طويلة، لتأكيد «الطابع الفريد للغرب»، الذي أتاح له التقدّم على حساب «نقيضه الشرقي».
من هنا يبدأ الكاتب بتحطيم الفرضيّات التي تحدث نتيجة أسباب «هيكليّة» لتخلّف الشرق، متناولاً ما كان يُعدّ «ميزات دائمة للغرب» في الفكر الاستشراقي، الذي وصل أحياناً حدّ القول بالتفوّق البيولوجي ـ العرقي والاختيار الإلهي.
ويعيد الباحث في مؤلّفه تأكيد علاقة «الأخذ والردّ» بين العالمين، مركّزاً بصورة خاصّة على إبراز المشترَك بين المجتمعات التي تتشاطر كلّها إرث «الثورة الحضرية للعصر البرونزي»: إنّه «الشرق في الغرب»، و«الغرب في الشرق»، في علاقة يمثّل فهمها مدخلاً أساسياً ليس فقط إلى فهم «الآخرين»، بل إلى فهم الغرب نفسه، بحسب غودي.
وينطلق المؤلِّف من قناعة بأنّ «أسباب المنجزات سواء في الشرق أو الغرب، ترتبط أكثر بظروف حدوثها» التاريخيّة، وبشكل خاص عبر تراكم «العمليات المعرفية»، لا بسبب «عقلية خاصة» تعطي لمجتمع ما، تفوّقاً على نظرائه.
يبدأ الفصل الأوّل بمحاكمة المنطق الأرسطي واليوناني، الذي يُعدّ حجر الزاوية في تطوّر العقلانيّة الغربيّة. فيشكّك في المدى الذي أدّاه في التقدّم العلمي. ثمّ يُبرز أنماط العمليات المعرفية الشبيهة في بلاد ما بين النهرين والهند والصين واليابان التي سبقت تطوّر المعرفة الإغريقية.
وينتقل في الفصل الثاني إلى بحث تطبيقات العقلانية في الاقتصاد مختاراً علم المحاسبة (أو مسك الدفاتر) نموذجاً تحليلياً، نسبة إلى أهميته في تنظيم الاقتصاد التجاري الصاعد في أوروبا خلال عصر النهضة، وعلاقته الوثيقة بأساليب الترشيد العقلانية.
وفي هذا المجال يؤكّد الكاتب أنّ التطوّرات التي شهدتها العملية في الغرب كإضافة القيد المزدوج كانت «خطوة أبعد في عملية يمكن أن نطلق عليها وصف العقلنة، لكنها ليست بالنظام الفريد الذي كان التوصّل إليه نتيجة شكل خاص فقط من أشكال العقلانية».
ويتابع المؤلّف حديثه عن التجارة الدولية والاقتصاد، في الفصلين الثالث والرابع، حيث يظهر أن الشروط الاقتصادية المسبّقة التي اعتبرها الباحثون ضرورية لنجاح التوسّع التجاري الأوروبي في القرن السادس عشر، كانت موجودة أيضاً إلى درجة كبيرة في المجتمعات الأخرى. وقد اختار الهند نموذجاً لهذين الفصلين، فحلّل بشكل مسهَب حالة التجارة هناك منذ القرون الوسطى حتى العصور الحديثة، ولا سيما قطاع صناعة الملبوسات الذي «أدهشت ضخامته» الأوروبيّين الوافدين حديثاً.
ويهاجم غودي بشكل خاص مقولة «الأخلاقيات الاقتصادية» كأطروحة ماكس فيبر عن تناسب الأخلاق البروتستانتية مع روح الرأسمالية، وهي مقولة سقطت مع النجاح الاقتصادي في آسيا البوذية ـ الهندوسية ـ الكونفوشيوسية ـ الإسلامية.
أما الفصلان الخامس والسادس، فيتمحوران حول بنية الأسرة في الشرق والغرب على التوالي، ودورها في التقدّم الاقتصادي. ويمتاز الفصلان بالكثافة وعمق التحليل، حيث يتناول المؤلّف أمثلة واسعة من آسيا وأفريقيا، متوقّفاً عند الأدوار التي أدّتها عند كلّ تطوّر اقتصادي أو اجتماعي مهم، انطلاقاً من علاقتها بالمشروع التجاري والإدارة وصولاً إلى تحليل أهمية النزعة الفردية «المبالغ» بتأثيرها.
ويتابع السياق نفسه في الفصل السابع، حيث يتناول بنية العمل والإنتاج، مؤكّداً وجود بذور للمرحلة الرأسمالية خارج الإطار الغربي.
أمّا الفصل الثامن، فيمكن اعتباره خاتمة الكتاب، حيث يشدّد الكاتب على ضرورة إعادة تقويم تاريخ التقدّم الغربي والشرقي، على ضوء ما أورده في مؤلَّفه. يضاف إليه ملحق صغير عن الإطار التاريخي للتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب.
جاك غودي نجح دون شكّ في تعرية العديد من النظريات التي مثّلت لفترة طويلة أساس «الوعي بالتفوّق» التي يصوّرها الغرب عن نفسه. وهو يفاجئ القارئ في أكثر من مكان بقدرته على التحليل الموضوعي المتجرّد من الأوهام الأيديولوجية ـ النفسية التي تظهر أحياناً لدى المفكّرين الغربيّين عند تناول هذا الموضوع. ولعلّ حرصه على الحقيقة يظهر في اعترافه بخطئه حول أفكار سابقة له في أكثر من مكان، أبرزها عودته عن فكرة «الأفضلية» التي أعطتها الأبجدية اليونانية لتطور العلوم الغربية، بالنسبة إلى الكتابة التصويرية الشرقية في الصين واليابان.
ولعلّ أهم ما جاء في الدراسة هو عدم وضع الغرب والشرق في مقارنة كلية تسطّح البحث، إذ يختار أمثلة دقيقة، تدلّ على تقدّم بعض المجتمعات الشرقية على نظيراتها الغربية في مجالات عدة، بدءاً بالأسرة والمدينة وصولاً إلى مكانة العقل في المجتمع.
لكن الكاتب، في معرض إسقاط مقولات التفوق البنيوي، ومنها نظريات النظم العالمية القائلة بالمركز والأطراف (التي لم يكن لنقدها حصّة كبيرة في متن المؤلف)، لم يطرح نظرية متكاملة تفسّر أسباب التفوّق ولو المرحلي للمجتمعات. وباستثناء التركيز على أهمية «العمليات المعرفية»، يكتفي غودي في أكثر من مكان بنفي الفرضيات الأخرى، والإضاءة على سلسلة من الأحداث التاريخية وسّعت مع الوقت هامش التفوق الغربي، تاركاً للقارئ الربط في هذا الشأن.
ولعلّ ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أن الغرب بنظره، لم يحقّق تفوّقاً كاملاً ودائماً، بل الوضع أشبه بتأرجح رقّاص الساعة إذ «يتقدّم طرف على جبهة في مرحلة ما، فيما يتقدّم آخر في مرحلة مختلفة».
وهو ربما بهذه الطريقة، يعيد الاعتبار إلى المجتمعات البشرية المؤهّلة جميعها، لتحقيق التقدم والتحديث، لأنه «ليس هناك طرف واحد يحظى بمفرده بملامح فريدة ذات طابع دائم بما يمكنه دون سواه من الابتكار».


العنوان الأصلي
«الشرق في الغرب»
الكاتب:
جاك غودي
الناشر والموزّع
المنظمة العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية


الأخبار عدد الاربعاء ١٢ آذار ٢٠٠٨