تأريخ «بلاد الملثّمين» في العروبة و«الإجماع»

صعود المجتمع الأهلي في ظلّ غياب السلطة المركزيّة

طوني صغبيني
في ظلّ ندرة الدراسات الاجتماعية العربية التي تتناول أوضاع المجتمعات الأهلية في العالم العربي، ولا سيما في أطرافه الأفريقية، يقدّم الدكتور حماه ولد السالم، مرجعاً في التاريخ الاجتماعي «لبلاد الملثّمين»، أو ما يُعرف اليوم بموريتانيا، خلال أهمّ التحولات التي طرأت عليه بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. يطرح الكاتب إشكاليّات عدّة، تتجاوز عرض الوقائع، مكوّناً ما يشبه «المحاور» في تحليل المجتمع الأهلي. أهمّها، يبدأ بالتساؤل عن وجود المجتمع الأهلي نفسه، في ظلّ طغيان صورة الإمارات والرئاسات الحربية في التاريخ الموريتاني. ويتعمّق الباحث في هذا الشأن، متناولاً وضعية المؤسّسات الأهليّة، وأهميّتها، في تعويض الغياب التاريخي للسلطة المركزية، والحفاظ على الوحدة الثقافية في البلاد، وروابطها الكبرى مع عمقها العربي. ويوازي ذلك أهمية، إشكالية أخرى، يحاكم خلالها السالم، دور جماعة الحلّ والعقد، في قدرتها على «تجاوز المستوى القبلي الضيق، إلى دور أكثر قوة وتجدداً من القيادات العشائرية التقليدية».
ويتطرّق في هذا الشأن إلى دور الإفتاء المالكي (نسبة للإمام مالك بن أنس)، المسيطر في موريتانيا من دون منازع، «في بناء الإجماع (بالمعنى السياسي للكلمة) والتمكين له بين القبائل في المدن والبوادي، على الرغم من البنية القبلية المعقّدة».
ويولي الكاتب، أهمية خاصة لـ«تأريخ الإجماع»، على خلفية ما يراه السالم «حيوياً لفهم أزمة مجتمعاتنا وسبل ترميم الإجماع ومقتضياته». والتركيز المذكور يعيد طرح النقاش بشأن قدرة مفهوم الإجماع على بناء دولة حديثة، قادرة على استيعاب الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي في عصر العولمة المضطرب، ولا سيما في ظلّ رؤية الكاتب أن الأزمة الحالية للمجتمعات العربية «تعود إلى تفكك المجتمع الإسلامي التقليدي الذي تحقق إجماعه منذ قرون».
والخلاصة التنفيذية، هي بمثابة فصل تمهيدي، تعطي لمحة تاريخية عن المجتمع الموريتاني، خلال المفاصل الكبرى المتمثلة بخمس محطّات رئيسية: الفتح العربي، قيام دولة المرابطين، الهجرية العربية الحسّانية «الهلالية»، ثم الحرب بين قبائل الصناهجة البربر، وصولاً إلى دخول الاستعمار.
ويرتكز المجتمع الأهلي خلال هذه الفترة على ثلاثة أركان أساسية، هي قبائل «الزوايا»، التي تختصّ بالشؤون الدينية من الإمامة والقضاء والإفتاء، إضافة إلى الشؤون الاقتصادية كرعاية المواشي وتسيير القوافل. وهي تمثّل فعلياً أهل الحلّ والعقد، بالمفهوم الإسلامي للكلمة. يليها، الطرق الصوفية، ثم المدينة، التي تمثّل، في الصحراء، تجمعاً بشرياً حضرياً «يحمل الكثير من صفات الاجتماع البدوي». وتتوزّع دراسة الأركان هذه على فصول الكتاب، فيقدم الأول، لمحة عامة عن العوامل التاريخية التي أثّرت في المجتمع الأهلي، ورسّخت «الإجماع». ويعرض الثاني بنية هذا المجتمع في المدن، وعلاقته بمسالك القوافل. ويتعمّق الفصل الثالث، في دور «الزوايا»، ويعرض تطوّر الطرق الصوفية السائدة في تلك الحقبة، فيما يتطرق الفصل الرابع «إلى الأسس الفكرية والاجتماعية للسلطة الأهلية من خلال تتبع رؤية الفقهاء للواقع السياسي». ويتحدث الفصلان الخامس والسادس، عن دور جماعات الحلّ والعقد، في تنظيم العلاقات الجبائية والتسخيرية بين المدن والبوادي، وعن «مظاهر بناء الإجماع في البوادي بين الزوايا والقبائل الصوفية». أما الفصل الأخير، فمحوره «الخطط» الدينية (المناصب) نظراً للدور الذي أداه الدين في حياة المدينة، بدءاً بأئمّة المساجد، وصولاً إلى القضاء، وتنظيم رحلات الحجّ مع ما لها من نتائج ثقافية وحضارية.


العنوان الأصلي
المجتمع الأهلي الموريتاني مدن القوافل
(1591 ـــــ 1898)
الكاتب
حماه ولد السالم
الناشر
مركز دراسات
الوحدة العربية


الأخبار عدد الاربعاء ١٦ نيسان ٢٠٠٨