المارد الصيني… و«أمثولة سيشوان»

طوني صغبيني

قد يكون تكديس الجثث بعد الكوارث الطبيعية «مظهراً اعتيادياً» لمتابعي أخبار العالم الثالث. لكن حدوث هذا المشهد في دولة مرشّحة لتكون أكبر قوة اقتصادية عالمية في العقود المقبلة، يوجب التحليل.
ارتفاع أرقام الضحايا، وإن كان يعود في جزء منه إلى قوّة الزلزال، إلا أنه يلقي ضوءاً مهماً على طبيعة العملاق الصاعد، المكوّنة من هجين حداثي ـــــ عالم ثالثي. المأساة تحوّلت بسرعة إلى تظاهرة دولية، عبّرت عن متانة العلاقات الصينية مع العالم الخارجي، حيث تسابقت الدول الكبرى والصغرى لإعلان تعازيها المرفقة بملايين الدولارات والمساعدات.

صينيّة تحمل صورة ابنتها التي توفّيت في زلزال سيشوان أمس (دايفيد غوتنفلدر ـــ أ ب)

الدول الكبرى، التي تفاخر باستقبال الزعيم التيبيتي المعارض الدلاي لاما، لم تشر إلى إمكان ارتباط الرقم المرتفع للوفيات بسياسات الحكومات الصينية المتعاقبة، القائمة على إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب كل شيء آخر (وهو ما ترجم في سيشوان بامتداد عمراني قليل التكاليف وعالي المخاطر).
وبالعكس من ذلك، استمرّ الجدول الخارجي دونما تعديل، فاستقبلت بكين الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، ووفداً من الحزب الحاكم في تايوان للمرة الأولى في تاريخها. واستأنفت واشنطن محادثاتها حول حقوق الإنسان مع العملاق الآسيوي، رغم تزايد عدد القضايا الشائكة في هذا المجال في التيبيت وميانمار والسودان وزيمبابوي.
خارج الصين، كان يمكن أي كارثة كبيرة أن تهزّ النظام الحاكم، أو تؤدي على الأقل إلى موجة سخط شعبية في البلاد. ولاية نيو أورليانز الأميركية، التي ضربها إعصار كاترينا في عام 2005، لا تزال حتى اليوم ناقمة على الإدارة الجمهورية، بينما لم تتعدَّ خسائرها عُشر خسائر الصين.
أما في التنين الأصفر، فقد انهارت المنازل، واختفت مدن بكاملها، ودفن مئة ألف صيني تحت الأنقاض، ولم يكن للكارثة الإنسانية ارتدادات سياسية.
وبالعكس، فقد أثبت النظام الصيني، بالإضافة إلى تماسكه السياسي، استناده إلى حضن شعبي ومجتمع حيوي يتفوّق على واقع المجتمع الأميركي من نواحٍ عديدة. فحملات الإغاثة الشعبية كانت أقرب إلى القصص الخيالية، حيث تدفّق آلاف المواطنين خلال دقائق للمساعدة في رفع الأنقاض، وتبرّع الملايين لإعادة الإعمار، في ظلّ غياب أعمال النهب والفوضى، التي تمثِّل مظهراً روتينياً في الكوارث الطبيعية الأميركية.
قد تعتقد بكين أنها نجحت في «امتحان سيشوان»، عبر الالتفاف الدولي والداخلي الذي حظيت به، لكن العبرة الحقيقية منه تشير إلى خلل خطير في طبيعة العملاق الآسيوي. فسيشوان كانت نموذجاً عن الهوس في تسريع النمو الاقتصادي؛ مدن بكاملها بنيت على وجه السرعة بأرخص مواد ممكنة، للاستجابة للانفجار السكاني والاقتصادي في المقاطعة. فما إن أتى الزلزال حتّى دفنها كاملة تحت الأرض، جاعلاً المقاطعة التي كانت دلالة القوة الصاعدة، تبدو كأنها بنيت من ورق.
وبالفعل، فإن أوجه عديدة من التقدم الصيني، قد تكون «مبنية من ورق»، ليس أقلها توسيع التصدير إلى نسب خيالية ارتكازاً على المنتَجات «المقلّدة» السريعة العطب، وتضخيم قيمة اليوان على حساب الفروقات في الميزان التجاري. ومن هنا تأتي العبارة المحببة إلى قلوب المسؤولين الأميركيين بأن الصين «تنين، ولكنه من ورق».
الامتحان الأول للدولة الآسيوية كان زلزالاً طبيعياً، فهل تتعلم بكين الأمثولة وتعيد مراجعة استراتيجيات نموها الاقتصادي، فلا تنهار كما حدث في سيشوان، عند الزلازل الاقتصادية والعالمية المقبلة التي يبشّر بها الخبراء؟


الأخبار عدد الجمعة ٣٠ أيار ٢٠٠٨