أوغادين: الدولة العربية الـ 23؟

طوني صغبيني

لم يتردد رئيس  جبهة تحرير أوغادين في إحدى مقابلاته بإعلان  موافقته على انضمام إقليمه إلى  الجامعة العربية ليصبح الدولة العربية الـ 23  فيها، في حال حصوله على الاستقلال،  مشيراً إلى الدعم العربي الواسع لقضيته، رغم  أنها لا تزال غامضة بالنسبة للكثيرين في العالم العربي.

فهل هذا الإقليم،  الذي سبّب اشتعال حربين ضاريتين وعددا لا يحصى من أعمال العنف، هو مجرّد منطقة  أخرى تضاف إلى لائحة الأقاليم الأفريقية المضطربة، الممزقة “بحروب  الوكالة” بين القوى الدولية الكبرى الباحثة أبداً عن نفوذ وثروات جديدة، أم هو أكثر من  ذلك؟

أوغادين، منطقة يتردد اسمها من وقت لآخر عند الحديث عن تمرّد مسلّح في شرق أثيوبيا. ولا يمكن فهم النزاع الدائر هناك، من دون الاطلاع على الصراع الدولي الكبير  الدائر للسيطرة على منطقة القرن الأفريقي، وهي منطق تكتسب أهميتها  الإستراتيجية من موقعها  الجغرافي (بوابة في جميع الاتجاهات، إلى الجزيرة  العربية، المحيط الهندي، السويس،  وإلى أفريقيا نفسها) وثرواتها الطبيعية  لاسيما المائية (منابع النيل) والنفطية.

وفي الواقع، فإن الصراع على المنطقة المذكورة هو الذي رسم الحدود السياسية فيها، فجُعلت أثيوبيا منذ القرن الماضي نقطة ارتكاز كبرى في توسيع السيطرة الأوروبية ثم الأميركية – السوفياتية – الإسرائيلية  لاحقاً على البلدان المجاورة. وسبب إسناد ذلك الدور إلى أثيوبيا يعود إلى عدّة  عوامل منها أهمية  موقعها الجغرافي وثقلها السكاني (هي ثاني دولة أفريقية من حيث عدد السكان: 77 مليون  نسمة) والثرواتي، والصلات السياسية والاقتصادية الوثيقة  بين العواصم الغربية والنخب الحاكمة في أديس أبابا.

أما إقليم “الصومال الغربي” الذي يشهد  التمرّد الحالي، وهو معروف باسم إقليم أوغادين، فقد كان دوماً نقطة انطلاق الجيوش  الأجنبية من  أثيوبيا إلى الدول المجاورة، وهو منطقة غنية جداً بالموارد الطبيعية وأرضها مرتفعة الخصوبة، وتسكنه غالبية صومالية وتعادل مساحة مساحة  بريطانيا.

وتمّ ضمّ الإقليم عام 1839 إلى المستعمرات البريطانية، ثم الإيطالية عام 1936، ليصبح  الإقليم الأثيوبي الخامس عام 1954  بشكل نهائي، مسبباً توتراً دائماً في العلاقات  الأثيوبية – الصومالية.

وفيما توزّعت معظم  العشائر الأفريقية في القرن الأفريقي بشكل شبه عشوائي بين أثيوبيا والصومال وكينيا  ودجيبوتي وأريتيريا، بقيت العوامل العرقية – الدينية مغذّ أساسي للنزاعات اللاحقة  هناك.

وفيما يتعلّق بأثيوبيا، بدأت فتيلة  النزاعات العرقية بتبرّم مختلف القبائل، ولا سيما عشيرة أوغادين التي يحمل الإقليم  اسمها، من تسلّط اثنيات أخرى على الحكم الأثيوبي. ويقول رئيس الجبهة الوطنية  لتحرير أوغادين، الأدميرال محمد عمر عثمان، «إن الشعب الاثيوبي ظل يعاني منذ سنين طويلة من  هيمنة قومية حاكمة على القوميات الأخرى، مثل سيطرة الامهرا في عهد  الإمبراطور هيلا  سلاسي والرئيس السابق منغستو هيلي مريام، وسيطرة التغراي  التي ينتمي اليها حاليا  ملس زيناوي»، إذ يسيطر التغراي حالياً على معظم  المرافق والمراكز العسكرية والاقتصادية  والسياسية ويحكمون عبر ائتلاف  “الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب أثيوبيا”.

ورغم ذلك، بقي الصراع العرقي الأثيوبي هادئاً نسبياً، حتى العقد  الأخير الذي شهد تكثيف مساعي أديس أبابا لتوسيع نفوذها  في منطقة القرن  الأفريقي عبر حملات عسكرية دائمة (أريتريا 1998، الصومال 2006، أوغادين 2007…). ويرى المحللون أن الحملات الأثيوبية تهدف للاستيلاء على المناطق الغنيّة بالثروات  الطبيعية، بالوكالة عن القوى  الدولية الكبرى التي تساندها وخاصة الولايات المتحدة، التي “تحرّك  الحكومة الإثيوبية لممارسة هذه الجرائم البشعة  وسط صمت العالم” بحسب الجبهة، وإسرائيل التي تملك صلات وثيقة مع أثيوبيا  وتحلم منذ تأسيسها “بريّ سيناء والنقب من منابع النيل في أثيوبيا.

لم يلبث التوتر بين الصومال  وأثيوبيا حول إقليم أوغادين أن أدى إلى اندلاع حرب أولى بين الدولتين بين عامي 1964 – 1967، ثم حرب ثانية في عامي 1977 – 1978، حيث تبادلت القوى الدولية أدوار الدعم فيها.

وبعد انتهاء الحروب، تحوّل الصراع إلى نزاع مسلح بين الجماعات المدعومة من البلدين.

واستمر النزاع المسلّح حتى عام 1988 حين توصل الطرفان إلى اتفاقية سلام لم تدم أكثر من عامين، إذ سرعان ما قامت “الميليشيات الوطنية” بانقلاب  على الحكومة الصومالية عام 1991 أسقط الصومال في حرب أهلية فوضوية طويلة الأمد،  ورمى مشروع ضمّ أوغادين إلى  ”الصومال الكبير” في مهبّ الريح.

وعلى أنقاض الهزيمة الصومالية في الإقليم، قامت عشيرة  أوغادين وهي كبرى العشائر الصومالية في شرق أثيوبيا بتأسيس “حركة تحرير  أوغادين” عام 1984 حاملة مشروع سياسي جديد يتمثل بإقامة كيان مستقل عن كل من  أثيوبيا والصومال.

ومنذ ذلك الوقت خاضت  الحركة حرب عصابات شرسة، تخللتها محاولات سياسية لحلّ الأزمة عبر انتخابات  واستفتاءات فاشلة، ولم تنجح سوى في لفت الأنظار الدولية إلى هذه القضية بعد  جرائم الحرب التي ارتكبتها الجيش الأثيوبي هناك وسط صمت دولي يدعمه  “وحيد القرن الأفريقي” – الولايات المتحدة.

وشهد عام 2006 تطورات  دراماتكية لحركة التمرّد الأوغاديني، إثر قيام النظام الأثيوبي باجتياح الصومال  تحت غطاء دولي مستغلاً الفرصة التي أوجدتها سيطرة المحاكم  الإسلامية على مقديشو.

وحرم وجود الجيش الأثيوبي في الصومال  إقليم أوغادين من مجاله الطبيعي، فيما زاد الطين بلّة تشريع أبواب الإقليم على  مصراعيها للقوى  الدولية والشركات الكبرى إثر اكتشاف حقول نفط وغاز مهمة. وهو  الأمر الذي ردّت عليه الجبهة بهجوم دموي على منشأة نفطية صينية في نيسان الماضي  تحت شعار “لن نسمح باستغلال ثروات أوغادين طالما لم يتم إقرار الحق الأساسي في تقرير  المصير”، ردّ عليها الجيش الأثيوبي بحملة مجازر وأحراق للقرى في مطلع العام  2007.

وفيما يبقى التمرد في الإقليم محجوباً  عليه بستار من الصمت الاعلامي والسياسي، يحاول الحكم الأثيوبي إظهار معركته في أوغادين على  أنها معركة ضدّ الإرهاب، ويحاول ربط اسم “جبهة تحرير أوغادين” ببعض  التنظيمات الإرهابية المتورطة في ضرب مصالح أميركية في أفريقيا. وقامت الولايات المتحدة مؤخراً برفع مستوى المساعدات لأثيوبيا، خاصة بعد أن أوكلت إليها  على ما يبدو إدارة المعركة في الصومال.

لكن البيت الأبيض لا يزال يرفض إدراج الجبهة على لائحة المنظمات الإرهابية، رغم حرصه على العلاقة مع حليفه الأثيوبي.

ولعلّ  التمهل في حسم هذا القرار يهدف للحفاظ على خطوط العودة، إذ تلوح هناك بعض بوادر التفكك في سماء أثيوبيا، بعد تصاعد حدة النزاعات الانفصالية فيها بين عشائر الأمهرا وبني شنغيل وسيدامو، بالإضافة إلى الأمورو التي شنت جبهتها الانفصالية مؤخراً عمليات مشتركة مع  جبهة تحرير اوغادين أسقطت مئات القتلى من الجنود الأثيوبيين..

فهل يملك الإقليم حقاً فرصة للاستقلال بنفسه، إذا كان ثمن ذلك هو تفكيك  أثيوبيا؟ سؤال يجيب عنه المستقبل.

One comment

  1. محمد سوريا · يونيو 26, 2009

    اوغادين جزء لايتجزء من الوطن العربي الكبير وشعب اوغادين شعب عربي مسلم اصيل وفقكم الله وسدد خطاكم وهزم عدوكم هزيمة نكراء تصعق لها ابواب البيت الابيض في واشنطن والكنيسيت اليهودي في فلسطين المحتلة

التعليقات مغلقة.