الفيزا أو قاع البحر!

طوني صغبيني

“الهجرة” كلمة حاضرة دوماً في أحاديث اللبنانيين اليومية، لكنها هنا، في محيط السفارة، الحديث الوحيد. سائق السرفيس يدعي لك بالتوفيق، متمتماً عن أولاده والهجرة وأسعار البنزين فيما يقنعك صاحب الدكان المجاور، الذي يبيع “طوابع الألف” بألفي ليرة، أنه خبير بطلبات الفيزا والسياسة العالمية وأوضاع السفير العائلية.

في هذا الحيّ، كلهم قد قدّموا طلباتهم للهجرة؛ العاملون في المحال التجارية، الدرك في محيط المبنى، سكان الأبنية المجاورة، الجميع. “شو رح نخسر إذا قدّمنا”؟ ينسى صاحب القول أنه دفع 60 يورو ثمن طلبه.

عند العبور إلى الداخل، يتغيّر المناخ. حرّ بيروت ورطوبة أجوائها لا تصل إلى هذا المكان المبارك. إنه مجرّد مكيّف هوائي باهظ الثمن، لكنك مستعدّ نفسياً، وبشكل مسبق، لأن تشعر كأنك وصلت منذ الآن إلى الأرض الموعودة، إلى حيث يمكنك أن تقبض راتباً عن بطالتك، هكذا من دون أن تعمل!

هنا كل شيء يبدو كأنه معدّ ليبشّرك بنعيم الاغتراب؛ النظام والترتيب والهدوء، لطافة رجال الأمن عندما يفتشون حقائبك بتهذيب، وحتّى البسمات التي تعلو وجوه الموظفين.

إنه من دون شك، مشهد نقيض لما نراه كل يوم في الدوائر العامة اللبنانية؛ مبان متداعية عابقة بغيوم الدخان وفي داخلها عناصر أمن غاضبون منك من دون سبب وموظّفون منزعجون من مجرّد رؤيتك أمامهم، ومعاملات ورقية تحتاج لمئة توقيع وختم ومهارة على تبويس اللحى، اللعب على الحبال، والقفز بين الطوابق والدوائر.

داخل السفارة، الوقوف في صفّ طويل لا يزعجك، ولا يخترقه صاحب “معارف” أو “شاطر”، وأنت في جميع الأحوال لن تحاول الاحتيال على النظام، فوجودك هنا هو فرصة مناسبة لممارسة “روداج” أوّلي في التقيد بالقوانين واحترام الغير، وهي ممارسة ذات شعبية كبيرة في بلاد الغربة.

تنتهي أوراقك بسرعة فلا يبقى أمامك سوى تجميد حياتك في ترقّب اتصال وقصاصة ورقية صغيرة قد لا تأت يوماً.

أنت تعلم كل مشاكل البلاد التي تهاجر إليها بتفاصيلها المملّة، وتعلم جيّدا أن أيام أصعب قد تنتظرك منذ اللحظات الأولى لخروجك من الطائرة، لكن ذلك لا يعنيك أبداً الآن.. فالمهم هو أن تغادر.

تخرج وفي ذهنك صورة مئات الغارقين على شواطئ المتوسطّ في كل عام، من روّاد الهجرة غير الشرعية.

تلقي نظرة أخيرة على موظّفة الاستقبال الجميلة، تقرأ هي على جبينك عبارة “الفيزا أو قاع البحر”، وتقرأ أنت في ملامحها “الجنّة، الجنّة الآن!”.