هكذا مهّدت الصين لفصل السياسة عن الرياضة

حفل ترحيب سياسي بالعملاق الصاعد

طوني صغبيني

لنحو عقدين من الزمن، انتظرت بكين بفارغ الصبر استقبال الأولمبياد  على أراضيها. أرادته منذ نهاية الثمانينيات، حدثاً يعيد الاعتبار لنظام شيوعي  حاصره العالم الغربي لعقود طويلة، لكن أحداث ساحة «تيانانمن» الشهيرة عام 1989،  رمت أحلامه الأولمبية في غياهب النسيان.
تحوّل الأولمبياد في الصين إلى قضيّة، توجّ انتصارها عام 2001 بإعلان بكين عاصمة استضافة الألعاب لعام  2008. لكن ظلّ «تيانانمن» بقي ماثلاً، فتحوّل الأولمبياد إلى حدث سياسي بامتياز:  بعض العواصم وعشرات المنظمات الدولية المناوئة للحكومة الحمراء، حوّلته إلى رهان  على إسقاط النظام أو اختراقه في الحدّ الأدنى، فيما قبل التنين الآسيوي التحدّي  وشحذ عدّته للمواجهة

الأمن الصيني مستنفر لمنع تعكير الأجواء الأولمبية (تي انغ كون – أ ف ب)

منذ ترشيح الصين للمرة الأولى عام 1993 لاستضافة الأولمبياد، عبّرت القيادة الشيوعية بكل وضوح عن أن مسألة الاستضافة تهمّ بكين أكثر من أي دولة أخرى في العالم. فهي لا تتعاطى مع الألعاب كحدث رياضي، بل تريده حفل ترحيب لها كقوّة كبرى، مزدهرة ومؤثرة في المجتمع الدولي.

ومع إعلان بدء المعركة على الأولمبياد، عبر انسحاب المخرج الأميركي الشهير ستيفن سبيلبرغ من لجنة تخطيط حفل الافتتاح، عهدت الدولة إلى الخليفة المحتمل للرئيس هو جينتاو، عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي، كسي جينبينغ، إقامة التحضيرات النهائية للحدث.
ومذ ذاك الوقت، تركّزت جهود القيادة الصينية خصوصاً على حفل الافتتاح، وأعطته، ضمنياً، أهمية رمزية كبرى حوّلت حضور القادة الدوليين فيه، إلى استفتاء عالمي حول الصين نفسها، حتى بلغ عدد الذين أكدوا حضورهم نحو 80 من رؤساء الدول والوزراء والمسؤولين السياسيين والدوليين الرفيعي المستوى.
ووفق المؤرخ الأولمبي، ديفيد والشينسكي، فإن الرئيس الأميركي جورج بوش سيكون أول رئيس للولايات المتحدة في التاريخ يحضر افتتاح الألعاب الأولمبية خارج بلاده. وربّما، لولا إصرار العاصمة الآسيوية الحمراء على حشد أكبر قدر ممكن من الحضور الدولي، كان قادة العالم سيمضون عطلة شهر آب في مكان ما بين جبال الألب وجزر الكاريبي من دون أن يكترث أحد في عالم السياسة للحدث الأولمبي.

التسييس بهذه الطريقة، غير مسبوق منذ الاحتفالات النازية بأولمبياد عام 1936 في ألمانيا، حيث لم يحظ حفل الافتتاح أو الألعاب كلّها، بتركيز سياسي أو بحضور أي شخصية سياسية، عدا رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير.
لائحة طويلة من الإغراءات بالنسبة للمنظمات الدولية الحقوقية، تدفعها لاستغلال الأولمبياد للإضاءة على قضاياها: الأسلحة الصينية للحكومة السودانية في دارفور، التعاون مع إيران وكوريا الشمالية، دعم حكومات استبدادية كزيمبابوي وبورما، الأحادية الحزبية المطلقة في بكين، حقوق العمّال المزرية في المصانع والمناجم وحقول الأرز، قمع سكان التيبت وكسينغيانغ وحملات الاعتقالات الداخلية وإغلاق الجرائد والمدوّنات الالكترونية.
رغم ذلك كلّه، تبخّرت دعوات المقاطعة الرياضية الكاملة للأولمبياد عند أول همسة حولها، في ظلّ «شراكات استراتيجية» تجمع الصين مع معظم القوى المؤثرة على الساحة الدولية، فبقي الرهان على حفل الافتتاح.

انطلقت التحركات من الخارج، وشاركت فيها شخصيات عامة ومنظمات دولية لها سمعتها. لكن أحداث التيبت فاجأت الجميع، إذ إن موعد لحظة الصفر للتحرك الشعبي الاحتجاجي، التي كانت متداولة بين المجموعات التيبتية والناشطين الحقوقيين والسياسيين والمدنيين، كان يفترض أن تكون عند حفل الافتتاح؛ فالهدف من أي تحرك، كان أن يرى العالم مباشرة على شاشات التلفزة التي تنقل الأولمبياد، صورة عن الصين تختلف كلياً عن الصورة الرسمية التي يحاول الحكم إظهارها. خرجت الانتفاضة التيبتية مولوداً قبل أوانه، فسمح ذلك للسلطات الصينية بقمع التظاهرات بقسوة، والقضاء على معظم المجموعات المعبأة من الشباب في الهضبة البوذية باكراً، ثم العودة إلى ترميم صورتها الخارجية بهدوء لتأمين «السلامة الأولمبية».
تمرّد الرهبان سهّل المضي في سياسة الاحتواء، فرفعت بكين شعار «أولمبياد سلمي»، وأكملت حملتها باعتقال عدد من الناشطين في المقاطعات الغربية والشمالية، والمدوّنين وبعض الصحافيين «غير المنضبطين» في المدن الساحلية، مؤمّنة بذلك إبعاد معظم عناصر الشغب المحتملة عن صفو الحدث الرياضي.
ولعلّ ذلك ما دفع المعارضة التيبتية للحديث عن دور الجيش الصيني في إشعال التظاهرات الدموية، وهي فرضية عزّزتها الصور التي تناقلتها المواقع الالكترونية ونشرتها قناة «بي بي سي» البريطانية، عن توزيع أزياء رهبان بوذيين على جنود في الهضبة قبل الأحداث بأيام معدودة.
أحرجت الأحداث الداخلية الدول الغربية التي ترفع شعار حقوق الإنسان وتوقّع اتفاقيات تجارية مع بكين بالمليارات، فلوّح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بمقاطعة الافتتاح، وأيّدته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فيما بقي رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على مسافة حيادية. أما بوش فأطلّ من النصف الآخر من الكرة الأرضية، مؤكداً حضوره في جميع الأحوال، قائلاً للأميركيين إنه سيحضر «كمشجّع رياضي».
وخلال دفاعه عن عدم حضور رئيس الوزراء الكندي ستيفين هاربر لحفل الافتتاح، قال وزير التجارة، مايكل فورتيي، إن «الافتراض أنه بمجرّد حضور شخص هناك، فإن التجارة والعلاقات مع ذلك البلد (الصين) ستتحسّن، هو افتراض ساذج جدّاً».

لكن يبدو أن فورتيي لم يدرك الجدية التي يأخذ بها التنين الأصفر الألعاب، إذ لم تكد تمرّ ساعات على تصريح ساركوزي، حتى أُعلن في المراكز الاقتصادية الكبرى شرق الصين، عن حملة مقاطعة شعبية للبضائع الفرنسية. وصلت الرسالة بسرعة. فعاد ساركوزي عن رأيه، مؤكداً أن حضوره يعبّر عن قرار أوروبي، وأنه سيكون هناك «بصفته المزدوجة كرئيس فرنسا ورئيس الاتحاد الأوروبي»، فيما اشترطت اللجنة الأولمبية البريطانية على رياضييها أن يتعهدوا بالامتناع عن الإدلاء بأي تصريح سياسي.

يبدو أن العملاق الآسيوي اعتبر الأمر امتحاناً لجدّيته، فأثبت على مدى سبع سنوات من التحضيرات المستمرّة، أنه «لا يقبل المزاح» ولو رياضياً، عندما يتعلّق الأمر بصورته كقوة دولية صاعدة.


حلّة الأولمبياد

أرادت بكين أن تظهر أفضل ما لديها احتفاءً بالأولمبياد. لا تريد أن تستقبل قادة العالم وهي في رداء الأحياء المكتظّة، العابقة بأكبر نسبة تلوّث في العالم. رفعت شعار الأولمبياد الأخضر، فأبعدت أكثر من ثلاثة ملايين سيارة عن شوارعها، وأغلقت المصانع الملوّثة وأوقفت ورش البناء.
منعت بيع لحوم الكلاب والتدخين في الأماكن العامة، وأخلت شوارع بأكملها من سكانها ومبانيها لخلق المساحات وإفساح المجال أمام منشآت الألعاب.
ولم تقف خطّتها عند حدود الأرض، فاستقدمت تكنولوجيات الاستمطار، لتجميع الغيوم في سمائها أملاً بنعمة من الأعالي تنظّف هواءها الثقيل. عبّأت أعضاء الحزب المليوني، واستعرضت فرقها الأمنية بكامل عتادها في الشوارع، فيما أضحت مهرجانات الألوان الراقصة مشهداً يومياً لسكانها. إنها مدينة تحتفل بتحوّلها إلى قطب دولي.
لعلّ سكان بكين يتمنّون أن تكون كل أيامهم أولمبياداً.


الأخبار عدد الجمعة ٨ آب ٢٠٠٨