هروب من قلب امرأة (الجزء الأول)

استيقظت اليوم في  سرير حبيبتي. نظرت إليها بطرف عيني. لم تسيقظ بعد. رفعت رجلها اليسرى عني، وجلست على السرير.

شردت، كعادتي كل صباح، أتخيّل نفسي في مكان بعيد…. بعيد… انظر عبر الشرفة، إلى المشهد نفسه؛ أصوات صبيان الحي يتقاذفون الكرة في الشارع. والدة أحدهم تناديه، صوت مجهول يصيح  منزعجاً، العجوز في البناية المقابلة تروي حوض الأزهار على حافة نافذتها، للمرة  العاشرة اليوم.

فكرت في نفسي: الموعد يقترب.

شعرتُ أنها استيقظت. عرفت من التنهيدة. لم ألتفت. دغدَغت أصابعها خصري، لتعلمني أنها باتت هنا. لم التفت. بصوت هادئ، عاتَبَت: منير. أنت لا تكلمني منذ فترة طويلة.

استدرت إليها. كانت شمس نيسان المتسربة من النافذة تضيء وجهها، وتجعل شعرها كأنه أنعم من أي وقت مضى. وضعت إصبعي على شفتيها: شششششش. إني أرتّب أحلامي!

هذه المرة أيضاً، لم أنظر إلى عينيها عندما تكلّمت. أذكر يوماً قالت لي أنها اختارتني لأنها أعجبت  بجرأتي على النظر مباشرة في عينيها عندما أكلّمها.
“تخترقني نظراتك”، كانت تقول. اليوم أخاف من عينيها. لقد تغيّر الكثير. أنا  أصبحت رجلاً آخر. وعندما أنظر  إليها، كأني أنظر إلى امرأة غريبة. أخاف أن تلتقي نظراتنا لوقت كاف، لكي ندرك أن كل واحد منّا أضحى شخصاً لا يعرف الآخر، الرجل الذي أغرمت به لم يعد موجوداً.

لم تستفزّني اليوم  رائحة الطعام. وجنين، منذ فترة، فقدت الأمل بإقناعي بتناول ما تعدّه.
نجلس سويّة، تأكل هي، بينما أكتفي أنا بالقهوة. لم أعتقد يوماً أني سأعتاد القهوة  المرّة. لكن مع الوقت، لم يعد لمذاقها السيئ أي أثر، أو بالأحرى لم أعد أكترث.

أَنظُر إلى  حبيبتي. لا تزال حيويتها وشهيتها على الحياة تبهرني. الطريقة التي  تقطّع بها الخضار…. تمايلها العفوي مع فيروز…. إغماض عينيها لتشتمّ ما  تعدّه….. قلم الرصاص الذي يأسر صباحاً خصل شعرها… كل شيء…
التفاصيل هي أصعب الأمور عند وجودنا سوية. إنها تفاصيل يوميّة  صغيرة، تذكّرني كم أحبّها، ولماذا أحبّها.

أردت التخلّص من “لعنة  المشاعر”، لكن على ما يبدو الحبّ يشبه الحرب في كلّ شيء، من السهل أن يبدأ، ومن الأصعب أن ينتهي… من دون تدمير طرف لآخر.
فشلي يبدأ عادة عند مائدة الصباح: أسألها كلّ  يوم: شو عندك اليوم؟ سؤال يفتتح في العادة خطط كيفية قضاءنا نهارنا. أفضل الأيام هي عندما لا يكون بالإمكان أن نلتقي نهاراً، فنحيلها  إلى الليل. وفي الليل، العشاّق  يتوغّلون…. وينتهي بهم الأمر… بتناول الطعام سوية عند الصباح.

لكن هذه المرة  سيكون السؤال مختلفاً. إني أشعر بذلك. الموعد يقترب. لكني لست قادراً بعد أن أمنع نفسي  من طرحه.

– شو عندك اليوم؟
– بدي شوف  فساتين عرس…

الإجابة كانت  سريعة جداً. صَمَتَت بعدها فجأة، من دون أن تكمل لفظ  الكلمة الأخيرة، شَعَرَت أنه ما كان يجب أن تقولها.

بعدها لم يعد هنالك من مكان  لكلمات أخرى. انتهينا على عجل. ثم غادرت. الوقت يداهمها في جميع الأحوال. فالموعد  يقترب.

قريباً، جنين سوف تكون زوجة. لكنها لن تكون زوجتي…

3 comments

  1. عذراء الحروف · أكتوبر 22, 2009

    رائـــــعة وأكثر

    قصة مــؤثرة تلامس الوجدان

    أستطعتي أخذنا إلى مايدور في ذهنك بإدق التفاصيل

    دمتِ بارعة ممــيزهـ

  2. أدون · أكتوبر 23, 2009

    شكراً لكِ صديقتي

    ذكّرتني أنه ربما يجب أن أنهي القصة قريباً، الجزءان الأخيران لا يزالان ناقصان.

    سلامي لكِ

  3. anass yassin · يوليو 20, 2011

    ما أجمل عيشة المجنون بين العقلاء و عيشة العاقل بين المجانين لأنه في الحالتين لا يحاسب أحد و لا أحد يحاسبه و الكل يعرفه نظراً لأنه حالة نادرة

التعليقات مغلقة.