هروب من قلب امرأة (الجزء الثاني)

للكتابة إليكِ رهبتها الخاصة.

كم من مرة قلنا انتهينا.. ولم يكن هناك سوى في الكتابة شيطان يدفعنا  عكس الرياح وإرادات البشر.

أحاول أن أكتب، لكن عبثاً. الورقة هذه هي الضحية السادسة لسلّة  المهملات.

فكلما قبّل القلم الورقة البيضاء، تتدافع مئات الأفكار مرة واحدة.  فلا تنجح أي منها في العبور.
ربّما عندما يكون هناك أمور كثيرة لتقال، تكون تلك إشارة بأن الوقت  حان للصمت والانسحاب.

في الواقع، لا يزيد كآبة غيابك في هذه اللحظة، سوى الصمت السيّد في  المنزل. فهناك، صناديق متناثرة بين الغرف… وهنا حقائب موضّبة… وفي الداخل رجل  يستعدّ للرحيل.
الساعة الآن على الحائط تشير إلى الرابعة.
غداً في مثل هذا الوقت، ستقفين هناك.. سيكون قربك…
وستُعلنين زوجة… من دون حبيب.

لا أزال حتى الآن أعتقد أن ما يحدث ليس سوى كابوس طويل…
لم أذق طعم النوم منذ أسبوع. يراودني هذا الحلم المزعج؛ أن حبيبتي  ستقول نعم لرجل آخر. أن رجل آخر سيمسك يديها.. سيقبّلها… سيكون معها… وستكون له  إلى الأبد…
خلال الأيام السبعة الأخيرة، طردت تلك الرؤى المفزعة بالاستيقاظ.
غداً، ستحرمينني أيضاً بهجة الاستيقاظ من حلم مزعج.

أذكر الآن كلامنا الأخير على الرصيف البحري قرب المنزل.
– أريدك أن تبقى حاضراً في حياتي.

– (صمت، من دون أن ألفت إليها).

– لا يمكنني أن أتخيّل انقطاعاً كلياً. ليس بعد الذي كنّا فيه.
– جنين! عما تتكلمين؟ حاضر في حياتك؟ بأي شكل “حاضر في  حياتك”، وبأي صفة وبأية طريقة؟ نحن انتهينا. انتهينا عند لحظة التردّد الأولى  في قلبك. لقد كنّا رجلاً وامرأة. لا يمكنني أن أكون نصف رجل.

عند خروج هذا الكلام، كانت كل أنواع المشاعر البشرية تتزاحم في وقت  واحد لتركض نحوها.
في اللحظة الواحدة، أردت أن أحبّها، أن أكرهها، أن أشفق عليها، أن  احتقرها وأن أتعاطف معها.

في ذاك اليوم، لم يكن لموج البحر الصدى نفسه. لم يكن للزرقة  اللامتناهية تلك الجاذبية.
التغيّر قد بدأ إذاً، قلت في نفسي.
سيكون من الصعب غداً مجالسة الحصى الذهبية هنا.. أو بالأحرى سيكون  مخجلاً أن أعود وحيداً، إلى صخرة سمعت وشوشاتنا وأحلامنا في ماض ما.

عندما أعود إلى تسلسل الأحداث يبدو كل شيء كأنه كان أمر طفولي جداً.  ليس واضحاً ولا منطقياً كيف سمحنا لأنفسنا بأن نتورّط إلى هذا القدر. ربّما قرأنا  الكثير من قصص الحبّ، وآمنّا، عن سذاجة، بأن كل النهايات… سعيدة.
أحاول عبثاً تحديد تاريخ لبداية العلاقة، لكنها من هنا تبدو كأنها  وجدت هكذا. من دون بداية… وربما كان ذلك أحد أسباب اعتقادنا أنها ستكون من دون  نهاية.
عندما كنّا، كان كل شيء معنا. كأن كلّ ما وجد من خلق، كان يبجّل  علاقتنا؛ المطر، البحر، الأشجار، الصمت، درج الجامعة، الباصات العامة، بائع الكعك  اليومي، متسوّلي بيروت، أشعار نزار قباني المبعثرة في أنحاء الغرفة…. كل شيء.

لكن للعلاقات موجبات. أو على الأقل هذا ما يعتقده “المجتمع  السائد”.
للعلاقات موجبات كنّا نعلمها. تمرّدنا على جزء منها، ولم نعتقد أننا  أكبر من الجزء الباقي. لكننا أغفلنا أن للسائد هذا، موعد نهائي. إنه “سائد” لا يقبل إلا بـ”جاهز”.
الرزمة الأولى من طالبي القرب، الذين يعتقدون أن الزواج تسوّق، أضحكت  كلانا.
الرزمة الثانية، أضحكتني وحيداً.
الثالثة…. أبقتني لمصيري. فالموعد انتهى والفتاة بالنسبة  “للسائد” هنا، تنتهي صلاحيتها باكراً.

عند التردّد الأول، تغيّر أمر ما في داخلنا. فُتات من مثل عليا  وأحلام وقيم واعتقادات وشجاعة، كانت تتساقط منّا هنا وهناك. وبعد فترة، أضحى ما  كان مرّة إنساناً، ركام أحلام وبشر.
لقد انكسرنا مرّات كثيرة. مرّة عندما انتهت علاقتنا. ومرّة عندما  غيّرنا ذلك من ثوّار حالمين، إلى أشخاص “عاديين”، قرروا ألا يواجهوا “السائد” مرّة أخرى….
غداً الانكسار الأخير… أو…