البردوني: ملجأ الهاربين من الصيف يفتقد “نهر الشعراء”

طوني صغبيني

رغم اقتراب الشتاء واختفاء السياح العرب من ممرات منتزه البردوني الزحلاوي، يستمر الموسم السياحي على ضفاف النهر الصغير الذي أضحى ملجأ الهاربين من قيظ الصيف الطويل.

رغم ان البردوني نهر يمتد لكليومترات عدة في البقاع الأوسط، إلا أن الاسم يطلقه البقاعيون بشكل أساسي على الممر الجبلي الضيق في أعالي زحلة قرب منابع النهر، حيث رُصفت سلسلة مقاه فخمة على ضفتيه، تكتسب شهرتها من جودة عرقها البلدي ومن كثرة الشعراء الذين مرّوا عليها.

عند وصولك تستقبلك “عربات السمسمية” الشهيرة المركونة على الجانب، ومنها عربة “المعلّم طوني” بنظارته السوداء، الذي جلس في هذه الزاوية لمدة ثلاثون عام وأضحى من معالم البردوني.

و”المعلّم طوني” كغيره من أصحاب الواجهات والمطاعم هنا يعتمد بشكل أساسي على السياح والمغتربين العائدين لقضاء فصل الصيف، لأن اللبنانيين المقيمين “يأتون فقط للتنزه”، حيث لا تسعفهم أحوالهم المادية المتردية ولا الأسعار “السياحية” لأكثر من تناول المثلجات.

المطاعم والمقاهي في الداخل فخمة البناء، يميّزها تماهيها مع الطبيعة حيث تبدو كمغارة محفورة داخل الجبل، أو معلّقة فوق النهر الذي ينساب داخلها.

صورة قديمة لوادي البردوني (المصدر)

أصحاب البذلات الأنيقة الذين تتمثل مهمتهم باصطياد الزبائن، أصبحوا خبراء في تمييز المتنزهين عن الزبائن المحتملين، وفيما تنهال عبارات الترحيب والضيافة البقاعية الأصيلة على الزبائن، لن يحظ المتنزهون بأكثر من ابتسامة.

وإذا لم تكف كل تلك الدماثة لاغراء الناس على الدخول، فرائحة المشاوي والعرق الزحلاوي كفيلة باصطياد ما تبقى من العابرين. لكن عليهم أن يحذروا من أن تكون جيوبهم فريسة السياحة اللبنانية.

فاللهجة الغريبة للزبائن، السمرة الزائدة أو الشقرة الزائدة على بشرتهم، هي كلها عوامل كفيلة برفع قيمة الفاتورة إلى مبالغ خيالية أحياناً، وخاصة عندما يكون الزوّار من الدول العربية المجاورة حيث يجلسون بعيداً عن أعين المتنزهين لتذوّق العرق المثلّث.

ورغم نفي القيّمين على المطاعم أي زيادة مقصودة في التسعيرة، إلا أنهم يشيرون إلى أن الأسعار طبعاً ستكون أعلى من المطاعم العادية، فهي “خمسة نجوم” وتحرص على تقديم الأفضل في منطقة تعتبر سياحية.

وإذا أشرت إلى زبون تعرّض مرّة ما لـ”لطشة” موفّقة في الفاتورة، وخاصة تحت بند “الخدمة”، غالباً ما ترمى المسؤولية على النادل.

أما رمضان هنا فله طعم آخر. إذ أن موعده الصيفي هذا العام سمح للمواطنين للمرة الأولى الاستمتاع بلطافة نسماته ليلاً في انتظار شروق جديد. لكن تبقى الحركة المرتبطة بالصوم محدودة، خاصة وأن المكان لا يقدّم افطاراً أو سهرات رمضانية، ويرتبط اسمه بولع البقاعيين على اختلاف طوائفهم بشرب الكحول، وخاصة العرق الذي يصنعوه بأيديهم ومن محصول دواليهم.

البردوني كما يبدو اليوم (مصدر الصورة)

أما البردوني الذي أعطى للموقع شهرته، ففي انتظار الباحث عنه خيبة أمل كبيرة ما أن يضع أولى نظراته على ما كان يسمّى سابقاً “نهراً”.

فالنهر الهادر التي خرّج الشعراء من بين ضفافه أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي، وفوزي المعلوف صاحب “بساط الريح” وشقيقه شفيق المعلوف، وسعيد عقل وميشال طراد، أضحى عبارة عن بضعة سنتيمترات من المياه المبتذلة تتوزع فيها أطنان من النفايات مرتفعات ومنخفضات.

“موطن الخمر والشعر” الذي اتخذته زحلة شعاراً لها ونُحت على تمثال على مدخل المدينة، هو اليوم من دون بردوني يصلح لترنيم القصائد، ولا يوجد من ملامح النهر سوى خرير المياه.

رغم أن الجميع يتظاهر كأن النهر موجود هناك حقاً، وكأن لا أحد يزعجه وجود ساقية من النفايات بدل النهر الذي حملت المنطقة اسمه واعطاها شهرتها، إلا أن مطلب اصلاح مجراه وتنظيفه يشكّل عقدة التقاء مطالب كل أصحاب المصالح والزوار في البردوني، لا سيما أولئك المتنزهين الباحثين عن ضفّة يتكئون عليها في مدينة تفقد هويتها يوماً بعد يوم.