1- مريَمَيْن!

في حياتنا الاجتماعية مريمين، كلّ واحدة منهما هي نقضية للأخرى: العذراء والعاهرة، الطهر والدنس، ما يجب – والممنوع…

مهما كان الفكر الذي نحمله تقريباً، إسلامي(1) أو مسيحي أو يهودي أو حتى بوذي أو ليبرالي أو ديموقراطي أو علماني أو ملحد، نرى المرأة مجدلية أو عذارء، وأحياناً نراها مزيجاً من الاثنين. وتشغل عذرية الأنثى في جميع الأحوال حيزاً كبيراً من التوصيات الاجتماعية والدينية الضمنية، وغير المعلنة أحياناً كثيرة.

الأنثى في وعينا هي صورة ثنائية؛ العاهرة أو القدّيسة، وتهيمن هذه الصورة بشكل يغيّب كل الألقاب الأخرى التي تحملها كالحبيبة والأخت والزوجة والأمّ والابنة والصديقة. أو بالأحرى لا تكفي هذه الألقاب وحدها من دون صفة “توضّحها” تندرج ضمن العهر أو القداسة أو بينهما.

أما الأسوأ من إصرانا على لصق إحدى الصفتين بالمرأة (ولا نجد إصراراً على توصيف مماثل للرجل، ووصفه بزير نساء مثلاً تساوي في معظم الأحيان مديحاً)، فهو بأن معيار اطلاق الوصف لا يمت بأي صلة للعفّة أو للاخلاص أو لأي من هذه الصفات الانسانية السامية. فمن هي عذراء بيولوجياً، ولو خانت حبيبها، ولو مارست معه جنساً جزئياً، ولو كذبت على الجميع، تبقى في نظر المجتمع عفيفة، فيما تتعرض من تمارس الجنس مع شخص واحد فقط هو حبيبها مثلاً، لشتى أنواع الاتهامات والأوصاف الحقيرة.

وأحياناً نرَ ذلك يمتدّ إلى مجالات لم يكن يطالها سابقاً، وليس بجديد القول أن الأحكام المسبقة حول المحجبة وغير المحجبة تضعهما تلقائياً في خانة المجدلية والعذراء، هكذا بناء على وجود قطعة من القماش على وجههنّ من دون أي دليل على ممارساتهنّ اليومية وعلى قيمهنّ وأخلاقهنّ.

وحتى الشرف العربي نفسه يكاد يساوي أحياناً نقطتي دم في الرحم  تُرتكب باسمهما جرائم لا يزال (حتى في أوساط المجتمع المدني) يُطلق عليها اسم “جريمة شرف”.

وبعيداً عن القتل، الذي لا يزال مشروعاً قانونياً في العديد من الدول العربية، ومشروعاً اجتماعياً في كلّ العالم العربي، هناك مجموعة أخرى من الممارسات التي لا تقل سوءاً عنه تجاه غير العذراء، أقل ما يقال عنها أنها “قتل اجتماعي” يبدأ بتشويه تلقائي للسمعة وصولاً لفرض العزلة التامة على “المريضة” العاهرة بنظر المجتمع، والتي لن تتزوج في حياتها أن كانت لا تزال عازبة.

والنظرة إلى المرأة المطلّقة مثلاً، تكاد تفيض بالأحكام المسبقة، وينظر إليها بازدراء بغضّ النظر عن أية فضائل أو مثالب تحملها هذه المرأة، وهي مذنبة بغضّ النظر على من تقع مسؤولية طلاقها. فمجرّد كونها غير عذراء يجعلها مذنبة!

ولدى بعض الطوائف الاسلامية، تمتلك المطلّقة امتيازات جنسية لا تمتلكها العذراء حيث يجوز للأولى عقد “زواج متعة” لممارسة الجنس من دون إي “سلطان” ذكري.

لذلك فإن تعبير “المريمين” كمختصر لنظرتنا إلى المرأة هو في موقعه بالضبط، لاننا نحكم عليها انطلاقاً من أمر واحد فقط: الجنس. وليس قاسياً القول أن ذلك يعود بشكل كبير إلى أننا لا نرَ، كمجتمعات عربية بشكل خاص، أبعد من النهود في المرأة.

وبعيداً عن الأسباب التي تقف وراء هذه الممارسات الاجتماعية المعيبة، والتي سيتناولها البحث في مقالات لاحقة، فإن الخطوة الأولى لكسر الهيمنة الذكورية السيئة تكمن ربّما في تحطيم صورة المريمين في نظرتنا للمرأة، والبدء بالنظر إليها على انها مجردّ امرأة! لا صفة زائدة تمدحها، ولا صفة ناقصة تذمّها، هي امرأة وكفى!

المرأة لا يمكن أن تكون دائماً إحدى المريمين كما نريد لها أن تكون، وإلا لن تكون بشراً. لا يمكنها أن تكون إحداهما، لكنها بالتأكيد تستطيع أن تكون كلاهما في وقت واحد: هي طهر العذراء الروحي والأخلاقي ينتصر في المجدلية وانسانية المجدلية تنتصر على ألوهية العذراء!

لو كانت كل نساء اليوم مريم العذراء كما يريد ولاة الأديان، لما كان هناك بشراً!

كفّوا عن جعل المرأة مريمين!

————————-

1) القرآن يتبنى رواية عذرية مريم العذراء بشكل تام في سورة مريم

10 comments

  1. nadi · أكتوبر 31, 2008

    هذا احترافٌ لفن قتل البداوة في الرجال والنساء معا. صادق دائماً يا انطون

  2. saghbini · أكتوبر 31, 2008

    سلام نادي،
    المشكلة يا صديقي اننا لم نتعلم من البداوة سوى سلطان الخيمة!
    على فكرة، لمن حكيتك عن بدايات دفق ما، هيدا أول جزء.

  3. hanibaael · نوفمبر 1, 2008

    الذكوريّة هي احدى ابرز الازمات التي تحياها المنطقة الممتدة من الجزيرة العربية وصولاً الى المحيط الاطلسي..

    بالانتظار صديقي!

  4. karen · نوفمبر 3, 2008

    what I like and really appreciate in this article is that it is written by a guy!!! 3a2bel ma ysiro kelloun yfakro metlak ya tantoun!!! barkeh 3a iyyem wled wled wled wled wled wledehhhhhhhh :p

  5. saghbini · نوفمبر 3, 2008

    Karroun,
    أول شي أهلين، 😀
    being a guy also means i can defend women better, cuz we know the guys better
    ما تتشائمي في كتير بفكروا متل ما كتبت.

  6. التنبيهات: استراحة قصيرة « نينار
  7. hapy · أكتوبر 24, 2010

    نسر حر هذا انت
    لذا تدافع عن الحريات المسلوبة

    مقال اكثر من رائع
    لواقع يقهر و يتكالب على المرأة بعنف

    دمت

    • Adon · أكتوبر 26, 2010

      شكراً هبة،
      صار عمره سنتين المقال، بس كل مرة بقرأه بحس ممكن يضل ينكتب كل يوم
      سلامي عزيزتي

  8. الحمزه · سبتمبر 1, 2011

    عم تحكي كلام واقع بس بعض النساء يوجد سر بداخلون بيجذبك ألون عوافي

  9. التنبيهات: يوم المرأة العالمي – 2012 « نينار

التعليقات مغلقة.