3- موت عشتار

goddesses-moon-goddessالكون أنثى وأمّ معطاءة، رمزها القمر. صورة تمثّل الآلهة الأنثى للأديان القديمة.

*   *   *

في ظلّ نسمات معتدلة في صباح أحد أيام جبال لبنان منذ آلاف الأعوام، قدمت عشتروت إلى معبد الشمس قرب نبع أفقا، وبانتظار حبيبها أدونيس، تنقّلت كفراشة الحقل، تقطف الزهور وتردّد تراتيل الآلهة الفرحة في ولادتها الربيعيّة.

طال الانتظار، والوحش المختبىء في المغاور المجاورة يتأمّل فريسته بشراهة، وعندما خفق قلب عشتروت بشدّة، كان الخنزير البرّي الذي ظهر فجأة يمزّقها أشلاء قبل أن يجفّ الندى عن باقتها.

هذه هي النسخة المنطقية للأسطورة الكنعانية القديمة(1)، فمنذ ثلاثة آلاف عام، الخنزير البرّي لم يقتل أدونيس، بل قتل عشتروت… لقد ماتت عشتروت، ومن بقي حيّا هما أدونيس و… الخنزير البرّي!

*   *   *

venus2فينوس، الإلهة اليونانية – الرومانية.

إن كانت ثنائية أدونيس وعشتروت، ترمز إلى ديانة تقدّس عنصري الحياة وتعبّر عن نظام اجتماعي واقتصادي وفكري تشاركي بين الذكر والأنثى في المجتمعات القديمة، فإن رمزيّة موتها في قصّتنا تحاكي الغياب المباغت للأنثى من الدين والفكر والفعل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من حياتنا، الذي توضّحت معالمه بشكل خاص مع ترسّخ هيمنة الأديان السماوية الجديدة.

وفي الواقع، إن اندثار الديانات الأنثوية القديمة بهذا الشكل يقدّم توضيحاً أكبر للمنعطف الذي اتخذه النظام الاجتماعي والفكري في مرحلة ما في زمن ما قبل التاريخ.

وتقول الباحثة الاجتماعية ريان إيسلر في هذا المجال أنه “هنالك تحوّل مزلزل حدث في نقطة ما في صلب الحضارة الانسانية ما قبل التاريخ، حيث تم اعتراض التطور الحضاري للمجتمعات التي كانت تعبد القوى الكونية التي أوجدت الحياة وحفظتها على وجه الأرض، والتي لا ما زال يرمز إليها في وقتنا الحاضر بالكأس المقدّسة(2). إذ ظهر في أفق ما قبل التاريخ غزاة جاؤوا من أطراف الأرض وأدخلوا معهم شكلاً مختلفاً جدّا من النظام الاجتماعي”(3).

وتوضح عالمة الآثار في جامعة كاليفورنيا ماريجا غيمبوتاس، أن هؤلاء الغزاة كانوا غالباً “قوم يبجّلون القوة المميتة لحدّ السيف وهي قوّة تأخذ الحياة ولا تعطيها وتعمل في نهاية الأمر على إيجاد الهيمنة (المستبدة) وفرضها على العالم”(4).

وتظهر الدراسات الأثرية الحديثة وجود حقبة طويلة من السلام والازدهار ونظام اجتماعي تشاركي بين الرجل والمرأة في عصور ما قبل تاريخية امتدت حتى الألف الرابع والثالث قبل الميلاد، أي التاريخ الذي تحدداه إيسلر وغيمبوتاس للتحوّل المذكور.

وتطوّر المفاهيم الدينية يعبّر بشكل دقيق عن هذا التحوّل، إذ إن الآلهة الأولى في الأديان القديمة حتى الألف الرابع قبل الميلاد كانت أنثى، وهذا أمر منطقي جدّا. ففي خلال بحثهم عن أصل الوجود، توصّل الأقدمون إلى أن الله أنثى، لأن الانثى تعطي الحياة، ونظروا إلى الكون كلّه على أنه أمّ معطاءة، والآثار القديمة تحفل بتماثيل الآلهة الحامل المتعددة الأثداء التي ترمز إلى الكون الالهي.

ومن أهمّ الأفكار الدينية الأنثوية التي لا تزال حيّة في عصرنا هي الميثولوجيا الهندوسية، حيث يعتبر الهندوس أن الأرض نفسها التي نعيش عليها هي “آدديتي” الآلهة الأمّ.

o_cults_6-37من الرسوم التي تمثّل الآلهة الهندية القديمة.

وفي حقبات لاحقة تشارك الذكر والأنثى الألوهية مع ثنائيات إنانا – دوموزي، وعشتار – تموز، عشتروت – أدونيس، هرمس – أفروديت، أوزيراك – أوزيريس، وما يحاكي ذلك من ثنائيات في مختلف الأديان الهندية والصينية والأميركية الأصلية، وصولاً للثنائية الأخيرة المتمثلة بيسوع الناصري – المريم(5).

virgin-maryرسم يصوّر مريم العذراء يعود للقرن التاسع عشر أو الثامن عشر ويلاحظ ارتكازها على هلال – رمز الأنثى المقدّسة. (مصدر الصورة)

ثم، وبحكم الغزوات والحروب وتطورات اجتماعية واقتصادية وفكرية لا مجال هنا لذكرها، تحوّلت الأنثى فجأة مع بدايات التدوين التوراتي إلى المجرم المسؤول عن طرد الانسان من الجنّة بعدما نسب إليها جريمة إغراء آدم بالتفاحة الممنوعة.

هذا كان فجر الأديان السماوية.

نَحَت هذه الأديان نحو سيطرة كلّية للذكر، وأضحت الأنثى رمزاً للإغراء الشيطاني، فيما اقتصرت السلطة وسلك رجال الدين في الأديان الثلاثة على الذكور (إلا مؤخراً بخجل وفي ظلّ اعتراضات شديدة).

عندما أضحى الله مجرّد ذكر، انكفأت مريم إلى زاوية بسيطة على هامش المشهد… جعلوها مصنوعة من ضلع رجل… حملّوها عظم خطيئة إخراج الإنسان من جنّة الإله…

أضحت عندما تجتمع مع رجل، لا يحضر الحبّ معها، يحضر الشيطان!(6).

لم تعد المرأة إنسانا. أصبحت ملحقاً: زوجة فلان، أم ذاك الصبي أو ابنة آخر.

الرجل هو أيضاً وحدة القياس البشرية، المرأة تساوي نصفها فقط(7).

وهي أيضاً، إن كانت من دون رجل، فهي من دون رأس(8).

باتت المرأة مركز الظلمة وجوهر كل الشرور(9).

هكذا ماتت عشتروت…

———-

الهوامش:

1-    الأسطورة الكنعانية الحقيقية تقول أن أدونيس قاتل الخنزير البرّي دفاعاً عن عشتروت، وتوفيّ الحبيب متأثراً بجراحه، صابغاً مياه نهر ابراهيم بالأحمر القاني، وهو لون يتجدد ظهوره في النهر مع تفتّح الزهور عند كلّ ربيع، في إشارة إلى الإله الفادي الذي بموته تحيا الطبيعة، ولقد قمنا بعكس الآية في هذا المقال للإشارة إلى موت الأنثى وغيابها التام عن الفكر والحياة لآلاف الأعوام التي خلت.

2-   وهو ذا دلالة أنثوية ويعني بالضبط الرحم، ويستعمل اليوم كرمز مريمي.

3-   The Chalice And The blade: our history, our future, Riane Eisler, New York 1995, P 23.

4-   Marija Gimbutas, “The First Wave of Eurasian Steppe Pastoralists Into Copper age Europe”, The journal of indo – European studies 5 (winter 1977), p 281.

5-    تناول فراس السوّاح استمرار فلسفة الأنثى المقدّسة من الأديان الوثنية حتى الأديان المسيحية والإسلامية في مرجعه المهمّ “لغز عشتار”، ولعلّه من أهم المراجع العربية والأجنبية حول هذه المسألة.

6-   “إن اجتمع امرأة و رجل يكون الشيطان ثالثهما”، حديث نبوي. كما أن المرأة هي الاغراء الشيطاني الأكثر حضوراً في الكتابات اللاهوتية المسيحية.

8-   المرأة نصف رجل وأحياناً ربع: إسلامياً، شهادتها تساوي شهادة نصف رجل، ترث نصف ما يرثه الرجل، يحقّ لهاً، زوجياً… بربع رجل.

9-  “وكما المسيح هو رأس الكنيسة، الرجل هو رأس المرأة”، من رسائل بطرس أو بولس وهما من “تلامذة” يسوع.

10- في الميثولوجيا القديمة، كانت الشمس رمز الرجل، والقمر رمز المرأة، وكانت الظلمة والنور (الشمس والقمر – الليل والنهار) أقنومان متكاملان ضروريان لتوازن الحياة في إشارة أيضاً لتكامل الرجل والمرأة، أما في اللاهوت المسيحي الحديث فالظلمة هي غياب النور، مساوياً بذلك الرمز التاريخي للأنثى بالشرّ المحتوم ومنبع الخطايا.

15 comments

  1. mra ghabia · نوفمبر 4, 2008

    وجدت ما أبحث عنه فعلا انّ هذا المقال وهذه الافكار كانت تدور بذهني ولم أعثر على الوعاء الحاوي لها كي تتشكّل فيه وهنا أقصد الرّواية التّاريخيّة فبحق شكرا لك وألف شكر فأنا لم أجد مدوّنة بل وجدت “كنزا ثمينا”

  2. saghbini · نوفمبر 5, 2008

    سلام صديقتي،
    طبعاً معرفة العمق التاريخي لأفول الأنثى يجعل لمعركة تحرير الانسان وعقله طعم مختلف، ويُخرج قضية حرية المرأة بشكل خاص من سطحية الطروحات.
    مثل الشخص اللي علّق على مدوّنتك يقول لك أن كل العظماء في التاريخ رجال، وهو بالاضافة إلى انها خلاصة خاطئة، لا يعلم أن الهه نفسه كان أنثى في زمن ما.

    تخجلينني عندما تقولين انك وجدت كنزاً ثميناً.
    ارجو ان تبقى المدونة دوماً على مستوى توقعاتك.
    ضلّي بخير

  3. lilian · نوفمبر 11, 2008

    غياب عشتروت و”تغييب” المرأة.. …طريقة ربط هاتين الفكرتين تأسر القارئ….

    إنتفاض الرجل وفرض طقوسه ومعتقداته النابعة من ضعف معين…بجعل “الدين” سيفه والمجتمع درعه …
    ينهي بالسيف فيحلل ويحرم ، ويردع بالمجتمع….لتكون المرأة جائزة في الجنة عند الإستشهاد….

    يجردونها بكلامهم من كل إنسانية ومن كل عاطفة ومن كل نفس وروح…ليسقطوا عليها أحكاماً زائفة إصطنعتها عقولهم الزائفة المقولبة بشريعة صحراء قديمة …بعيدين عنها كل البعد…

    “منبع الخطايا” هذا،بحسب تعابير إحدى “الرسائل السماوية” التي تصرّ أن جميع البشر هم أبناء الله …فكيف به أن يأتي بمنبع …للخطيئة ..

    المرأة والرجل تكاملٌ لا يستطيع اي بشري مكبل التفكير والإحساس أن يفهمه ويشعره…

    شكرأ طوني لهذه المعلومات ..وهذا الأسلوب….

  4. rafed · أغسطس 31, 2009

    الله يلعن الحكام العرب

  5. buyvigrx · أكتوبر 9, 2009

    Hey very nice blog!! Man .. Beautiful .. Amazing .. I will bookmark your blog and take the feeds also…

  6. Inana · أبريل 24, 2010

    Nice

  7. Offinkawn · مايو 19, 2010

    Just want to say what a great blog you got here!
    I’ve been around for quite a lot of time, but finally decided to show my appreciation of your work!

    Thumbs up, and keep it going!

    Cheers
    Christian, Satellite Direct Tv

  8. الحقير+المنافق+الحقود لعلم الانسان=الله الباطل النتن · يوليو 1, 2010

    ودليلي من قرعان الأعاريب: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً // ثم يكمل بلا خجل وأدب:: ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن :ماذا؟؟ غفور + رحيم
    يعني من يكره بنته أو أمته أو جاريته أو زوجته على فعل الفاحشة فرب الحجاز غفور و+رحيم
    خخخخخخخخخ خسئت يامدعى الالوهية ……………………….انتهى

  9. wisconsin union theater parking · أكتوبر 25, 2010

    This was a informative great post by you hope to visit more very soon.

  10. Player · أكتوبر 30, 2010

    Best you could edit the page title to something more suited for your subject you make. I liked the the writing nevertheless.

  11. تنبيه: غدًا عام آخر « عبير
  12. تنبيه: يوم المرأة العالمي – 2012 « نينار
  13. تنبيه: الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفينيق والذئب الأغبر « نقد بنّاء
  14. تنبيه: الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفينيق والذئب الأغبر « نقد بنّاء
  15. تنبيه: الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفينيق والذئب الأغبر | نقد بنّاء

التعليقات مغلقة.