عن ألف هدف وهدف! (نيتشه)

gothic-wallpaper-1661

“حقاً أقول لكم، إن البشر هم الذين ابتدعوا لأنفسهم كلّ الخير والشرّ. حقاً، لم يتسلّموا ذلك، ولم يجدوا ذلك، ولا شيء من ذلك جاءهم وحياً من السماء.

الإنسان هو الذي ابتدع القيم أولاً، من أجل البقاء – هو الذي ابتدع معنى للأشياء، معنى إنسانياً! لذلك يسمّي نفسه “إنساناً”؛ يعني أنه: المقيّم.

التقييم هو الإبداع: اسمعوا هذا أيها المبدعون! التقييم ذاته هو الذي يجعل من كل الأشياء المقيّمة كنوزاً ومجوهرات.

عبر التقييم فقط تغدو هناك قيمة: ومن دون التقييم ستكون جوزة الوجود جوفاء خاوية. اسمعوا هذا أيها المبدعون!

تبدّل القيم، إنما هو تبدّل المبدعين. وعلى الدوام ظلّ يدمّر كل من كان عليه أن يكون مبدعاً.

(…)

محبّون ومبتكرون كانوا على الدوام أولئك الذين ظلّوا يبتدعون الخير والشرّ. نار المحبّة تضطرم داخل كل أسماء الفضائل، ونار الغضب.

بلداناً عديدة رأى زرادشت وشعوباً كثيرة: وهكذا اكتشف خير وشرّ الكثير من الشعوب. ولم يجد زرادشت على الأرض سلطة أقوى من أعمال المحبّين: “الخير” و”الشرّ” هو إسمها.

حقّا، مسخ فظيع هي سلطة هذا الإطراء وهذا اللوم (أي السلطة التي تحدد الخير والشرّ). قولوا لي من سيوثق (بمعنى يكبّل أو يشنق) لي هذا المسخ، يا إخوتي؟ من يُحكم الوثاق على هذه الألف رقبة؟

لقد كان هناك ألف هدف إلى حدّ الآن، ثم كان هناك ألف شعب. فقط وثاق الألف رقبة هو الذي ظلّ ناقصاً؛ الهدف الواحد هو الذي ما زال ينقصنا. إن الإنسانية ما زالت تفتقر إلى هدف.

لكن قولوا لي يا إخوتي: إذا ما كانت الإنسانيّة تفتقر بعد إلى الهدف، ألا تفتقر أيضاً إلى ذاتها؟”

مقتطفات من فصل “عن ألف هدف وهدف” في كتاب “هكذا تكلّم زرادشت”، لفريدريش نيتشه،ترجمة علي مصباح عن الألمانيّة، منشورات الجمل، ألمانيا، 2007.

* * *

طبعاً المقصود في كلام نيتشه بوثاق الألف رقبة هو الفكرة – الهدف التي تعبّر عن الغاية السامية الجديدة للإنسانيّة، والقادرة على إزاحة فوضى الأهداف وفوضى القيم والفضائل “الألف الأخرى” التي نراها منتشرة حتى في عالمنا على وقع استفحال كل أشكال العصبيات الدينية والاثنية والعرقية واللغوية وما شابهها.

عند نيتشه، الهدف كان الوصول إلى الانسان – الأعلى، وهذا الانسان الأعلى ليس فقط ارتقاء للانسان الحالي، بل هو حقيقة إنسانية وحالة وعي ووجود فكري – نفسي – جسدي مختلف تماماً عن الانسان الحالي.

ولعلّه هدف لا يزال يصلح كثيراً كغاية سامية لعالمنا الحالي، مع ما يحتاجه من تحديد لأطره الفكرية والأخلاقية والجسدية والروحية الجديدة، إذ إننا لا نر اليوم سوى محاولات للعودة بالانسان إلى مخلوق حيواني، يعتقد أن الفضيلة هي في إغلاق حواسه وعقله والتثاؤب مع القطيع!

6 comments

  1. nadi · نوفمبر 6, 2008

    كان الإنسان – الأعلى يحيى بين البشر، يمثل قيمهم المكتسبة بفعل التطور الطبيعي، ولما شاء أصحاب الدين السماوي فصله عنا ليحكموا باسمه، صار غريباً عنا وصرنا نجهله، وبالسيف تم الفصل..
    هكذا فعلت الكنيسة مع المذهب الغنوصي لم حاول إعادة توحيد الإنسان مع نفسه، وهكذا فعل الإسلام مع اخوان الصفا وبات اسمهن (والزنادقة الحاقدين على الإسلام واللغة العربية ) مع كل ما يترتب على ذلك من عقاب شرعي.
    وأبعد من ذلك.. إذا دققنا النظر لرأينا الخيط الممتد من اخناتون في مصر القديمة إلى زينون الرواقي إلى الغنوصيين في القرن الأول الميلادي إلى اخوان الصفا في الدولة العباسية إلى نيتشه، خيطٌ واحد يفرحني أنك تحسن الحياكة به للممزقة ثيابهن أمثالنا. فالبرد لايحتمل يا انطون العزيز

  2. أدون · نوفمبر 6, 2008

    أبو النداء،

    أحسنت! هناك خيط بتر في مسيرة الانسان، وطريق مشرق دفنت معالمه بصخور وما أثقلها!
    نحن بالتأكيد نقرأ، لا في نفس الكتاب كما قلت لي، ولكن من نفس العين.

    منذ اللحظة التي أصبح فيها المبدعون ناطقون باسم قوّة خرافية من وراء الكون، لا باسم الانسان والعقل الأسمى له، خلقت مسافة لا قعر لها بين الانسان واحتمالاته، وقيل له انك ان سجدت كل حياتك لاله مجهول، تنال جنّة موعودة ولو لم تزح حجراً واحداً عن متعبي هذا العالم!

    من الانسان المتألّه الاول، إلى الانسان الأعلى – الهدف، شعاع نور واحد لا بدّ من وصله!

    شكراً صديقي العزيز، قلت لك اننا نتواصل ولو كان الوقت يضغط على يومياتنا ويجعلنا نأجل كتابة لا بد منها.

  3. 3ayech mel marsa · نوفمبر 6, 2008

    جميل جدّا…

  4. whatabastor · نوفمبر 7, 2008

    اتمنى ان اقرأ لنتيشه قريبا، فهو في صف الكتب التي لم اصل اليها بعد، شكرا علي المقتطفات

  5. lilian · نوفمبر 7, 2008

    “الغاية السامية الجديدة للإنسانية”

    الحقيقة التي نكتشفها مع معظم المفكرين…
    ثورة على “فكرة” الإنسان المتصوف … البعيد كل بعد عن أي تفاعل إنساني…عن أي إحتكاك فكري وعقلي

    الخيط الواحد الذي ذكره “أبو النداء” هو أثبت دليل على ما باستطاعت الأنسان الوصول اليه…

    نيتشه وصل الى الجنون ….ما يمككننا الوصول اليه هو الوصول الى هذه الحقيقة الإنسانية!!!!

    الانسان مجرم في حق نفسه…..يبدع من جهة فيفتح باب حواسه على مصراعيه لتيلقى ويحلل …

    ويضع الحدّ الفاصل بين إبداعه و إندحاره الى عالم التخبط فيتحول الى الكائن الذي على الدين وضع “اللجام” !!!!!

    يمكن أن يكون أي إنسان ….إنساناً دون معايير دينية ظرفية تُفرض عليه وتحكم عليه…

    شكراً

  6. saghbini · نوفمبر 7, 2008

    whatabastor وعايش بالمرسى شكراً على مروركما
    صديقي عايش، الرابط الخاص بك هنا كان فيه خطأ صغير، وناقص منه حرف g، لكني وجدت مدونتك ويبدو انها ستشهد الكثير من زياراتنا، رغم اني وجدت بعض الصعوبة في فهم بعض مفردات اللهجة المحكية.

    ليليان،
    وين هالغيبة يا بنت؟
    يا هلا، كنت بانتظار رأيك بالشذرات هنا منذ البدء،
    هذا اللجام الذي تتحدثين عنه لم يكن يوماً سوى أفكارنا نفسها وأغلال تكبّل فيها يدنا اليمنى يدنا اليسرى والعكس. فعسى ولعلّ…

    ملاحظة: الاسم على تعليقاتي يتراوح بين أدون وsaghbini، وأدون هو اسم الكتابة ولا يزال يرافقنا منذ وقت طويل.

التعليقات مغلقة.