5- أمّهات ومحاربين!

لم تأتِ معركة استعادة التوازن بين العنصرين الأنثوي والذكري للحياة على متن دبابات احتلاليّة، ولا اخترعها مطعم غربي يقدّم وجبات سريعة، كما ناقش أحد الدعاة المغمورين مؤخراً على شاشات التلفزة.

بل فرضتها مقولة، ردّدها هذا الداعي وغيره كثيراً، وحفرناها على امتداد عصور في أذهان الرجال والنساء معاً، عن أن “مكان المرأة هو في المنزل، تُعزّز وتكرّم في حمى زوجها وتربّي أجيال الغد”.

هي مقولة ساقطة بعد أولى الأسئلة المنطقية التي تتبادر إلى ذهننا، لكنها رغم ذلك تتحدّى المنطق وتستمرّ بممارسة تأثير قوي على مجمل رؤيتنا لدور الأنثى – القيمة والمرأة، في عالمنا.

وفي الواقع، أليس هذا العالم القاسي البارد الذي نخطو بثبات في اتجاهه، والذي يدّعي أصحاب هذه المقولة أنهم يصونون المرأة منه بإبقاءها في المنزل، سوى نتاج انكفاء المرأة في جدران أربعة وغيابها عن الساحات الفكرية والاجتماعية والسياسية الرحبة للعالم في الحقبات الماضية؟

لذلك يكون فكّ أسر الأنثى معركة فُرضت في الأساس بسبب سيطرة الفكر الذي يحمله ذاك الداعية، وهي معركة فلسفية كما هي سياسية وحقوقية وانسانيّة بامتياز.

لا مفرّ من الجدران؟

لا مفرّ من الجدران؟

*   *   *

فلنبدأ بتساؤلات نموذجية لا تزال تطرح حتى اليوم، ولا تزال إجاباتها محطّ جدل.

هل كان من الممكن أن تعطي امرأة الأمر بإلقاء قنبلة نووية على هيروشيما؟ أو بنفي يهود أوروبا أو ذبح أهل فلسطين؟ أو حرق الأراضي الشاسعة في كمبوديا على سكانها؟ أو إعدام ملايين المواطنين بشحطة قلم؟ أو منع الأدوية النافعة من الوصول إلى المرضى لانها غير مربحة تجارياً؟ أو تخصيص موارد هائلة لصنع الأسلحة البيولوجية والكيميائية واختبارها على البشر تاركة ملايين الأطفال من دون طعام أو ملبس أو تعليم؟

في الواقع، أي امرأة تحكم اليوم، قد تقوم بكلّ ذلك. وبالفعل شهدنا ذلك في الماضي في نماذج تمثّلت بملكات بريطانيا ورئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين اولبرايت ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، اللواتي رقصن على جثث الأطفال وحملن كل قيم الحقد بدون أي نقصان.

لكن هنا لا بدّ من التساؤل، هل كان حضور من ذكرنهنّ كان فعلاً حضور أنثوي في السياسة؟

هل يمكن القول انه هنالك نساء معاصرات حكمت أعتى دول العالم، لكن ليس هناك بعد حضور أنثوي بعد في السياسة؟!

بالتأكيد نعم.

نقول حضور للأنثى، ولا نقول حضور امرأة فقط، لأن الأنثى هي فضائل من رحيق الزهور قبل كلّ شيء: قبل أن تكون تكويناً فيزيولوجياً! وكما يمكن بيولوجياً لأي شخص بجسد رجل أن يكون امرأة في داخله والعكس، يمكن قيَمياً، لأي امرأة أن تحمل في داخلها أخلاق القيم الذكورية السائدة في العالم وتكون أشرس مدافع عنها!

وبعد عصور من اقتصار دور النساء في السياسة على أن تكنّ “أمهّات وعشيقات للمحاربين”، رأينا في العقود الماضية أن اللواتي حكمن من أمّهات… حكمن بذهنيّة المحاربين!

فالمسألة هنا هي سؤال فضائل، لا مسألة تضاريس جسد الحاكم(1).

أثر الأنثى!

أثر الأنثى!

لآلاف السنين التي خلت بعد أفول “الأنثى المقدّسة”، كنا ننظر إلى الكون، ولا نرَ منه سوى ذلك الجزء الصلب القائم على القوّة، الجزء الذكري منه، وحولّنا تلك الأمور مع الوقت إلى فضائل، أطلقنا عليها لقب لا تليق به: فضائل إنسانيّة. وكانت تلك القيم في الواقع مجرّد فضائل ذكرية أحادية النظرة إلى الوجود.

وفي المجتمعات البدوية تبرز إشكالية غياب الركيزة الأنثوية للفضيلة بشكل حاد جداّ، بسبب سيطرة الرجل التامة على المجتمع، وهو مثال يمكن الأخذ به لشرح ما نقوله. فالمجتمعات البدوية تتشارك جميعها تقريباً في اعتبار الثأر فضيلة، وهي فضيلة دموية، لم توجد ولم يتم انتاجها في أي مجتمع تاريخي كانت تسيطر فيه الأنثى أو في أي مجتمع تشاركي بين المرأة والرجل.

وبأخذ مثال فضيلة الثأر بعين الاعتبار، يقودنا ذلك إلى التساؤل حول مصير فضائل أخرى لا نزال نعتبرها ذات قيمة، أو من طبيعة الوجود نفسه في مجتمعنا الحالي.

بل يصبح مصير كل ما كنّا نعتبره مسلّمات في واقعنا في مهبّ الريح (لا سيما في المجال السياسي)، مثلما هبّت الريح على فضيلة الثأر المسلّم بها سابقاً، وجعلتها مرادفاً للبربريّة.

وهنا تتغيّر الأسئلة، وتصبح على مثال هل سيكون مصير اعتبار الحروب من المظاهر الطبيعية للعلاقات البشرية، كمصير فضيلة الثأر مثلاً، عند إعادة التوازن الأنثوي – الذكري(2)؟

وهل تكون لاستراتيجيات استغلال الفقر والمرض والحاجة والاذلال المتعمّد للشعوب والأفراد، والواقعيّة المساوية لقتل المدنيين بدماء باردة، المصير نفسه؟

هل يبقى الموت الدائم بأشكاله المختلفة أمراً يدخل ضمن نطاق “العاديّات” و”يوميّات” البشري(ة)؟

لو لم تغب الأنثى بهذا الشكل، هل كنّا الآن مجتمعاً يعتبر العقل والعاطفة ضدّان لا يلتقيان ويحتقر المشاعر السامية والفطرة الإنسانية والمثاليّة؟

هل كنّا الآن مجتمعاً يمجّد لهذه الدرجة القوّة والحرب والإرهاب ويقف متفرجّاً أمام مقتل الملايين في نقل حيّ على شاشات التلفزة؟

هل كنّا مجتمع يتاجر بأطفاله الرضّع وأعضاء إنسانه وأبواب جنّته وشرفه وحرّيته من أجل لقمة عيش؟

تساؤلات غير نموذجية، لكنها بالتأكيد تستحقّ معركة من أجل معرفة إجابتها.

هامش:

1- ما تقدّم لا يعني أبداً أن مشاركة المرأة سياسياً من عدمه هما أمران سيّان، بل العكس. فالمرأة هي بطبيعة الحال أبلغ معبّر وحامل لفضائل الأنثى، رغم تلك الاستثناءات السابقة:

علاقتها بالحياة مختلفة، فالرجل يرمي جيناته الوراثية ويمشي، أما هي فتحمل ذرّة الحياة داخلها لتسعة أشهر، وداخل روحها لمدى حياتها.

ولأنها تعطي الحياة من أحشائها، وتنمو كفتاة في وسط اجتماعي مباشر لا يمجّد القوّة والبطش، فهي بالتأكيد أكثر إنسانية من رجال العصر.

2- هي معركة قيم، لكنها ليست معركة فضائل أنثوية مقابل فضائل ذكرية، لأنها ليست معركة إحلال أحادية جديدة مكان أحادية قديمة.

هي معركة انتاج فضائل وقيم جديدة لا يمكن أن تصحّ إذا اقتصرت على نظرة ذكر قضى الأعوام الآلاف الأخيرة يشن الحروب ويغزو ويغنم ويسبي.

لذلك تنطلق الرصاصة الأولى فيها عبر الشروع في رؤية الجانب الرقيق، الأمومي، الطوباوي، في تنظيم المجتمعات البشرية والوجود الكوني، وصولاً لتحقيق وحدة العنصرين الضرورين لكمال، واكتمال، وتوازن، الكون الذي نعيش فيه.

2 comments

  1. nadi · نوفمبر 11, 2008

    عندما قرأت هذه المرة سيطر على فضولي أسئلة أود أن اشاركك فيها، وهي :
    نحن الذكور أو الرجال أو الشباب، ما محلنا من إعراب جملة القيم الإنسانية؟
    هل صفتنا الذكورية تساوي البطش والعنجهية والقسوة والرجعية، إلخ ..
    أم أن القضية ليست ذكر وأنثى بل قيم تنحط او وتسمو؟
    أنت فتحت في مقالتك نافذتين مهمتين، يصلحان ليكونا المدخل حين قلت:
    (فالمسألة هنا هي سؤال فضائل، لا مسألة تضاريس جسد الحاكم) و-(هي معركة قيم، لكنها ليست معركة فضائل أنثوية مقابل فضائل ذكرية، لأنها ليست معركة إحلال أحادية جديدة مكان أحادية قديمة).
    وهما برأي يستحقان التركيز والبحث المستقل
    وجزاك الله خيراً 😀

  2. أدون · نوفمبر 11, 2008

    سلام عزيزي،

    المسألة ليست مسألة قيم مختلفة يحملها الرجل والمرأة في عالمنا، فلندع للحظة تصنيف الرجل والمرأة جانباً، المقصود أننا كانسان بغض النظر عن جنسنا، نحمل اليوم قيم وأخلاق وفضائل تم انتاجها في حالة من انعدام التوازن بين الجنسين،
    وبما أن الطبيعة الذكرية، هي بتكوينها الأساسي معتمدة على القوة الجسمانية أولاً وتعتبر الرقة أحد أشكال الخنوثة، فمن الطبيعي أن تكون القيم الناتجة عنها هي قيم قوّة أولاً، وذلك ليس أمراً سيئاً في حد ذاته، لان القوّة المادية والنفسية الروحية أمر ضروري لارتقاء البشر،
    لكن، وبسبب غياب تام للأنثى وللقيم التي نصفها بقيم أنثوية عن المشاركة في انتاج القيم الانسانية، اختلّ التوازن، وتحوّلت القيم الانسانية (التي ارتكزت منذ فترة طويلة حصراً على قيم الذكر) إلى تشويهات لها نتائج سيئة جداً. تحوّلت قيم القوّة الصلفة إلى قيم بطش وعنجهية فقط.

    لذلك، لم يقصد المقال، وربما هنا كان يجب التوضيح على متنه أكثر، أن الذكر يحمل أخلاق عنجهية ورجعية لمجرد أنه ذكر، أو أن الانثى تمثّل الخلاص بحدّ ذاتها.
    هي معركة قيم جديدة يجب أن تستبدل قيم قديمة،
    قيم جديدة يجب أن متوازنة بين عنصري الحياة، وبتعبير أدق متوازنة بين سموّ القوّة وسموّ المحبّة، وهي معركة يخوضها انسان، بغضّ النظر عن جنسه كان رجلاً أم امرأة.
    سلامات أبو النداء،
    هلق شفت المدونة واريح اعملك كبسة 🙂

التعليقات مغلقة.