هروب من قلب امرأة – الجزء الرابع

السيارة هوندا كوينتد، تكبر منير بثلاث سنوات.
كيكي لقبها. السرعة… ليست شعارها!
لا يشتعل محرّكها في الأيام “السعيدة جدّا” إلا بعد عشر محاولات يتخللها تكبير و”تسمية” وتلاوات للفاتحة وأرتال من صلوات مسابح الورديّة. “اخدميني اليوم وأعدكِ أنني سأبني كنيسة واتبرع بك للفقراء والمحتاجين، لكن لا تخذليني أرجوكِ!”.

اضرب “المارش” يا منير. المرة الأولى، صوت المحرك كرئة مريض ربو يحتضر. الثانية كرئة شيوعي قديم يعيش على ال cedars؛ قحّات عالية ومسموعة مع “عفصة” دخان. الثالثة… هيّا…. وتنجح الرابعة.
ما ان اشتعل المحرّك حتى كانت دوّاسة الوقود تقبّل أرضية السيارة. الآلة كلها تزمجر الآن، هذه هي القوّة اليابانية!

بعقليني بقاعي من الطراز العنيد، ممشوق البنية، شعره الكث لا يخفي تعابير وجهه الأقرب إلى التجهّم الدائم، سريع الانفعال وصاحب قلب طفل.
انتشلناه بسرعة من جنّة الحلويات، وكان قد ارتدى الجاكيت الجلدية السوداء، التي تصل إلى ركبتيه، وترافقه في كل الأزمات، رغم أن الطقس صيفي، ومن المرجح أن يذوب داخلها قبل أن نصل إلى البقاع.

نحن في سباق مع الزمن، والسيارة في سباق مع الفناء.
على الانعطافات الممتدة من الكحّالة وصولاً إلى ضهر البيدر، تدحرج الغطاءين الأخيرين للإطارات، لكن الصوت العالي يخيف السائقين ويفتح الطريق أمامنا.
تمهّلنا قبيل وصولنا إلى الحاجز الأمني على ضهر البيدر. رمقنا الدركي نظرة من علا: أحدنا ملتح ويبدو عليه كأنه لم ينم لأسابيع، والآخر يرتدي جاكيت جلدية سوداء في عزّ تمّوز ويتصبّب عرقاً.
– على اليمين شباب.

على اليمين.
– الهويات!

نبرة الشرطي تشعرك فوراً أنك مشتبه به. فمجرد إيقافك على اليمين يعني أن “المشكلة” منك وفيك.
– من وين الشباب؟
يقولها وهو يمسك هوياتنا بيديه، وهي على فكرة تدلّ على مسقط رأسنا.
– زحلاويي.

يفتّش السيارة، هو الروتين نفسه، العلبة الأمامية، ثم الصندوق الخلفي، واذا حاول أن يكون دقيقاً سيطلب منك الترجل لفتح الأبواب وينظر في داخلها وداخل السيارة وخاصة تحت المقاعد.
لم يجد شيئاً، إذ للسيارة الرديئة فوائدها أيضاً، فالمسدس كان مدسوساً في الأثاث الممزق في سقف السيارة حيث كان هنالك فتحة سابقة مرقّعة حالياً بقطع سميكة من الجلد.

تكرر الأمر نفسه بعد بضعة أمتار على حاجز الجيش، لكن البعقليني لم يقتنع بعد بوجوب خلع السواد الجلدي، ولو فقد حتى الآن نحو نصف وزنه.

حرارة البعقليني ترتفع، وكذلك حرارة السيارة، ووحبذا لو كانت السيارة كبعقليني، لأن اللوحة الالكترونية فيها معطلة ولا تعطي أي إشارة عن حالتها، بعكس جبين بعقليني الذي تتدفق منه المياه.

قرب أوتيل مسابكي في منطقة شتوره دوّى الصوت الأوّل، لم يكد صديقي يلتفت إلى الخلف حتّى دوّى الثاني وسال زيت ما على الأرض فيما بدأنا بسماع دحرجة تحت أرجلنا.

منظر المحرّك دراماتيكي؛ لقد مات… والساعة كانت أصبحت الثالثة والربع.
45 دقيقة تكاد لا تكفي لاجتياز الطريق العام الممتد من شتوره إلى بعلبك، والملقب بين منطقتي رياق وبعلبك بأتوستراد الموت لكثرة ما حصد من أرواح العابرين عليه.

– بعلبك؟
– لأ رايح عالغربي.

كنّا نهمّ بإيقاف الباص الثاني فيما مرّ أحد أقربائي العسكريين من القرية بسيارته التي لا تتفوق كثيراً على الهوندا الجريحة. طلبت من بعقليني ألا يذكر أي شيء عن جنين أو عن طبيعة رحلتنا أمامه، لتجنّب “طنّة ورنّة” في القرية.
– ابن العمّ! (وهو التعبير السائد في قرية حيث الجميع هم أقارب الجميع).
– بورا (لقبه). شو عالضيعة؟
– اي مأذون تلات أيام. يلا طلاع.
– غير مرة شريك، عندي مشوار صوب بعلبك في شوية شغل.

كان مصرّا على اصطاحبنا إلى القرية، لكن بعد أخذ وردّ اتفقنا على مرافقته في السيارة حتى رياق حيث يمكننا من هناك المتابعة إلى مدينة الشمس.

لم يقتنع بورا بالاجابة الأولى حول طبيعة زيارتي لبعلبك، وخاصة اننا أصدقاء مقربين، فبقي يحوم حول المسألة طوال الطريق.
– بورا: كيف جنين؟
– منير: منيحة ماشي الحال.
– بعقليني: بأحسن أحوالها!
– بورا: سلّملي عليها كتير وقلها بعدني موعود بالتبولة.
– منير: اي لمن شوفها.
– البعقليني: وين حا يشوفها المعتّر (يقولها بصوت منخفض لكن كاف ليسمعه الجميع).
– بورا: ليش شو في مزاعَلين.
– بعقليني: يا ريت.
– منير: لا ما فيه شي. عادي. (وينظر منير إلى بعقليني عبر المرآة موبّخا، لكن انشغال الأخير بمسح عرقه لم يسمح له بملاحظته).
– بورا: انشالله عن قصّة الوردات؟
– بعقليني: ليك وين بعدو.
– منير: بعقليني خلّينا نجاوب يا أخي. خليك بالجاكيت انت. لأ بيار مش قصّة الوردات.
– بورا: إيز ميز؟
– منير: ولك مين بعد بيستعملها هالكلمة؟

واستمر الحديث على هذه الحال، وبعقليني على المنوال نفسه، حتى انفضّت القصّة:
– منير: شوف يا بورا. هاي البنت رح تتجوز بعد نص ساعة، وانا طالع هلق هزّلن بدنهم للجماعة، ما بعرف شو رح يصير، بس انت عسكري والأفضل ما تتدخل.
– بورا: عم تحكي جدّ؟ خلص جعلناها على بعلبك. روق تا قلّك.

بعد هذه اللحظة لم يعد بورا يسمع أي كلمة أقولها له. شرع في الاتصالات يميناً وشمالاً. وبدا الفرح على وجه بعقليني.
قرية منير البقاعية فيها أربعة أنواع رئيسية من البشر: عسكريين، فلاحين، رجال دين، وعاطلين عن العمل.
قبل نصف ساعة من موعد الزواج، أربعة أنواع من البشر بدأت تتوافد على بعلبك.

9 comments

  1. nadi · نوفمبر 14, 2008

    انطووون، إنت زلمي مبدع وموهوب وجد إن حلوي ومحبوكي ومشوقة
    أنا محمس روح معكن ع بعلبك
    بهنيك من كل قلبي وفعلاً الإبداع بفرح

  2. saghbini · نوفمبر 15, 2008

    أبو النداء،
    يلا طلاع بالسيارة 🙂
    قولك الطلعة على بعلبك كانت أهون من الطلعة على ع.ع….. ألخ ألخ ألخ 🙂

  3. رباب · يوليو 7, 2010

    ثم ماذا!

    القصة مشوقة
    هل هذه النهاية!

  4. Adon · يوليو 7, 2010

    هي ليست النهاية رباب، هناك ثلاث أجزاء أخرى لكن الجزء الأخير منها لم يكتب يوماً.
    للأسف لم استطع إكمالها، أو بالأحرى لم أرد ذلك لأسباب لها علاقة بالقصّة نفسها. كانت الكتابة صعبة وقتها حين وصلت إلى الجزء الأخير، شعرت إني أدفن الشخصيات والقصة وكل شيء ولا أكتب.
    لا أعلم ربّما أعود إليها في وقت قريب لنختمها كما كانت.
    شكراً على تذكيري بها!
    سلامي صبية

  5. jihane · أكتوبر 31, 2010

    la wlo, mattafa2na heyk, ballasht fakker enno mday3a bel saf7at. 3mol ma3rouf kammela, kteer helweh
    w be3tezer ma 3endeh keyboard 3arabeh 🙂

    • Adon · نوفمبر 1, 2010

      مفروض ارجع استأنف القصّة قريباً، بدها بعد تلات أجزاء بعتقد، بدي ارجع بحبش على الملف القديم للاقيه.
      حاضر يا جيهان 😀

  6. jihane · نوفمبر 1, 2010

    ba7besh mnih, natra bi lahfeh 🙂

  7. زينة · نوفمبر 18, 2010

    It’s the clichés that cause the dilemma. To lose someone you love is to alter your life eternally. You don’t get over it because ‘it” is the person you loved. The pain ends, there are new people, but the gap never loses. How could it? The particularness of someone who mattered enough to grieve over is not made neutral by death. This hole in your heart is in the shape of her and no-one else can fit it. Why would you want them to?… mounir …may it be a journey of truth…zena

  8. كوثر · يوليو 17, 2011

    امممممم

    عشان كذا انا افضل لو انه الكاتب ماينزل اي جزء من قصته الا لما يخلصها …لانه ماحد يضمن ظروفه ..

    يعني مايصير تشوقونا ونتحمس وبعدين مانكمل ..

    عموما الاسلوب حلو .. وسر قدماً ..الشكر لك

التعليقات مغلقة.