بيروت: سيّارات أكثر وبشر أقل!

«عندما نزل الضباب بات السير في الشارع مغامرة قد تودي بحياتك. كان التنفّس صعباً والرؤية على بعد مترين مستحيلة، وحتى صالات السينما أغلقت أبوابها لأن المشاهدين كانوا لا يتمكنون من رؤية الشاشة. خلال الأسبوع الأوّل من الحادثة زاد عدد المرضى بشكل دراماتيكي. وفي أيام معدودة أدّت حالات الاختناق والذبحات القلبية إلى وفاة أربعة آلاف شخص معظمهم من العجزة والأطفال. وفي الأسابيع المقبلة قضى ما يزيد عن ثمانية آلاف شخص نتيجة أمراض رئوية فيما رزح نحو مئة ألف آخرين تحت وطأة المرض».

هذا الوصف المرعب، ليس مشهداً من أحد الأفلام الهوليوودية بل هو شهادة أحد سكّان لندن عمّا عايشه خلال ما يُعرف بحادثة «الضباب العظيم» العام 1952، التي أودت بحياة أكثر من 12 ألف مواطن من سكان المدينة.

ورغم أن العاصمة البريطانية معروفة بضبابها الموسمي، إلا أن ضباب ذلك العام لم يكن طبيعياً: كانت غيمة الدخان القاتلة هي أوّل حادثة مرتبطة بالـ SMOG أو «الضباب الدخاني الصناعي الناتج عن النشاط البشري»، في العالم.

سبّبت الحادثة صدمة عميقة في بريطانيا وسائر أورروبا التي شهدت على أثرها ولادة أوّل الحركات البيئية المنظمّة. ومنذ ذلك الوقت أقسمت لندن على الحؤول دون تكرار المأساة: منعت حرق الفحم للاستخدام المنزلي رغم أنه كان مصدر الطاقة الوحيد في ذلك الوقت، نقلت المصانع إلى خارج المدينة، فرضت معايير شديدة على كل المنشآت المنتجة للانبعاثات السامة، حسّنت وسائل النقل العام ومنها ابتدعت الباص الشهير المكوّن من طابقين.

اليوم يُعتبر السموغ أحد أبرز المعضلات التي تواجهها المدن المكتظّة في العالم، فهو المسؤول الرئيسي عن التدهور الصحّي والأمراض الرئوية لدى سكّانها، كما أنه يتسبّب بالأمطار الحمضية التي تتلف المزروعات والتربة والمباني وتقتل الثروة المائية في البحيرات.

*   *   *

عند النزول من الجبل اللبناني باتجاه بيروت، أوّل ما يشدّ انتباه المسافر حين تتراىء له عاصمته من بعيد، هو غيمة الضباب الكثيفة التي تظلّل المدينة، ويكاد المرء لا يصدّق أن هذه المساحة الصغيرة من الأرض يعيش عليها أكثر من مليون إنسان ويلوّث جوّها ما يوازي هذا العدد من سيّارات.

رغم عدم وجود صناعات ثقيلة في بيروت الكبرى، إلا أن هواءها يُعتبر من الأكثر تلوثاً في العالم. وفي دراسة مشتركة لجامعتي يال وكولومبيا الأميركيتين، أتى لبنان في المرتبة 90 من أصل 149 دولة فيما يتعلّق بتلوّث الهواء.

ويأتي التلوّث بشكل أساسي من وسائل النقل كالسيارات والباصات، يليها منشآت توليد الكهرباء كمعمل الذوق، وصناعة الاسمنت ومشاريع الإعمار والطرقات وغيرها من مسبّبات الانبعاثات السامّة. ويتكبّد اللبنانيون خسائر صحيّة غير منظورة جرّاء هذا الأمر، ويكاد مرض سرطان الرئة يصبح بمثابة مرض شائع لدى العائلات اللبنانية. وتشير دراسة لوزارة البيئة العام 2001، أن تحسين نوعيّة الهواء وفقاً للمعايير البيئية العالمية يوفّر على الأقل 100 مليون دولار من الفاتورة الصحّية للدولة في مدينة بيروت وحدها.

*   *   *

في كلّ مكان من العالم، تحاول المدن الكبرى ابتداع حلول لتخفيض أعداد السيارات بعدما أصبحت الأخيرة المصدر الأوّل للانبعاثات السامّة. لندن هي بصدد إعلان نجاح خطّتها التي أطلقتها عام 2000 لتقليص أعداد السيارات في شوارعها بنسبة 25 في المئة. في طوكيو، على الراغب في شراء سيّارة أن يبرهن على أنّه يمتلك مرآباً خاصاً لها، وبما أن المرآب خيالي الكلفة في المدينة اليابانية فإن معظم المواطنين يحجمون عن اقتناء سيارة خاصة. في نيويورك وبعض المدن الأوروبية، تبلغ كلفة ركن السيارة ورسوم المرور على الجسور درجة عالية بحيث يصبح الاعتماد على النقل العام أقل كلفة بكثير لأي مواطن. في كل دول العالم تشهد ميزانية النقل العام تضاعفاً في أرقامها، وفي بعضها يتسابق الوزراء على الذهاب إلى مكاتبهم على الدراجات الهوائية لتشجيع مواطنيهم على الاقتداء بهم…

أمّا في بيروت… فقد تتحوّل حديقة الصنائع قريباً إلى مرآب جديد للسيّارات… هل قلنا بيئة؟

(نُشرت في مجلّة الرأي الآخر العدد 33)

3 comments

  1. رجل من ورق · أغسطس 12, 2009

    سالت مرة شخص مهتم بالامور البيئية قللي شو هالبريستيج خلي الناس تعمل مصانع وعمر البيئة بس يصير عنا ثروات ونهضة صناعية بنهتم بالبيئة
    فعييييييييييييش

  2. saghbini · أغسطس 12, 2009

    صرلنا شي قرن ناطرين هالنهضة اللي مش عم تحلّ على صحرائنا.
    بعدين اذا ما فيه بيئة من وين بدها تجي الثروات من السماء؟

    سلامي طارق

  3. rawndy · أغسطس 13, 2009

    مرحباً

    تحية على الوقوف معي ودمتم بود

التعليقات مغلقة.