نصائح رمضانيّة: أسطورة الشهر الكريم

من المفترض أن يكون الهدف الاجتماعي من الصيام قيام العائلات الميسورة بتوفير الأموال التي تصرفها في الأشهر العادية على الطعام، وتقديمها للفقراء لإطعام من ليس بمقدورهم أن يأمنّوا خبزهم اليومي. إلا أن ما يحصل في الواقع هو العكس تماماً، فأسعار الطعام بمختلف أنواعه خلال هذا الشهر تقفز إلى أرقام خيالية، فضلاً عن أن العائلات تقوم خلال هذا الشهر بشراء كميّات أكبر، وأنواع جديدة من الوجبات والحلويات والفواكه التي لا تستهلكها عادة خلال الأشهر العادية، بالإضافة إلى ما تصرفه من أموال على دعوات الإفطار وقضاء الوقت حتى الصباح في الخيم الرمضانية التي باتت تقليداً سنوياً ثابتاً. وما يحصل في النهاية هو أن مصروف العائلات يتضاعف بدل أن يتقلّص، ولا يبقى للفقراء سوى تناول الفتات على بعض موائد الرحمن، والتي تقام عادة لتلبية طموحات اجتماعيّة أو سياسيّة لشخصيّة أو جمعية ما في المنطقة.

BU003140

لعبة الجزرة والجنّة!

هذا ولم نذكر بعد، أن كلّ فكرة توفير المال خلال شهر واحد في العام من أجل مساعدة الفقراء لا تشجّع سوى ثقافة تسوّل الفقراء من الأغنياء، والأصحّ هو بناء دولة رعاية اجتماعية تقوم على التضامن الاجتماعي بحيث يكون الهدف من الضريبة ردم التفاوت الاجتماعي الناتج والاختلالات الاقتصادية.

إلى ذلك، يُفترض أيضاً أن يكون هذا الشهر على الأقل “كريماً”، بحيث يمكن للناس أن تتعاطى مع بعضها البعض بأخلاقيّة ومحبّة واحترام والتغاضي عن المشاكل الاجتماعية اليوميّة، إلا أنه وبسبب الضغط الصحّي والنفسي الذي يسبّبه الجوع والعطش، فقد بات معروفاً أنه من الأفضل تجنّب أي احتكاك سلبي مع الصائمين خوفاً من غضبهم وانفعالهم السريع الذي لا يمكن إرجاعه سوى إلى حالتهم الجسديّة (التي اختاروها بأنفسهم على فكرة). وما يحصل في رمضان، هو أن التواصل الاجتماعي يتحوّل نهاراً إلى جحيم حيّ، لا يمكن فيه للناس احتمال بعضها البعض، فيما يتحوّل ليلاً إلى مثال للألفة عندما يملأ الصائمون معدتهم الخاوية.

ruggia0558c

وزارة الصحّة تحذّر: التعاطي مع الصائمين قبل الإفطار قد لا يكون لذيذاً

ولا يمكن كذلك إخفاء ارتفاع مستويات النفاق إلى درجة غير مسبوقة خلال هذا الشهر، النفاق بالالتزام الديني على الأقل. فبالإضافة إلى أن معظم الصائمين، وخاصة خلال الصيف، يتناولون سرّا أكواباً من الماء أو وجبات صغيرة من الطعام، فإن معظم البقيّة كانوا ليفضلّون مئة مرّة عدم الصوم لولا أنهم خائفون من العقاب الربّاني المخيف الذي يهوى رجال الدين الإطالة في شرحه. وفي كلتا الحالتين، هو نفاق.

كلّ هذه الأسباب دفعت السلطات الدينية لابتداع مخارج غريبة عجيبة من الصوم. وإن كان السماح بافطار الحوامل والمرضى والأولاد الصغار منطقياً، لا يمكن فهم إفطار المسافر مثلاً، الذي يعني أنه يجوز للمسافر الذي يقطع مسافة 22 أو 80 كلم (المسافة مختلف عليها بين الفقهاء كما كل شيء آخر) أن يفطر (إذا ما انطلق قبل الفجر بحسب بعض الفتاوى..ألأخ)، سوى أنه احتيال على التشريع “الالهي” لمصلحة الإنسان. وهناك فتاوى تتيح مثلاً للرياضيين أن يفطروا كونه لا يمكنهم الامتناع عن الطعام (وهذا خبر طازج من موقع العربية حول الموضوع هنا)، وهناك فتاوى أخرى تتيح للعاملين في بعض المهن الصعبة أن يفطروا، وهناك مرجع تقليد شيعي في لبنان اعتبر أنه يمكن للصائمين التدخين من دون أن يفسد صيامهم لأن الدخان لا يدخل إلى المعدة (ولنعترف، المدخّنون هم أكثر الناس غضباً خلال الشهر الكريم ومن الأفضل حقاً أن يأخذوا بهذه الفتوى). وهنا نسأل، إذا كان يمكن للمسافر وللرياضي أن يفطر لأسباب عمليّة لا تمتّ للدين بصلة، ألا تستوجب كل المهن العصرية الأخرى الأمر نفسه؟ من يمكنه تخيّل مبرمجة حاسوب أو موظّف دولة أو معلّمة أو شرطي أو أمّ لأربعة أولاد يمكنها الاضطلاع بمهامها ووظيفتها إن كانت جائعة وعطشى ومنهكة جسدياً؟ كذلك، إن كان مقبولاً دينياً ألا يصوم المريض وألا تصوم المرأة الحامل حفاظاً على صحّتها وصحّة الجنين، لم لا يكون مقبولاً إذاً ألا يصوم أحد بعدما ثبت أن هذه الطريقة في الصيام مضرّة بالصحّة ومبذّرة للأموال ومسبّبة للتوتّر؟ لماذا أساساً يمكن أن يريد إله رحوم أن يعذّب عبّاده بهذه الطريقة الخالية من المعنى؟

النصحية الوحيدة المنطقية بمناسبة حلول رمضان هي: فعل الخير أفضل من الصوم الذي يقود في هذه الآونة إلى العكس تماماً.

يقول الحديث “مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا” (البخاري 2628)، أما العقل فيقول:  فعل خير واحد تجاه إنسان آخر أفضل من صوم كل أيّام السنة.

7 comments

  1. tarekalhamid · أغسطس 25, 2009

    يا طوني يا صاحبي اتصور الحديث والعقل هون متقاطعين صيام في سبيل الله يعني صيام عن كل شي عكر بالحياة

    ذكرتني اليوم سمعت فتوى يمكن تنجح عنا قال بالسعودية بيجوز الافطار للناس اللي بتقطع عندون الكهربا

  2. مسلم · أغسطس 27, 2009

    “ولا يمكن كذلك إخفاء ارتفاع مستويات النفاق إلى درجة غير مسبوقة خلال هذا الشهر، النفاق بالالتزام الديني على الأقل. فبالإضافة إلى أن معظم الصائمين، وخاصة خلال الصيف، يتناولون سرّا أكواباً من الماء أو وجبات صغيرة من الطعام، فإن معظم البقيّة كانوا ليفضلّون مئة مرّة عدم الصوم لولا أنهم خائفون من العقاب الربّاني المخيف الذي يهوى رجال الدين الإطالة في شرحه. وفي كلتا الحالتين، هو نفاق.”

    طوني بوافقك ببعض النقاط ولكن بأخرى لا أوافق
    سيما بهيدي اللي تراءى لي أن تضحك على نفسك فيها.
    “معظم” مش ظابطة معك، وكذلك الأمر بالنسبة للعقاب الرباني
    يعني أنت بتخترع وهم وبتصدقو، الصيام ليس بسبب الخوف من العقاب
    ولكن في سبيل تطوير ايمان الانسان
    تطوير الايمان يمر عبر طاعة الله، وبما أنه الطاعة تستوجب الصيام في هذا الشهر
    لذلك فان الصيام هو نوع من تطوير ايمان البشر
    أما الكلام عن العقاب هو مجرد صف حكي
    وبعتقد أنك معذور لأن يتهيأ لي أنه لا شاغل لك الا مهاجمة الدين
    وبتنطر أدنى الهام فكري كرمال توظفه في هذا الاطار
    الله يهديك 😀

  3. غير معروف · أغسطس 27, 2009

    هلا علّوش،
    كيف أحوالك؟

    عزيزي، انت عم تردّ على الأفكار الواردة بالمقال أو عم تحلّلي نفسيتي؟ (عبارات متل “تضحك على نفسك”، “بتخترع وهم وبتصدقه”، “لا شاغل لك إلا مهاجمة الدين”، “تنتظر أدنى الهام فكري…ألخ ألخ).

    بقترح عليك بالتعليقات التانية الابتعاد عن التحليل النفسي، كرمال يبقى هناك معنى فكري للتعليق على الأقلّ.

    بجميع الأحوال، اطمئنّ، الدين من وجهة نظرنا ليس سبب كل المشاكل في الكون.
    ولكن كونه أحد مصادر ثقافتنا وذات تأثير مباشر على حياتنا اليومية، وكونه لم يترك في الآونة الأخيرة أي تفصيل من حياتنا من دون أن يقحم فيها نفسه، من حقّ أي عقل حرّ أن ينتقد في هذا المجال. والدين في النهاية فكر وثقافة وممارسة، وبالتالي معرّض للنقد مثله مثل أي فكر وثقافة وممارسة أخرى لها علاقة مباشرة بحياتنا.

    من ناحية تانية، من أصل 87 مقالة موجودة حتّى اليوم بالمدوّنة، فيها فقط 5 أو 6 ذات علاقة مباشرة بالدين، وبالتالي اطمئّن أكثر وأكثر أن هناك مشاغل أخرى كثيرة لأمثالنا.

    وبالنهاية، الله، اذا موجود، يهدي من يشاء يا علّوش.

    أدون

  4. مسلم · أغسطس 28, 2009

    صديقي طوني،
    هناك حد للكلام لا ينبغي لأحد تخطيه …
    أنك توصف بالنفاق “معظم” الصائمين فذلك ليس بالأمر الحكيم
    وهو حتى ليس بالأمر العلمي، يعني فسرلي على أي أساس جبت ال”معظم”

    بالنسبة لتحليل النفسية شوف شو قلت أنت نفسك
    “معظم البقيّة كانوا ليفضلّون مئة مرّة عدم الصوم لولا أنهم خائفون من العقاب الربّاني المخيف ”
    سؤال: شو عرفك ماذا يفضل الصائمون؟ هل أنت ساكن بذواتهم؟
    وهل ما جاء في المقالة لا سيما ما اقتبسته في الرد السابق هو عبارة عن نقد ؟
    أنا صراحة بشوفه ذم والأنكى من هيك أنه مبني على أوهام أنت مخترعها

    على كل حال اذا ما بدك تقتنع بوجود الله وبأهمية الدين
    على الأقل أتمنى لك أن تهتدي الى الموضوعية في التعاطي مع قضايا مهمة
    من هذا النوع

    ولك مني أطيب التحيات

  5. saghbini · أغسطس 28, 2009

    مسلم العزيز،
    مع احترامي لك، ليس أنت من يحدّد حدود الكلام، بعدين يا أخي شو قصّة الاسلاميين ما عندهم غير ممنوعات وحدود لا يجب تخطيها؟

    مسألة عدم الالتزام بالصوم، وخاصة في حرّ الصيف، معروفة، ونحنا كلنا أبناء هذا المجتمع الذي نعرفه جيداً، فلا ضرورة أن نحتال على الحقائق التي نختبرها بأنفسنا كل يوم. هلق اذا “معظم” أو “الأقلية”، مش رح نختلف عالرقم لان بتبقى انه فيه نفاق خاص بهالشهر من العام، نفاق على الذات قبل أي أحد آخر. حتّى عدم الصائمين يخبرون أهلهم وأصدقائهم انهم صائمين خوفاً من نظرة هؤلاء لهم.

    مسألة الالتزام بالصوم لأنه فريضة ليست لا تحليل نفسي ولا “سكن في ذوات أحد”، بل هذا ما يعلنه الصائمون ومنهم أنت يا عزيزي، كم برأيك كانت نسبة الصوم ستكون في هذه الفترة من العام لو لم يكن الصوم فريضة ربّانية؟
    راجع حديثنا في المنتدى، وكل الردود كانت تتمحور حول أن “الله طلب منك هذا الشهر” وعليك الالتزام بذلك، وأن الصوم “ركن” والصوم “واجب” والصوم “فريضة”.

    بالنهاية، يبدو انك مصرّ على البحث عن “أوصاف” بدل الردّ على الأفكار الوارد في المقال، كرمال هيك بأسف لأنك شايف المقال “ذمّ” و”نكايات” و”أوهام”، وبأسف أكتر اني مضطرّ ردّ على فكرة من هالنوع.
    عم تثبتلي مرّة أخرى، انه صدر المؤمنين رحب جداً لدرجة انهم يعتبرون أن كل نقاش في الدين هو “هجوم” و”تعرّض” و”ذمّ”، ولدرجة أنهم يعتبرون أن الموضوعية هي الطبطبة على ما يجافي العقل والواقع.

    سلامي

  6. مسلم · أغسطس 28, 2009

    صديقي أدون،
    آسف ان بدا لك بعض ما ورد في ردي مبالغا فيه وقاسيا
    وأنا مش بحاجة رد عالأفكار اللي وردت بالمقال لأني قلتلك من الأساس أني
    بوافقك بمعظمها يعني ما في شي نتناقش فيه
    ولكن صفة النفاق التي أطلقتها ليست كلمة صغيرة وهنا كان ردي…

    على كل حال أنا ألتزم بالصوم لأن الله يأمر بذلك، ولكن ذلك لا يعني أنه ان لم
    ألتزم به فلن أنام الليل والله سوف يعاقبني أو ما شابه من ذلك …
    مثل ما قلتلك الأمر لا يتعدى كونه قربة الى الله ومحبة له عن طريق اظهار الطاعة.
    وأكيد لو لم يكن الصوم فريضة ربانية ما حدا كان صام لأن الهدف هو التقرب من الله مثل ما قلت.

    أنت تأسفت وأنا كمان آسف لاظهارك المسكنة كلما حدا انتقد انتقادك للدين.
    أنا ما انتقدت الأفكار كلها بالمقال وهناك أشياء قد أصاب فيها نقدك،
    ولكن اسمحلي فيها عندما يوصف مجتمع كامل بالنفاق فهذا ليس نقاشا في الدين
    وهذا بالفعل ذم.

    أنا بحترمك كثير صديقي حتى لو كنا ننتمي الى تيارين متناقضين،
    وأتمنى أن لا تزول المودة على الرغم من النقد القاسي من قبلي والذي أراه
    في محله، وكمان أتمنى أن تتوخى المزيد من الموضوعية والبعد عن النقد
    لمجرد اظهار النفس بمظهر الثائر، خاصة ان كان هذا النقد يذهب الى مكان
    لا يحبذه المنطق.
    ومثل ما قلت لشخص غيرك بكرر هالشي لك:
    كما أنه توجد ثورة بناءة فهناك أيضا ثورة هادمة، الأولى تكون عبر اتخاذ المنطق
    والعقل في سبيل الاصلاح وهو ما أصبت فيه ببعض نقاط المقالة،
    والثانية تكون ثورة عمياء دافعها الأساسي الحمية والحماس والتي من أبرز نتائجها
    استفزاز مشاعر فئة كبيرة من الناس، وهو ما قمت به أيضا من خلال بعض النقاط

    أتمنى أن تكون من أنصار الثورة الأولى
    تحياتي

  7. saghbini · أغسطس 28, 2009

    مراحب مرة تانية،

    الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية بالنهاية.
    ردّك مش قاسي، لان الردّ القاسي يكون بالأفكار لا بالأوصاف، لكنّي آسف على طريقتك بشخصنة الموضوع، احاول جاهداً معك الارتقاء بالحوار إلى المستوى الفكري وتصرّ انت على الهبوط إليه إلى نطاق المهاترات الشخصيّة والتحليل النفسي وتخيّل النوايا (بتعابيرك الأخيرة هي: “اظهار المسكنة”، “اظهار النفس بمظهر الثائر”…ألخ).

    شكراً على اعترافك انه لو لم يكن الصوم فريضة ربانية لما صام أحد بهذه الطريقة.
    أما بالنسبة للأمور التانية، فيك تقلّي بكل بساطة “ما بوافقك”، من دون ما تهبط بمستوى النقاش الى الحضيض عبر البحث بالنوايات الشخصية واطلاق الأوصاف التي إذا دلّت على شيء فهي تدلّ على أن المناقش يلجأ لها لأنه فرغ من الحجج المنطقية.

    ما اسميته انت الثورة الهدّامة (بنظرك) هي ثورة بنّاءة في نظر آخرين، والمنطق والعقل هو في جميع الأحوال أكبر كابوس للدين وما شابهه من سجون، فابشر.

التعليقات مغلقة.