رمضانيّات أيضاً وأيضاً: سؤال صوم النفس

كان من المفترض ألّا يتجاوز الحديث عن الصوم في المدوّنة مقالتين اثنتين، لكن بروز أفكار أخرى لم تكن في الحسبان أوجبت العودة للموضوع من جديد.

عندما طرحنا الأفكار التي وردت في المقالين السابقين حول الصوم الرمضانيّ في أحد المنتديات الافتراضيّة، كانت ردّة فعل المؤمنين عنيفة. فالغالبية تعتبر أنّه، إن كانت مناقشة الدين في الأشهر العاديّة ممنوعة، فمناقشته في شهر رمضان هي فعل إجراميّ واستفزازي، فضلاً عن أن “مناقشة الدين” و”التعرّض للدين” هما أساساً أمران متساويان في أذهان المؤمنين الذين يصل بعضهم لاعتبار الأمر بمثابة تعدّي شخصي عليهم.

276landsh4العالم… كما يراه صائم آخر 🙂

ما يهمّ من الموضوع ليس النقاش حول حقّ انتقاد الأديان من عدمه، بل هو مضمون ردود البعض على ما طُرح من أفكار حول الخطورة الصحيّة لهذه الطريقة في الصوم وحول سلوك المؤمنين في هذا الشهر الذي يتعارض مع الهدف منه. وركّزت هذه الردود إجمالاً على مسألتين: الأولى تحسم النقاش بأن الصوم واجب ديني وكفى، ومن يقوم به ينال حسنات كثيرة لدى ربّه. والثانية تركّز على أن الصوم الفعلي هو صوم النفس عن السوء، لا الصوم الشكلّي عن الطعام.

الفكرة الأولى لا تحتاج للكثير من النقاش، فهي متمحورة حول أسلوب الترهيب والترغيب التقليدي: الترهيب هو بالواجب الديني الذي أمر به الله نفسه وشدّد عليه كثيراً، والترغيب بالحسنات وإبعاد النار والحصول على الجنّة.

هنا مرّة أخرى، تفضح حرفيّة النصوص تناقضات قاتلة، إذ وفقاً لهذا المنطق يمكن لمجرم أن يمتنع عن الطعام وأن ينال أجراً وحسنات لدى ربّه مثله مثل أي إنسان آخر، كما يمكن لشخصّ طيّب وشريف ومحترم ألا ينال أي شيء سوى النار إذا فطر نهاراً.

أما الفكرة الثانية، فهي تستحقّ التوقّف عندها.

من أقوال الإمام عليّ حول الصوم، “صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار خوفا من العقاب ورغبة في الثواب والأجر. صوم النفس إمساك الحواس الخمس عن سائر المآثم وخلو القلب من جميع أسباب الشر. وصوم القلب خير من صوم اللسان وصيام اللسان خير من صيام البطن”.

ما يهمّنا من القول هو الجزء المتعلّق بصوم النفس.

إننا نشكّ أن المعنى المقصود من كلمة “صوم” في القرآن والحديث هو صوم النفس، لأن سياق التعابير يدلّ على أن كلمة “صوم” تستعمل حصراً للدلالة على الامتناع عن الطعام، إلا أن اللغة العربية مطواعة وقابل للتأويل بحسب شهيّة القارىء.

رغم ذلك، المهمّ في هذه الفكرة أنها تركّز على الأمور الجوهرية بدلاً من التلّهي بالقشور الخارجية، فصوم النفس عن السوء لأسمى وأصعب وأرقى من أي صوم ماديّ عن الطعام!

ومن هذا المنطلق يمكن إعادة الأمور إلى نصابها وتكرار الفكرة الأزلية حول أن القيام بأفعال الخير تجاه الآخرين هو أكثر نفعاً لأخينا الإنسان من أي ممارسات وطقوس وعادات لا تفيد أحداً بشيء إلا حصول صاحبها على جنّة مفترضة.

وإن كنا نوافق تماماً على هذا التفسير، إلا أنه يصبّ في نهاية المطاف لغير مصلحة القائلين بضرورة الصوم الديني. فإن كان الصوم الفعلي هو السلوك الحسن الذي يمكن لا بل يجب ممارسته طوال العام، ما هي الحاجة إذاً لشهر رمضان؟

هل يقبل المؤمنون القول أن الله حدّد فترة الصوم عن السيئات بشهر واحد في العام فقط؟

5 comments

  1. مسلم · أغسطس 30, 2009

    أهلا saghbini

    نعم، يقبل المؤمنون القول أن الله حدد فترة الصوم عن السيّئات بشهر واحد، لأن الشهر حسب قولنا سيكون بمثابة المنبه. منبّه الى القيام بالأعمال الحسنة والى الأنعكاس على حياتنا و حياة الاخر.
    ولكن هل تحصلنا على نتائج؟
    هل احنا محسنون؟
    هل احنا محبون للخير؟
    هل احنا مسالمون؟
    هل احنا نفكّر ونكترث بالاخر؟ أو هل احنا نخدع عن جسمه قميصه وان كان غير مسلم قميصين أو ثلاثة؟

  2. بالعقل · أغسطس 31, 2009

    اذا كنت تؤمن بدين فكل الأديان بها واجبات دينية وليس لها عائد على الآخرين فالصوم موجود في المسيحية أيضا وأظن في اليهودية والأديان كثيرة تحرم بعض المأكولات وغير ذلك
    وإن كنت لا تؤمن فلماذا انتقاد الإسلام فقط دون غيره من الأديان ؟

    وأرحب كثيرا بالنقد البناء البعيدا عن عدم احترام الآخرين وان كان في موسم عبادة للمسلمين

  3. saghbini · سبتمبر 3, 2009

    مسلم، اهلا بك على صفحات هذه المدونة المتواضعة.

    بالعقل، اهلا عزيزي،
    لا اعلم ان كان لديك الوقت لتصفّح بعض المقالات الأخرى في المدوّنة، لكن الانتقاد هنا لا يقتصر على الاسلام بل يطال كل ما نراه خطأ أو نحن أن نعطي رأينا فيه في أي فكرة أو دين آخر.
    لكن بما أن عالمنا ذات غالبية اسلامية، من الطبيعي ان يحتلّ الحديث عن الاسلام مساحة أكبر من مساحة الحديث عن البوذية مثلاً!

    سلامي

  4. Li$a Ro$e · سبتمبر 3, 2009

    هنا مرّة أخرى، تفضح حرفيّة النصوص تناقضات قاتلة، إذ وفقاً لهذا المنطق يمكن لمجرم أن يمتنع عن الطعام وأن ينال أجراً وحسنات لدى ربّه مثله مثل أي إنسان آخر، كما يمكن لشخصّ طيّب وشريف ومحترم ألا ينال أي شيء سوى النار إذا فطر نهاراً.

    هذا التناقض أيضا موجود أيضا في قول من القرآن .. أن الله يغفر أي شئ إلا الشرك به بغض النظر عن نية الإنسان الذي يعبده ..

    و قوله أيضا .. ( يغفر ما يشاء و هو الغفور الرحيم )

    هذا يبدو لي (مضحك) قليلا ..
    كما أن اللع يقول .. تصوموا أولا تصوموأ .. تصلوا أو لا تصلوا ..
    تعبدونب أو تعبدوا غيري …

    ستدخلون الجنة (بمزاجي) ..
    و ستدخلون النار ( بمزاجي ) ..

    صبياني جدا ..

    شكرا طوني …

  5. saghbini · سبتمبر 4, 2009

    ليزا روز،

    رائعة يا فتاة، تعليقاتك دائماً تضيف على التدوينة الكثير.
    هذه الأحكام “الالهية” هي مضحكة ومبكية في الوقت نفسه.

    شكراً لكِ صديقتي

التعليقات مغلقة.