الإعلانات البيئية في لبنان: رفع عتب أم تقديم بدائل؟

60551W6601_20090922191640

العد التنازلي لإنقاذ الأرض.. على كورنيش عين المريسة - تحرّك لرابطة إندي-آكت (تصوير مصطفى جمال الدين)

تبثّ الشاشات اللبنانية مؤخراً إعلانات بيئية قام بتمويلها أحد المصارف اللبنانية، وتدعو هذه الإعلانات المواطنين لتغيير بعض عاداتهم اليومية لمصلحة البيئة. لكن الترحاب الذي قوبلت به الإعلانات في الأوساط البيئية يكشف في الواقع عن خلل كبير في الرؤية البيئية يشترك فيه على ما يبدو صانعو الإعلان والمرحبّون به على السواء.

في أحد الإعلانات، نرى مثلاً ممثلون معروفون يركنون سياراتهم الخاصة جانباً وينتقلون إلى أعمالهم مع آخرين في سيارة مشتركة. وهذا الإعلان بالذات يضيء تماماً على المشكلة التي نتحدّث عنها.

لا بدّ أولاً لأي محاولة هادفة لتغيير العادات اليومية للمواطنين، من أن تنطلق من أبسط الأسئلة، وفي حالتنا هنا السؤال يجب أن يكون: لماذا يعتمد اللبناني بهذا القدر على سيارته الخاصة؟

الإجابات بسيطة لكن دلالاتها شديدة الأهمية: السيارة هي وسيلة النقل الأسرع (رغم كلفتها) في ظلّ نظام نقل عام متخلّف في لبنان تأخذ فيه الرحلات ساعات للانتقال بين مناطق مجاورة. السيارة هي وسيلة النقل الأكثر راحة حيث لا تستوجب سوى إشعال المحرّك صباحاً، اختيار الموسيقى، التنعّم بالمكيّف والإنطلاق بهدوء من دون أن يضطر المواطن للركض للحاق بموعد الباص وثم حشر نفسه مع عشرة مواطنين آخرين على نفس المقعد وتحمّل مئة نوع من الدخان وحوالي سبعة أنواع من الموسيقى التي تبثّ في وقت واحد من هواتف الركّاب، وثمّ الوصول متأخراً وفاقد الأعصاب إلى مكان عمله. ومن الأسباب الإضافية لتفوّق النقل الخاص هو أنه يوفّر مرونة في الوقت والتنقّل وخاصة في الليل وفي المناطق التي لا يوجد فيها نقل عام. ولأنه أخيراً يناسب “برستيج” اللبناني حيث يُعتبر امتلاك السيارة من مظاهر المرتبة الاجتماعية والاقتصادية للفرد. وأصحاب هكذا برستيج، سيرفضون الاعتماد على سيّارة زميلهم للتنقّل كما سيرفضون الوصول إلى عملهم بالباص حفاظاً على “صورتهم”.

وهنا نعود لنسأل، هل عالج الإعلان المذكور أي من الأسباب الحقيقية لاعتماد اللبنانيين على النقل الخاص؟ أم أن من صنعه توقّع أنهم سيتركون سيّاراتهم بمجرّد مشاهدة الإعلان؟ وهل فكرة الانتقال في سيارة واحدة منسجمة أساساً مع واقع اختلاف دوامات وأمكنة العمل لدى أفراد العائلة الواحدة؟

لكن المشكلة لا تكمن فقط في ابتعاد الإعلان عن الواقع وعن معالجة جديّة لدوافع النقل الخاص، بل في أنه ينطلق من نظرة مغلوطة باتت مشتركة اليوم بين معظم المهتمّين بالشأن البيئي في العالم ومنهم اللبنانيين، نظرة تعتبر أن وقف التغيّر المناخي والتدهور البيئي يقع على عاتق المبادرات الفرديّة أولاً وأخيراً. ومشكلة هذه الرؤية هو عدم ادراكها أن العادات الفردية العادات الفردية الاستهلاكية ليست قراراً شخصياً بسيطاً، بل هي نتاج منظومة ثقافية اقتصادية اجتماعية شاملة، لا يشغل فيها الأفراد سوى موقع التابع لـ”السيستم”. وبالتالي بدل الانطلاق من التركيز على الأفراد، لا بدّ من مواجهة الفاعلين الكبار في هذه المنظومة والذين يقفون في الأصل خلف التدهور البيئي: السياسات العامة الخاطئة للحكومات، الشركات الدولية والمحليّة التي لا تهتمّ سوى لأرباحها، المؤسسات الإعلامية والثقافية التي تشجّع على استهلاك غير محدود وتهمل بناء ثقافة إنسانية تدرك أهميّة المحيط الطبيعي السليم في التقدّم البشري.

وبالتالي، إن أي تغيير ولو بسيط في العادات الفردية يستوجب حكماً إحداث تغيرات جذرية في أساسات المنظومة الاقتصادية الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع الصناعي المعاصر.

من هذا المنطلق، يمكن إعادة معالجة إشكالية النقل الخاص بمعالجة أسباب المشكلة لا نتائجها: من الناحية الاقتصادية يجب تأمين بدائل من النقل العام بنفس كفاءة النقل الخاص من ناحية الوقت والراحة والكلفة. ومن الناحية الاجتماعية لا بدّ من كسر مفهوم ارتباط السيارة الخاصة بـ”البرستيج”، ومن أنجح الأعمال لتحقيق هذا الهدف هو مبادرة الشخصيات العامة مثل الوزراء بالانتقال إلى أعمالهم عبر الدراجات الهوائية والنقل العام (في الواقع لا في الإعلانات فقط)، وهو ما نراه كثيراً في أوروبا ولا نحلم برؤيته في لبنان.

إلى ذلك، وفي ظلّ بلوغ التدهور البيئي في لبنان أوجّه في الأعوام الأخير، تطرح الإعلانات المذكورة وكل أسلوب التعاطي مع البيئة في لبنان عدداً من الأسئلة الحرجة لا بدّ من طرحها. أولّها مثلاً أليس من الأجدى على المنظمات البيئية والمؤسسات الاقتصادية التي تدّعي الاهتمام بالبيئة أن تصرف المال والموارد لتأمين بدائل بيئية حقيقية للناس بدل الاكتفاء بإعلانات ومبادرات لا قيمة عمليّة لها سوى رفع العتب أو تحسين الصورة العامّة للمؤسسة؟ أليس من الأجدى كذلك الضغط على السلطة لتحسين وسائل النقل العام وترميم وسائل النقل الكبرى مثل التراموي والقطار؟ أو تشجيع الجامعات الكبرى ضمن مدينة بيروت لحثّ طلابها على الاعتماد على الدراجات الهوائية للانتقال من المساكن الطلابية إلى حرم الجامعة؟

ألا ينفع أكثر أيضاً وأيضاً التركيز على دفع السلطات السياسية والاقتصادية لأن تكون صاحبة المبادرة بامكاناتها الهائلة لاصلاح الوضع البيئي المتردّي بدل رمي المسؤولية على المواطنين الذين لا حول ولا قوّة لهم في غالب الأحيان؟ وإن كان لا بدّ من تغيير العادات الفردية، أليس من الأفضل صرف الجهود لإدخال مادة التربية البيئية إلى المدارس والجامعات بدل الاكتفاء بموظعة إعلانية من ثوان معدودة؟ أليس من المنطقي أكثر توعية المواطنين على إدراك الروابط بين التدهور البيئي والتدهور في أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية (لكي يفهموا أهمية تعديل سلوكهم بأنفسهم) بدل تقديم الاهتمام بالبيئة كأنه “موضة جميلة” يمكن الأخذ بها أو تركها جانباً؟

الإجابة على كلّ هذه الأسئلة هي باختصار: البيئة تحتاج لبدائل فعليّة لا لدقائق إضافية في المساحات الإعلانية.

نُشرت في جريدة السفير اللبنانية عدد الأربعاء 23 أيلول (المصدر)

3 comments

  1. caroollina · أكتوبر 1, 2009

    سعيدة، ومبروك النقلة والديكور الجديد p:
    بما يخص العنوان العريض للأشيف، فكل أخضر حتى يكون شي منتج .. خارج إطار الرومنسيات .. والزريعة يا حرام .. ويا الله شو إنو لازم نبطّل بقا ناكل لحمة .. وضيعان كل هالكائئنات بالفيضانات .. إلخ من سلسلة الإحساس الدافق.

    كل توجه أخضر هو “أحمر” في مضمونه لناحية محاربة السياسية التي أدّت وتؤدي وتستمر في تأدية دور عظيم وفاعل وجبّار في سحق البيئة والكائناتها.
    بدك نقنّع الحمر بس D:

  2. أدون · أكتوبر 2, 2009

    لنلون،
    يبارك بعمرك تفضّلي عالصالون :p

    اذا عم تقصدي الحمر بالمعنى اليساري القديم، يبدو انهم مش حابّين هالفترة يقتنعوا بشي. كمان ملتهيين حالياً بالتبشير بـ”عودة ماركس”، كأنوا رح يجي هوّي والمهدي سوا :p

    ناطرك تضلّي تمرقي ايه

  3. caroollina · أكتوبر 15, 2009

    يسعد إيامك ..
    وهوّي على اعتبار في “معنى يساري جديد”، هالجيل من الواقفين يساراً .. مع استثناءات خجولة .. واقفين بالمعنى الحرفي للكلمة، في انتظار نموذج ما عن المهدي العزيز.

    حمل الكارثة الخضراء إلى صف العداء مع الرأسمالية بالشكل الخارجي بيعطي دفع عملاق للمشروع الإصلاحي بيئياً، لكن بنفس الوقت .. عم تاخدها على محل رمادي .. فضفاض جداً .. ويحتمل التأويل بشكل واسع، والأدهى والأمر واللي بيسحق فكر كامل بإمو وأبوه وقت بتاخد المسألة البيئية بمنحى اجتماعي في حديث أو نقاش ما هوّي جهوزية ديباجات محاربة الرأسمالية وقاموس شتائمها المتناسخة، وبتصير الفكرة هيي مين بيعرف يلعن النظام المالي العالمي الحالي أكتر من التاني.

    اي .. وقلّي: إمرقي لعنّا
    قلتلو مشتاقة ..

التعليقات مغلقة.