هي..

Female Godess Background

نارٌ وحكمة وحياة صارخة!

هل سأل أحدنا لماذا الأفعى هي الرمز المعاصر للشر؟ ولماذا تُصوّر دوماً بصحبة أنثى؟

تعود إلى آدم وحواء وقصة التفاحة؟

كلا. إن أسطورة آدم وحوّاء هي في الواقع ردّ على فلسفة سابقة موغلة في القدم.

بفطرتهم الإنسانية الأولى، لاحظ القدماء أن الحياة متجدّدة باستمرار، الورقة التي تسقط في الخريف الأول تعود لتولد من جديد مع الربيع، كما يموت الإنسان ليولد من رحم أنثى.

وبما أن الأفعى تخلع جلدها القديم وتتجدّد عند نهاية كل صيف، كأنها تموت وتنبثق من نفسها، أضحت كما الأنثى، رمزاً لتجدّد الحياة. وعندها وُلد أحد أقدم الرموز في وعينا البشري، رمز الأفعى التي تأكل ذنبها، أو “أوروبوروس”.

ouroboros

Ouroboros Symbol

هو رمز مألوف جداً نجده في كلّ مكان، في عصور ما قبل التاريخ، في حضارات مصر وما بين النهرين واليونان وفارس، في بغداد العربيّة، الهند والصين، أوروبا الشمالية، ولدى الشعوب الأصلية للأميركيتين. يظهر في الكهوف والمعابد القديمة وعلى مقابض الأبواب ورداء الخيميائيين، وفي رموز معظم الجعيات الباطنية والسريّة التي شهدها العالم. واعتبره العالم النفسي كارل يونغ أنّه الرمز الأوّل في السيكولوجيا البشرية.

وتؤرّخ الأركيولوجيا الحديثة أن أقدم جمعيّة باطنية في التاريخ اتخذت من الأفعى الأنثى رمزاً لها، وكان اسمها في الواقع أخوية الأفعى. واستمرّ ميراث الجمعيّة حياً فيما بعد برموزه، ومنه اتخذ أب الطبّ الحديث “أبقراط” رمز الأفعى الذي لا يزال يستعمل حتّى اليوم كرمز عالمي للطبّ.

كانت الأنثى والأفعى في ذلك الزمان رمزان يختصران فلسفة تبجيل الحياة. وتطوّر معناهما فيما بعد ليشير إلى الحكمة (كلمة الحكمة باللاتينية – صوفيا – هي في الواقع إسم الإلهة الأنثى التي اعتبرت قديماً تجسيداً للحكمة الكونية). العقل، تبجيل الحياة والجسد والطبيعة اجتمعا إذاً باندماج الأفعى والأنثى في رمز أزلي واحد يرمز إلى التدفّق اللانهائي للحكمة والحياة.

مع نشوء الأديان السماوية، وبروز الحاجة لاستعمال الدين والخرافة في لعبة السلطة في كلّ من بلاد ما بين النهرين ومصر وروما القديمة والجزيرة العربية، كانت نهاية عصر الحكمة الفطرية والعقل الأوّل حلّت على البشرية. منذ تثبيت الأديان السماوية والامبراطوريات القديمة أقدامها، عملت من دون كلل على تدمير كل أثر للعقلانية والفطرة القديمة. وأوّل الغيث كان: أسطورة آدم وحوّاء!

في هذه الأسطورة التي قُدّمت لنا على أنها قصّة مقدّسة، يعاقب “الله” آدم وحوّاء بالعمل والعذاب ويطردهما من الجنّة بسبب تناولهما تفّاحة من “شجرة المعرفة” (أو بتعبير أدق شجرة الحكمة). وبحسب الأسطورة، اكتشف حينها آدم وحوّاء أنهما عاريان وهرعا ليخفيا “عورتهما”.

ما هي الرسالة الحقيقية لهذه القصّة؟

هي التالية: نرى الأفعى رمزاً للشرّ. والأنثى رمزاً للضعف (استطاعت الأفعى إغراؤها)، ورمزاً مضاعفاً للشرّ (حيث قامت حوّاء بدورها بإغواء آدم). نرى أن الجنّة هي في وجود الإنسان في حالة من الجهل، جهل ذاته والعالم المحيط به (لم يكونا يدريان أنهما عاريان مثلاً). نرى كذلك أن “الممنوع” وفقاً للإله الجديد هو “الحكمة” و”المعرفة”، وأن الإله هذا يغضب ويعاقب ويزجر إن تجرّأ الإنسان على إعمال عقله واكتشاف نفسه.

أسطورة آدم وحوّاء هي موجّهة خصيصاً لتدمير كل ما عنته العقلانية الأولى في المتوسّط، عبر تدمير رموزها المتمثّلة بشكل أساسي بالأفعى والأنثى والحكمة، وتحويل هذه الرموز الثلاثة إلى رمز للشرّ المطلق. فالعقل والجسد والبحث الحرّ عن الحقيقة هي في نظر الدين السماوي الجديد خطيئة لا تغتفر.

لكنّ مخترعو الإله الجديد، أنبياء كانوا أم أباطرة، لم يدركوا على ما يبدو، ان العقل “خطيئة” لا يمكن الإنتصار عليها، وأن الأفعى المقدّسة التي دفنوها تحت ركام عشرات القرون من الطغيان والظلم والجهل، ستعود بجسد جديد مع كلّ ربيع لتلدغهم بنار أزلية خالدة: نار العقل والحريّة!

8 comments

  1. hanibaael · سبتمبر 29, 2009

    ستعود بجسد جديد مع كلّ ربيع لتلدغهم بنار أزليّة خالدة: نار العقل والحرية!

    هؤلاء كُثُر. يمتدون في جسد الأرض، من بيروت إلى أصغر قرية في البيرو.. هؤلاء هم شعلة الأرض، والعقل.. والحريّة.

    ها هي عيونهم تلمع!

  2. رجل من ورق · سبتمبر 29, 2009

    كنت كاتبلك تعليق مطول بس بسبب الكونكشن اللي بيهوي
    رح اختصرو بكلمة وحدة
    احمر

  3. أدون · سبتمبر 29, 2009

    سلام أجمعين،

    طارق العزيز، يمكن ما فهمت قصدك تماماً. عادة أحمر يعني وقّف.
    على فكرة، قارىء قصيدة ضوء أحمر لنزار قباني؟ رائعة بنصحك تبحبش عليها اذا مش مارقة قدّامك.

  4. Li$a Ro$e · أكتوبر 1, 2009

    هههههههههههههههههههههه

    بالطبع هم طبعوا هذه العلامات كعلامات شر ماذا تتوقعون ؟؟؟؟

    و المضحك أكثر العلامات التي أستبدلوها بها !!

    مثلا .. الصليب ..

    الذي هو ليس رمزا دينيا بل آلة تعذيب محضة ..

    فهم يتخذون المسيح إلها و لكنهم يقدسون الرمز الذي تسبب في قتله ..

    و ماذا عن رموز الكاب والجمال البليدة و غيرها ..

    بعد هذا يقولون الأفعى شريرة ..

    فالتلدعهم أفاعينا بقوة ..

    لأننا سننتصر ..

  5. الياس · أكتوبر 21, 2009

    سلام طوني العزيز،

    جميل تدوينك عن الأفعى وما فعلته بها آلة القمع التاريخية. قطعاً لا يدركون ان الوهم متبدد كالضباب وان نور الحقيقة التي حاولوا لألوف السنين طمرها تحت تراب الجهل يقوى مع بزوغ كل فجر جديد.

    أردتُ ايضاً ان اذكرك بالتشابه المريب بين rod of Asclepius و Caduceus من جهة وال DNA من جهة اخرى. طبعاً من الصعب جداً ان يورد المرء كل الصلات الممكنة بين الافعى والحضارات القديمة، وانت اوجزت ذلك باقتدار في المقدمة، لكن الرمزية الايجابية قوية جداً في موقعين جغرافيين تحديداً؛ الهند وبلاد المايا والازتك القدماء.

    انا اتابع تدوبنك الرائع بشغف. أرجو ان تستمر في تجسيد ابداعك.

    تحياتي.

  6. أدون · أكتوبر 23, 2009

    الياس العزيز،

    اكتشفت مدونتك أو بالأحرى كنزك من شوي، وتركت تعليق صغير هونيك.
    كتير تفاجأت اني لليوم لحتى اكتشفتها، ليش كنت مخبيها كل هالوقت؟

    استعادة الصلة مع أنفسنا كبشر ومع أرضنا وكوننا ومع جوهرنا المقدّس عملية مش رح بتكون بسيطة يا رفيق الياس، لأن عم ننبش جمال مدفون تحت ثقل آلاف السنين من الدماء والقمع والجهل والظلم. وأملنا بيبقى لان قاعدة الحياة بتبقى هي هي: الشمس التي يضعف نورها شتاءً يعود أقوى مع كل ربيع. ونحن صرنا على مشارف ذوبان الثلوج.

    تحياتي الك

  7. تنبيه: Spring Break – استراحة الربيع « نينار
  8. Leen · أغسطس 3, 2012

    اؤؤمن

التعليقات مغلقة.