الطريق إلى الجحيم يمرّ عبر الله

*

طوني صغبيني

*

في شارع ضيّق في الضاحية الشرقية لبيروت، المشهد كلاسيكي جدًا. هنا تختلط الطوائف وتفترق. يجمعها الفقر، انقطاع الكهرباء، السيارات الهاربة من الميكانيك، جورج وسّوف، وهيفا وهبه… وتفرّقها صور الزعماء على شرفات المنازل.

رغم الطقس العاصف، تبدو حركة الشوارع كأنها عادية…  إلا أنها ليست عادية. إلا إن كنت تعتبر أن شعور المشي على حافة الموت الذي يعيشه السكان كل يوم هو أمر عادي. قرب الدكّان الصغير في الحيّ، يشكّل صوت النرد الملتحم بطاولة الزهر جزءاً غير منقطع من يوميات المسنّين. وعلى الجهة المقابلة، يتحوّل الحلّاق المحلّي عند كل مساء لمقرّ الشبّان العاطلين عن العمل.

المخاوف الأمنية من تفجير ما، هي محور الحديث الدائر لدى الحلّاق، حيث يتسمّر الشبّان أمام التلفاز الذي ينقل الشعائر الكربلائية مباشرة من العراق. في مشهد سريالي، يقاطع أحد الشبّان صوت الضجيج ويسأل كأنه يستفتي الحاضرين: هل تعلمون ما هي أمنيتي؟

كان الجواب البديهي من أحدهم هو أن أمنيته هي بالتأكيد الذهاب لزيارة المقامات المقدّسة في بلاد ما بين الرافدين. ينظر السائل إلى حلّاقه بنشوة: “أمنيتي أن أذهب، وأن استشهد في انفجار خلال زيارتي”. لم يكن هنالك أي علامة تعجّب أو استفهام لدى معظم الحاضرين. بل تنافسوا في استعراض غريب لـ”التقوى”؛ فواحد يؤكّد أنها أجمل شهادة، وآخر يشرح كيف أنه بذلك يوفّر انتظار يوم القيامة ويذهب مباشرة لملاقاة ربّه، وصديقه يضيف أنه يضمن الجنّة لوالديه أيضاً، والأخير يؤكد أن الشهادة خلال قتال “الآخرين” هو أفضل بكثير. في لحظة لا تخلو من الجنون، تحوّل الحديث عن الموت إلى ما يشبه الحديث عن “بوليصة تأمين” على الآخرة بين بائع وشارٍ محتمل.

بدا للحظة كأن الموت هو أفضل ما يمكن أن يحصل لك في المشرق في هذه الأيام. الحق يقال والأخبار اليومية تظهر أن الموت ليس بالتأكيد أسوأ ما يمكن أن يحدث لك هذه الأيام. 

*

taliban2PT

من معالمنا الحديثة

مرّ المشهد المذكور كأن مضمونه طبيعي جدّاً، كأن تمنّي الموت في انفجار هو الأمر الطبيعي الذي قام به البشر منذ البداية. لكنّ الأمر لا ينتهي هنا؛ ففي ضاحية أخرى من ضواحي “بلاد الله الواسعة”، فلنقل إحدى ضواحي بغداد مثلاً، يمكننا تخيّل مشهد مشابه يحدث في الوقت نفسه.

هناك، في شارع ضيّق أيضاً تختلط الطوائف وتفترق. يجلس شبّان لا يختلفون عمّن تكلّمنا عنهم سوى باللهجة والطائفة على إخراج القيد، ويشاهدون النقل المباشر للمسيرة ذاتها. السؤال نفسه يسأله آخر: هل تعرفون ما هي أمنيتي؟ يجيبه أحدهم:

“أن لا نرى مسيرات للروافض في العراق في يوم ما”. ينظر السائل إلى صورة أخيه الذي راح ضحية ميليشيات طائفية، ويقول كأنه يضرب له وعداً: “ليس ذلك فقط، أمنيتي أن أذهب إلى هناك واستشهد وأرسل أكبر عدد منهم إلى جهنّم”. لم يكن هنالك كذلك أية علامة تعجّب. وردّد الحضور الآيات نفسها التي استعان بها الشبّان في بيروت لتأكيد الجنّة للشهيد.

بين الأمنيتين والضاحيتين، كانت هنالك فتاة صغيرة تُدعى مهى تبلغ ستّ سنوات من العمر. مهى التي نتحدّث عنها لم تكن تعرف شيئاً عن الجنّة المعبّدة بالنار عندما انتزعت قنبلة بشرية حياتها في ديالى الشهر الماضي. وكل أمانيها كانت عبارة عن حقيبة جديدة للمدرسة وزيارة مدينة الحيوانات حين تهدأ الأوضاع الأمنية. بالنسبة لوالديها، ولآلاف الضحايا غيرهما، أيّ نعيم سماوي لن يعوّض النعيم الذي كانوا يشعرون به لحظة احتضان طلفتهما الصغيرة كل مساء.

womansoldiergettyready

هي أيضاً تحلم بالجنّة؟

منذ عدّة سنوات و”أماني الجنّة” تحصد سنوياً أرواح ألف مهى في العراق وسوريا ولبنان وكل مكان تقريباً في العالم العربي، “أماني الجنّة” دمّرت ثورات وحطمت أحلام شعوب بأكملها بمستقبل فيه كرامة وحرية وسلام، والغريب في الأمر أن الضحايا والمعتدين على السواء مقتنعين أن المكان نفسه فوق الغيوم سيستقبلهما بعد الموت.

قد يكون تمنّي الجنّة ليس جديداً على سكان هذه البقعة من العالم، لكن الجديد هو أسلوب الوصول إليها. بالنسبة لأطفال وكبار مثل مهى، أجمل جنّة كانت نزهة مرحة بعد الظهر مع صديقاتها في الحيّ. أما بالنسبة لمن يتمنّى الاستشهاد في انفجار، ضحية كان أم معتدٍ، أفضل طرق الجنّة هي “الطرق السريعة” التي لا تمرّ سوى عبر جثثنا المحترقة: إنه الطريق السريع إلى الجنّة الذي لا مكان فيه لأطفال كمهى سوى في برّادات المشارح.

تمنّي الجنّة يمرّ حكماً عبر الجنون، وليس هنالك من معتدين وضحايا فيه، بل ضحايا يعتدون على بضعهم بعضاً، يهربون من واقعهم الأليم عابرين على جثث جيرانهم إلى مكان يتخيّلونه أفضل… ضحايا يخلقون من بعضهم بعضاً جيلاً جديداً من المعتدين.

اليوم يعتقد الآلاف منّا أنهم يعبرون الطريق السريع إلى الجنّة، فيما لا يسلكون سوى أسرع طريق إلى الجحيم، وهذا الطريق إلى الجحيم يمرّ عبر الله، عبر أجسادنا، عبر موتنا.  في العلم هنالك حالات نادرة جداً تدفع المخلوقات الحيّة الأخرى لارتكاب الموت، وتتم عادة بعد التقاط طفيليات مرضيّة نادرة كالسبينوكوردوديس تيليني التي تدفع الحشرات للانتحار في المياه لكي يكون بامكان المخلوقات الطفيلية التكاثر هناك. فهل يكون الله هو وبائنا الطفيلي الخاص، لعنتنا القديمة، الني تدفع من يؤمن بها للأمر نفسه؟ يخيّل إليّ أحياناً أن الله الذي نعبده في هذه البلاد ليس سوى “موت”، ربّ الموت والجفاف والظلمة والعالم السفلي الكنعاني، الذي يقال عنه أن فغره يمتد من السماء حتى الأرض لييبتلع قرى بأكملها ويصحّر ما تبقّى من البلاد. وكم من قرى يبتلعها هذا الإله الغاضب اليوم.  “الطريق السريع إلى الجنّة” ليس اسم أحدث أغنية شعبية، بل عنوان أسوأ أمراضنا المعاصرة.

6 comments

  1. Sahran · أكتوبر 6, 2009

    إن حرص المتدينين على آخرتهم جعلهم يهملون دنياهم وهي الأولى بهم فأصبحوا على الهامش
    لو وفروا على أنفسهم كل تلك الحماقات فلربما كنا سنكون من الأمم المحترمة

  2. أدون · أكتوبر 8, 2009

    سهران،
    أهلا بك صديقي على صفحات المدونة،
    هنالك رجل عظيم من بلادنا قال مرّة أن “اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض ولم يربحنا السماء”. كم كان محقاً فعلاً.

    بانتظار رأيك دوماً
    سلام

  3. رجل من ورق · أكتوبر 10, 2009

    اخ يا طوني
    مهوي متل مهى في كتار ببيروت وبغير بيروت بردك مستعدين يقتلوا الناس كرمال الجنة تبعون او انو مستعد يبيد كتار من مها وبيقلك غلطة حرب انو هيدي الحرب او بيتكرم عليك وبيقلك الله يرحما

  4. جوعان · أكتوبر 11, 2009

    الجنة هي ما يلائم الفراغات النفسية والعاطفية والثقافية والاقتصادية في مجتمعاتنا التعبير المناسب عن حالتنا.
    يعني بمقابل ثقافة الTittytainment خلينا نقول انو في ثقافة مواجهة خلقتها التحولات العولمية والتفريغ الحضاري والثقافي للبلاد (بلادنا)، وهي ثقافة الdivinytainment.. وهي ربط كل شيء بالقدرة الالهية، والارادة الالهية، يعني يمكن تصوف، بس تصوف من هيدا المتفجر يعني، مش من هيداك الدراويشي اللذيذ.

    على أمل يا اما يبطلو ينفجرو، يا اما يضلو ينفجرو لحد ما يخلصو. قبل ما يخلصونا.

  5. أدون · أكتوبر 11, 2009

    صحيح طارق،

    مش نسيان المجانين الدينيين متل الصهاينة واليمين الأميركي اللي بيعتقدوا انهم عم يمهدوا لمجيء المسيح، واللي خاضوا من أجل هالهدف الوهمي حروب قتلت ملايين الناس.
    ولكن المشكلة عنّا بتضل مميزة أكتر، لأن نحنا منقتل بعضنا البعض، وما منلاقي صوت بيرتفع ليستغرب هالشي. الخوف يا طارق انو يتحوّل الموت وأسبابه عنّا لأمر عادي بحياتنا ما بيثير ردّة فعل من قبلنا.

    سلام صديقي

  6. أدون · أكتوبر 11, 2009

    خضّور العزيز، قولك بيخلصو قبل ما يخلصونا؟ ما هنّي لو عم ينفجروا ببعضهم بس كانت هينة.

    divinytainment تعبير أهم بعد بكتير من tittytainment ، أبدعت التعبير، وبينكتب عنّو صديقي.

التعليقات مغلقة.