أبعد من دافنشي (3): بذور المسيحيّة الرسميّة

عندما يصبح للإيمان قانون

Gothic Wallpaper The_Gravity_of_Fear

الناصري على مذبح السلطة...

يضيء كتاب “شيفرة دافنشي” على حقيقة مهمّة جدّا هي أنه لا يوجد حقيقة مطلقة في أركان الديانة المسيحية، بل هناك وجهات نظر مختلفة يمكن أن تلتقي أو تتباعد كما في حالة الانقسام حول دور المجدليّة.

ويمكن استعمال تعبير “المسيحيّة الرسميّة” للإشارة إلى العقيدة المسيحية السائدة حالياً، وهي في الواقع رأي المنتصرين في المعارك الدمويّة التي اندلعت بين مختلف المذاهب المسيحيّة منذ القرن الميلادي الأوّل حتى القرن الخامس.

ففي البدء لم يكن هناك ديانة مسيحية بالمعنى الرسمي للكلمة، بل كان هنالك تيارات فلسفية وروحية ذات عقائد متنوّعة تمزج بين الفلسفة المسيحية الجديدة وبين الفلسفات الوثنية والباطنية القديمة.

كان عقد “المجمع المسكوني الأوّل” في نيقية عام 325 ميلادي بمثابة إعلان بداية معركة فرض “مسيحيّة رسميّة واحدة”، إذ شهد المجمع إصدار أوّل دفعة من “قوانين الإيمان المسيحي” وأوّل منع رسمي لطائفة أخرى.

عقد المجمع بمباركة سلطات روما في ظلّ حضور الامبراطور قسطنطين الأوّل. كان قسطنطين يعتبر أن تمتين الوحدة السياسيّة للامبراطورية يمرّ بالضرورة عبر تمتين وحدتها الدينية المهدّدة على وقع تصاعد الصراع الديني في المتوسّط. وكان يعوّل على مجمع نيقية لتأمين هذا الهدف. ورغم أن الوثائق التاريخية تشير إلى وقوفه على الحياد بين التيارين، إلا أنه دعم بقوّة قرارات المجمع التي أعلنت أن “الآريوسية” بدعة وشرّعت الباب فيما بعد أمام ملاحقة أتباعها.

لائحة المواضيع الخلافية في نيقية كان هائلة ولم يصلنا منها إلا القليل: المجدليّة، وضع النساء في الكنيسة، الأناجيل المسموحة والأناجيل الممنوعة، الغنّوصية، الروح والتقمّص، التألّه والتجسّد، الفيض الإلهي أو الإله المطلق، طبيعة المسيح الالهية أو البشرية، حقيقة القيامة، الأعياد، النظرة إلى الجنس، الوثنيين والعمادة، اليهود والطقوس المسيحية، الهرم التراتبي في الكنيسة، بتوليّة الكهنة، ادعاءات مختلف المذاهب المسيحية، السماح بالتنوّع العقائدي أو إقامة سلطة دينية – سياسية – عقائديّة واحدة…ألخ.

وكانت الخلافات تفاقمت كثيراً بين مختلف التيارات المسيحية على هذه الأمور، وخصوصاً بين من ينكر ألوهيّة يسوع بزعامة الكاهن المصري “آريوس”، وبين من يعتبره ذات طبيعة واحدة مع الله بزعامة بابا كنيسة الاسكندريّة الكسندروس الأوّل.

كانت تعاليم آريوس مستقاة بدرجة كبيرة من المسيحية الغنّوصية السائدة بقوّة في شرق المتوسّط في ذلك الوقت. وهي تركّز بشكل عام على امكانيّة تألّه الإنسان وارتقائه فوق طبيعته البشريّة عبر عمليّة روحيّة شاقّة. وبما أن الناصري هو في نظر هذه العقيدة إنسان عادي تحوّل فيما بعد إلى إله، كانت تيارات مثل الغنّوصية والآريوسية تعتبر أنه بامكان أي مؤمن حقيقي أن يرتقي إلى رتبة المسيح عبر العمل الشاق والتأمّل والمحبّة النقيّة وخدمة الغير.

وعكس الخلاف بين الغنوصّة والآريوسية من جهة وبين الأساقفة الرومان من جهة أخرى انقساماً فلسفياً عميقاً حول طبيعة الإنسان؛ هل هو كائن عقلاني حرّ قادر على الارتقاء والتألّه؟ أو هو عبد يولد ويموت في الخطيئة ولا يمكن إنقاذه إلا بعبادة الآب والاعتراف بالمسيح كطريق إلزاميّ للجنّة؟

انتهى المجمع الأوّل بإعلان الأريوسية هرطقة كما سبق وقلنا، ولوحق أتباع هذا المذهب حتى تمّ القضاء عليهم بشكل شبه نهائي. ولم يتوقّف الأمر هنا: بعد نيقية، كرّت سبحة المجاميع المسكونيّة حتّى وصلت إلى سبعة. ولحق كلّ منها انشقاق ديني أو حملة اضطهاد شُنّت على من رفض قوانين الإيمان الجديدة. وعلى الأثر لوحق الآريوسيّين والغنّوصيين والنسطوريين وآخرين وأحرقت كتبهم وقضي على معظمهم قبل نهاية القرن الخامس. وشهد المجمع الرابع الذي عقد في العام 451 الانشقاق الشهير بين الكنائس الغربية التابعة لروما (الكاثوليكية) وتلك الشرقية التابعة للقسطنطينيّة (الأورثوذوكسيّة).

3 comments

  1. Sahran · أكتوبر 8, 2009

    عزيزي الكاتب :

    لطالما تبجح المسيحيون بصحة دينهم , ولم أكن أجد لهم حجة إلا في إيجاد سقطات الدين الإسلامي , فهم لا يدركون تاريخهم الأسود ويعتقدون أن المسلمين قد تربعوا على عرش الدماء وحدهم , ونسوا تاريخهم المليء بالقتل بحجة الهرطقة

    أتمنى أن يقتدي كل المدونون بك ولا ننشغل بتوافه الإسلام وحدها , بل أن الحماقات هي من كل الأديان وما حدا أحسن من حدا

  2. أدون · أكتوبر 12, 2009

    سهران العزيز،
    كل الأديان السماوية تتساوى تقريباً في بطشها وعدم قدرتها على تقبّل التعددية والحرية والعقل.
    ما حدا أحسن من حدا فعلاً

  3. Li$a Ro$e · أكتوبر 15, 2009

    مجددا أقول :::

    الدين والأديان .. و أي أمر معنوي .. كل احظات حب و كل القوس في العالم ..

    الدين لا يكون مثاليا بمجدر وضعه في كتاب أو ممارسته بين جدران أربعة كما يحصل في المساجد و الكنائس ..

    الدين و إن كان دينا فهو أكثر من ذلك بكثير ..

    هو ليس مجدر قول من الأقوال و لا أحاديث توضع في مناهج الأطفال في المدارس و تحشى في أمدغتهم اليافعة ..

    لا أحد يعترف أن الجميع يكره الدين ..
    إن الدين أصبح لا شئ سوى (أسلوب حياة)
    مثل ذهابك للمنتزه و عودتك منه ..

    و هو ليس أكثر من (وطيفة) سواء للشيخ أو للراهب أو للحاخام ..

    الدين وُلِدَ بالدماء و لن يطول الزمن حتى ينتهي بالطريقة نفسها التي بدأ بها ..

التعليقات مغلقة.