عن غباء الرقابة العربيّة

145-PCD1205-104

هكذا يريدون لنا أن نكون!

يكاد لا يمرّ يوم من دون أن نسمع في العالم العربي عن منع كتاب من هنا، وفيلم أو مسرحيّة من هناك.

“ثقافة الممنوع” لدى الأنظمة ليست جديدة علينا، وهي في جميع الأحوال تتغذّى من “ثقافة التحريم” التي يحملها الناس أنفسهم. ثقافة الممنوع حقيقة ليست سوى ترجمة سياسيّة لثقافة التحريم الأكثر تجذراً في المجتمعات العربيّة.

لكن الجديد في الرقابة العربيّة هو بلوغها مستويات غير مسبوقة من الغباء. ربّما لكنّا سنتفهّم المنع في زمن كانت فيه الدولة تمتلك قناة رسميّة واحدة، وجريدة رسميّة واحدة، وإذاعة رسميّة واحدة. لكن المنع في زمن يمكن فيه لأي صبي في الحادية عشر قرصنة أي فيلم سينمائي ممنوع وبثّه على “Youtube” لآلاف المشاهدين، وفي زمن يمكن لأي مراهق يعرف الكتابة أن يشتم أكبر عمامة في العالم الإسلامي في مدوّنته، المنع في هكذا زمن يظهر الحكومة على أنها قمّة في الغباء. هذا إذا افترضنا أنها تصدّق حقاً أنها قادرة بعد على أن تحدّد للمواطنين ما يجب وما لا يجب عليهم أن يشاهدوه أو يقرأوه.

لكي تصل الثقافة العالميّة إلى العالم العربي إذاً، عليها أن تمرّ أولاً عبر موظّف في جهاز الرقابة لا يملك تحصيلاً جامعياً في أكثر الأحوال و”مستشاراً” دينياً لا يفقه شيئاً في العلوم أو الفنون أو الأدب. لدينا إذاً رجل عسكري مبرمج على تنفيذ الأوامر ورجل دين مبرمج على دفن العقل يتولّيان مهمة تحديد ما يضرّ وما ينفع في الثقافة التي يجب أن يطّلع عليها الطلّاب وأساتذة الجامعة والصحافيين والكتّاب والمفكرّين!

الأسوأ من المنع هو تبريره. فإن لم يكن السبب “المسّ بأمن الدولة” (وهنا نتساءل ما هي هذه الدولة التي يتزعزع أمنها من جملة في كتاب أو مشهد في مسرحيّة؟ وما هي هذه الدولة التي ترى في الثقافة تهديداً لها ولا ترى ذلك التهديد في مجموعة الجهلة التي يحكمونها في عواصمنا العربيّة؟)، قلنا إذاً إن لم يكن السبب المسّ بأمن الدولة، فهو يكون “المسّ بالذات الإلهيّة”، أو بحسب التعبير اللبناني “إثارة النعرات الطائفية”.

وهنا لا بدّ أن نضع تساؤلاً أمام علماء الأزهر والمفتين السعوديين والمعمّمين الإيرانيين، إن كان هناك من إله كلّي القدرة والمعرفة لما لا تتركونه هو يدافع عن نفسه؟

وإن كان هذا الإله الغيّور ينتظرنا في مكان ما وراء الغيوم ليرسل الخاطئين في رحلة سريعة إلى النار، فلم لا تتركوه يمارس عمله بسلام وتدعوه يحاسب ويشوي الناس بهدوء بدل أن تملؤوا الأرض ضجيجاً حول بضعة أبيات شعر؟

إن كان لا بدّ من ضرورة وجود رقابة في العالم العربي، فلا بدّ أن تتوجه أولاً لتحمي أذني المواطن العربي من الهراء والأكاذيب التي يتحفنا بها كل يوم رؤساء دولنا ورؤساء مساجدنا وكنائسنا على القنوات الفضائية. إن كان هناك من رقابة فيجب أن تتوجّه أولاً لأولئك الذين يدعون للعنف الإثني والديني ولاقتتال الناس بحسب أديانها وألوانها، والذين يربّون الأطفال على الخوف من إله يشويهم إن لم يركعوا أمامه يومياً، والذين يدافعون عن ثقافة الحلال والحرام والخوف من الجسد وتحقير العقل والفكر الحرّ، والذي يدافعون عن تفخيذ الرضيع وإرضاع الكبير وتزويج الفتاة الصغيرة وعقوبة الرجم وقطع اليد وتعدّد الزوجات وسجن المرأة في ظلمات المنازل…

إن كان لا بدّ من رقابة في العالم العربي، فهي يجب أن تطال الحاكم وحاشيته السياسية والعسكرية والدينية، لا المواطن. فلتكفّ الرقابة يدها عن أعناق الشعوب العربية!

*  *  *

*بالمناسبة عزيزي رجل الأمن، زعزعة أمن الأنظمة والحكّام الذين يعتاشون على ألم مواطنيهم هو فخر لهذه المدوّنة ولكل من يشبهها، وفخر لها أيضاً سبّ الذات الإلهية التي تحتقر العقل وتمقت الحريّة وتطلب من الإنسان أن يكون لها عبداً.

أخيراً، نختمها بإهداء خاص للأمن العام اللبناني الذي قام مؤخراً بمنع مشهد من فيلم “سمعان بالضيعة” لسيمون الهبر بتهمة “تهديد السلم الأهلي” في لبنان. الفيديو التالي هو الدقائق الستة التي منعها الأمن من الفيلم. (الوصلة من قناة المخرج اللبناني سيمون الهبر على يوتيوب – وصلتها هنا)

9 comments

  1. hapy · أكتوبر 19, 2009

    الغباء العصامي والاصرار على الغباء

  2. لاديني · أكتوبر 19, 2009

    فعلاً تصرفات الرقابة عندنا تدعو إلى شعور هو مزيج من الضحك والرثاء
    واتباع أساليب القمع الفكري القديمة لم تعد تجدي في عصرنا هذا
    ولكنهم لا يعون
    مرة بعذر السلم الأهلي ومرة أمن الدولة ومرة دين وثوابت الأمة ومرة لا أدري ماذا….
    هراءهم هذا لم يعد يجوز على أحد
    والحفاظ على الكرسي والسلطة هو الهدف الأساسي والنهائي والباقي أعذار وتفاصيل والكل يريد أن يركب.

    يجب ألا ننسى أن الله يدعي في قرآنه أنه يدافع عن الذين آمنوا
    لماذا لا يدعونه ومهمته التي أعلن عنها
    هل يستقلون قدراته فيعينونه بأجهزة الرقابة والمنع؟!

    عزيزي أدون
    عرض مرتب وجميع
    والفيديو الذي ختمت به حجر ألقمتهم به.

    تسلم..

  3. أدون · أكتوبر 20, 2009

    Hapy احببت تعليقك، مقتضب مفيد 🙂

    لاديني العزيز،
    هذا واقعنا، بين المضحك والمبكي دائماً.

    بانتظار آرائك وتعليقاتك دوماً صديقي

  4. Sahran · أكتوبر 20, 2009

    أنا لو واحد شتمني ولاّ أذاني فسأعرف كيف أرد عليه, مع العلم بأني لم أدعي القدرة على الخلائق ,

    فكيف بمن ادعى تسخير الكون كله تحت يديه وهو غير قادر أن يذود عن نفسه من خلقه الذين صنعهم بيده كما يدعون

    وظيفة الدين حاليا هي في المحافظة على الإله المريض الذي اكتشف الناس ضعفه وهزله

    وإن كان هذا الإله موجودا فليرنا قدرته

  5. mra ghabia · أكتوبر 20, 2009

    la censure est la preuve qu’on continue chez nous à considérer le peuple comme un troupeau de bêtes incapable de gérer par soi-même sa propre destinée sans l ‘ intervention d’un DIEU et /ou d’ un ROI

  6. bunaz · أكتوبر 20, 2009

    إذا كان الأمن اللبناني منع ست دقائق من فيلم المخرج الهبر فقد منع أيضاً 53 دقيقة من فيلمي الوثائقي ” عندما تكلم الشعب – الجزء الثالث” وهي مدة الفيلم بالكامل، في المهرجان نفسه، بذريعة كتبت عنها جريدة السفير ويمكنك الإطلاع عليها من خلال هذا الرابط لمدونتي.
    http://ishraaaykom.blogspot.com/

  7. أدون · أكتوبر 21, 2009

    سلام،
    صديقي سهران، لو كان حكّمنا، وأدياننا تملك ما يكفي من كلمات صحيحة لتردّ على المشككين بهم، لما كان هناك من رقابة على الاطلاق، لكن مفلسون ولا يملكون سوى المقصّ والقطع والبتر والإسكات ليدافعوا به عن إفلاسهم.
    دمت بخير صديقي

    امرأة ذكية، في الفترات الأخيرة كنت بدأت أفقد الأمل من أن يكون الحكّام هم سبب وجود الشعب في حالة قطعان بشريّة، هم يتحمّلون مسؤولية ذلك والحكام باتوا أسياداً في معرفة استغلال هذه النقطة بالذات.
    على أمل يا صديقتي العزيزة.

    سلام سيد Bunaz،

    لقد سمعنا عن فيلمك الوثائقي الذي منع عرضه في بيروت. أحب فقط أن أقول لك أنه هناك الكثيرين في لبنان متضامنين معك. نحن نخجل عندما يقال أن لبنان بلد حرّيات فيما يتولى الأمن العام مهمّة رقابية ويمنع النتاج الفنّي يميناً ويساراً.
    يبدو أنك تملك الكثير لتقوله في فيلمك مما لا يعجب السلاطين في عالمنا العربي. تهانينا لك وهذا وسام على صدرك ودليل على أن انتاجك يعالج حقاً ما يجب على عالمنا العربي والكويت ولبنان أن يتنبّهوا له.
    لذ اعتذر منك بسبب هذا القرار الغبي، نيابة عن كل اللبنانيين الذين يهمهم أن يروا بلدهم مساحة للحرية.

    أصدقائي وانا متشوّقون لمشاهدة فيلمك متى ما بات في متناولنا.
    أخيراً، أشكرك سيدي العزيز على مرورك على مدونتي المتواضعة.
    نحن علينا أن نرفع الصوت دوماً في وجه ثقافة المنع لكي يأتي اليوم الذي تختفي فيه من صالاتنا ومسارحنا وصفحات كتبنا.

    دمت بخير
    أدون

  8. Bunaz · أكتوبر 21, 2009

    عزيزي أدون

    شكراً لك ولجميع من يتضامنون مع الحريات بشكل عام.
    لبنان بلد نعشقه، ومهما قامت به بعض المؤسسات الحكومية من تعسف فلن تؤثر باعتزازنا وحبنا لهذا البلد.
    سأتشرف بعرض فيلمي في عرض خاص لك ولمن يعز عليك متى ما سنحت لي الفرصة لزيارة بيروت.

  9. تنبيه: استراحة: كيفية ترويض الديناصورات « نينار

التعليقات مغلقة.