خطر جديد يهدّد السودان: بنطال الجينز!

article-sudan-jeans-200x0

لبنى الحسين مرتدية اللباس الذي أدخلها السجن!

كلّنا نعرف السودان. السودان الغني بموارده وشعبه ومساحته الشاسعة. السودان الذي يمكن لمياهه وسهوله الخصبة أن تسدّ جوع أفريقيا. السودان الجميل الذي كان يمكن فيه في الماضي أن نرى المسيحي والمسلم والملحد والوثني والأبيض والأسود جنباً إلى جنب في أعمالهم وحياتهم اليومية من دون نزاعات على الأرض أو على السماء. لكن هذا السودان الجميل انتهى منذ عقود ولم يعد موجوداً سوى في على صفحات كتب الجغرافيا المدرسيّة.

عندما نقول “السودان” اليوم، تتبادر إلى ذهننا أمور كثيرة لا يوجد بينها أي فكرة “جميلة”: نزاعات عرقية ودينية مسلحة ومطالبات انفصالية في شرق وجنوب البلاد، حكم استبدادي يترأسه مجرم حرب، تطهير عرقي، انتشار الأوبئة، النقص في المياه، جفاف الأراضي، فقر شديد ومجاعات وبؤس عام.

من المفترض إذاً أن تكون السلطة السودانية المركزية منهمكة بمعالجة هذا الكمّ الهائل من المشاكل التي تعانيها البلاد، لكنّها بدلاً من ذلك وجدت خطراً جديداً يهدّد مصير السودان بأكمله، وتبدو أمامه كل المشاكل الأخرى بمثابة لعب أطفال. هذا الخطر يا صديقي القارىء يدعى “بنطال الجينز”.

و”بنطال الجينز” هذا هو من اختراعات الغرب الكافر التي تهدف للقضاء على أمّتنا. وكل من يرتديه هو متآمر مع الكفّار ولا بدّ من معاقبته خاصة إن كان امرأة. هل تستطيع تخيّل امرأة ترتدي بنطالاً؟ يا ويلاه، إن هذا شرّ يراد به إلهاء الرجال المسلمين عن شؤون العبادة وإحباط الأمّة الإسلامية عن التقدّم وثنيها عن الإنجازات التي تحققها واحدة تلو الأخرى (من إنجازتها في القرن الواحد والعشرين مثلاً بناء أكبر سجن فكري وجسدي وسياسي وعلمي لنحو مليار مؤمن في العالم).

والحكومة السودانية، بصفتها ساهرة على مصالح شعبها، قد لاحظت هذا الخطر باكراً وقرّرت أن تخصص مواردها في محاربته وأن تضع كل رجال الشرطة والأمن في طول البلاد وعرضها في حالة تأهّب لمواجهته عبر اعتقال وجلد النساء التي ترتدي بناطيل الجينز في الشارع علناً بكل وقاحة.

وتورد منظمات حقوق الإنسان في السودان أن عدد النساء اللواتي تم اعتقالهنّ في مدينة الخرطوم وحدها العام الماضي بلغ 43 ألف امرأة، تراوحت عقوبتهنّ بين 10 و40 جلدة، بالإضافة إلى غرامات مالية وشهر في السجن. ومن النساء اللواتي تم اعتقالهنّ بالجرم المشهود هي الصحافيّة لبنى الحسين التي تم اعتقالها مع امرأتين آخرتين بتهمة ارتداء البنطال (للمزيد عن لبنى الحسين في الويكبيديا اضغط هنا \ لمشاهدة فيديو مصوّر عن قضيتها اضغط هنا \ للمزيد من أخبار جلد النساء في السودان بسبب ارتدائهنّ البنطال اضغط هنا وهنا وهناهنا أيضاً وهنا كذلك الأمر). وحكم على الحسين بدفع غرامة 500 جنيه سوداني (200 دولار) أو شهر في السجن (فضّلت لبنى السجن على دفع الغرامة لكن اتحاد الصحافيين السودانيين أصرّ على دفع الغرامة من ميزانيته لانقاذها من ظلمة الحبس). وحكم على صديقاتها بـ 20 جلدة وبغرامة 250 جنيه سوداني (100 دولار) لكلّ واحدة منهما.

(ملاحظة: تنص المادة 152 من قانون الجنايات السوداني على عقوبة تصل إلى 40 جلدة لكل من “ارتكب فعلا فاضحا، أو خدش الحياء العام، أو ارتدى زيا غير محتشم”).

الحكومة السودانية تطمئن العالم الإسلامي أنها ستقضي على هذا الخطر قبل فوات الأوان، وأن أوضاع السودان ستشهد تحسناً ملموساً بعدما تخلو شوارع الخرطوم وباقي المدن من اللواتي يرتدين البنطال. عندما تخلو شوارعنا من البنطال سيشعر فوراً كل مواطن في العالم الإسلامي أن أحواله تحسّنت، أن صحته باتت أفضل وأن التعليم والوظائف والمدخول باتت كلها بأفضل حال، ويمكن له بالتالي أن يطمئن على مستقبله ومستقبل أولاده. كل البلدان الإسلامية ستزدهر عندما نتغلّب على مؤامرة بنطال الجينز. الحمد لله رب العالمين.

*   *   *

ملاحظة للقارىء: لا أعلم ماذا يمكن أن نكتب عندما نقرأ خبراً كهذا. يبدو أن الهاوية في العالمين العربي والإسلامي لا قعر لها، ويبدو أن الأمر الوحيد الذي نجيد فعله هو حفر هاوية سحيقة ورمي أنفسنا بها من دون ان يرتفع صوت واحد ليقول على الأقل كلمة “لا”.

ماذا بعد أن تعتقد السلطات الدينية والسياسية والقضائية أنه بامكانها أن تقول لنا ماذا نرتدي وماذا نأكل وماذا نقرأ وماذا نكتب؟ ماذا بعد أن تُجلد امرأة بسبب ثيابها من دون أن تقوم الدنيا وتقعد احتجاجاً؟ (نحن أساساً شاهدنا بعض العراقيين في العام 2006 يذبحون بعضهم البعض طائفياً من دون أن يرفّ لنا جفن، ولم يرفّ هذا الجفن فيما بعد إلا بسبب بضعة رسوم سخيفة). هل يبقى لنا من مكان في هذا العالم إن كان ارتداء البنطال جريمة؟ ماذا يبقى من الإنسان وماذا يبقى من العقل وماذا يبقى من الحريّة؟

ما يمكننا فعله دائماً هو أن يكون هناك المزيد من أمثال لبنى الحسين بيننا. ما يجب علينا فعله أيضاً هو المواجهة ودعوة كل من يمكنه الوقوف على رجليه وكل من يمكنها الوقوف على رجليها للمواجهة بدوره (بدورها) ولقلب العروش على رؤوس حكّامها وانتزاع الحريّة انتزاعاً من فوّهات البنادق اذا اقتضى الأمر!

5 comments

  1. hanibaael · أكتوبر 23, 2009

    هاوية لا قعر لها!

    لا اعرف ماذا يمكنني أن أضيف لما قلته! (تركلنا مجال ولو خيي).

    ويرتفع صوت هؤلاء من المحيط إلى الخليج. ترتفع القبضات، النار يحرق العروش. الطغاة يبحثون عن زاوية ليهربوا إليها..

    مشهد ليس ببعيد!

    ع الهامش بموريتانيا منعوا حمالات النهود..ودقي يا مزيكا

    تحياتي انطون

  2. Sahran · أكتوبر 24, 2009

    عزيزي أدون

    ليست المشكلة أن تكون للناس أفكار حمقاء
    ولكن المشكلة حينما يراد لتلك الحماقات أن تصبح أمرا واقعا على المجتمع
    حينما تسخر الدولة إمكانياتها لنشر الخرافات , فستجد بالمقابل نكوصا شديدا في تقديم الخدمات المفيدة للمواطنين
    تحياتي لك
    ودمت سالما

  3. أدون · أكتوبر 26, 2009

    سعيدة،
    هاني، اي بالصومال كمان ارتداء حمالة الصدر ممنوع لان اعتبروها ضمن إطار “خداع الرجل” 😀 . في بلادنا لا قعر للهاوية يا صديقي

    سهران، ربما انت من أكثر الناس التي تعلم جيداً بحكم سكنها ماذا يعني أن تحمل السلطة الخرافات وتمشي بها.
    تحياتي صديقي

  4. على باب الله · أكتوبر 27, 2009

    قال مارتن لوثر كينج
    أن المصيبة ليست في ظلم الأشرار و لكن في صمت الأخيار
    مع العلم اننا شعب يخاف ما يختشيش

  5. فضل المولى · نوفمبر 22, 2011

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذه الفتاه أرادت بمحض إرادتها فضح نفسها امام كل الملأ.
    أولا أخي هذه الفتاه عمرها 27 عاما وتسكن في مدينة ام درمان.
    أدينت هذه الفتاه 5 مرات بنفس التهمه من عام 2008م أتدري ما تهمتها؟
    في عام 2008 ضبط وهي تمارس الدعارة, أما هذه المرة فكانت الجريمه أفظع حيث إتضح أنها تدير منزلا للدعارة.
    نسأل الله العافية والسلامة.

التعليقات مغلقة.