لا مثقّفين خارج معارك الحريّة – ردّا على مقالة “مقاوم لا معارض”

طوني صغبيني

لا تزال قضية منع مجلّة الآداب في سوريا تتفاعل وآخرها مقال من السيّد حسّان عبّاس في جريدة الأخبار اللبنانية يعترض فيه على “تسييس” القضيّة  و”نقل الملف من حيّز الأدب والقراءة الأدبيّة إلى حيز السياسة” (لقراءة مقالته في جريدة الأخبار اضغط هنا).

وكان منع عدد مجلّة الآداب أتى على خلفيّة احتوائه بحث نقديّ لعبّاس بعنوان “حكايات ضدّ النسيان: قراءة في بعض النتاج الروائي المعاصر في سوريا” الذي يتطرّق إلى حقبة قمع الإخوان المسلمين في سورية في الثمانينات.

ويأخذ السيّد عبّاس على جريدة الأخبار مسألتين اثنين: تسميته بـ” المثقّف السوري المعارض”، ونقل الملف من الحيّز الأدبي إلى الحيّز السياسي.

من حقّ السيّد عبّاس أن يعترض على صفة لا يراها تعبّر عنه وأن يختار الصفة التي تلائمه، وهو يقول بحسب مقالته متحدّثاً عن “المثقف” أنه “لا يرضى أن يكون معارضاً. إنه مقاوم لكلّ البنى التي تمنع عنه حقوقه وتعيق تحقيق إنسانيّته”، ويضيف “أمّا السياسة فليست منّي ولست منها لذلك أرفض تماماً تعبير المعارض”.

لكن التعريف الذي يضعه الكاتب للمثقّف متناقض، فلا يمكن للمثقّف أن يكون مقاوماً “للبنى التي تمنع عنه حقوقه وتعيق تحقيق إنسانيّته” من دون أن يقاوم أولاً البنى السياسيّة التي تؤطّر وتوجّه وتقونن وتؤثّر على كل البنى الأخرى في المجتمع. ولا يمكن للمثقف أن يكون مقاوماً لتحقيق إنسانيّته من دون مواجهة أسلوب حكم يرتكز على قمع المواطن والتعامل مع أفكار الأخير وتطلعاته وأحلامه على أنها ملفّات أمنيّة. ولا يمكن للمثقّف أن يقاوم البنى القمعيّة في بلاده من دون أن يقاوم البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تغذّيها وتتغذّى منها. بكل بساطة، عندما يتعلّق الموضوع بإنسانيّة الإنسان، بحريّته، بخيره، لا يمكن للمثقّف أن ينفصل عن السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب أو الفنون بل هو في صلبها جميعاً.

يقول الكاتب أن “العاملون في الثقافة لا يرتضون تأطير أنفسهم ضمن هذا المفهوم الضيق للسياسة”، وهو محقّ إن كان مفهومنا للسياسة يعني الدخول في زواريب المزايدات الكلاميّة واللعب على العصبيّات الدينية والطائفية والإثنية والتكالب على المقاعد النيابية من هنا والوزاريّة من هناك. لكنّه يكون مخطئاً بشدّة حين ننظر إلى السياسة على أنها تعبير عن الإرادة المجتمعيّة بأرقى أسلوب ممكن – المؤسسات وسيادة القانون، وعلى أنها السبيل الوحيد لترجمة التطلّعات الجماعية للمواطنين في المجال العام.

بالإضافة إلى ذلك، إن انفصال المثقّف عن السياسة وعن القضايا الجوهرية واكتفائه بـ”الأدب الصرف” في مجتمعات لا تزال في خضمّ معركتها لحسم القضايا الجوهرية المتعلّقة بوجودها ومستقبلها هو في الحدّ الأدنى تنصّل من مسؤولية كبرى تقع على عاتق هذا المثقّف. وهذه المسؤولية تتمثل في أن يكون درع الدفاع عن الحقوق والحريات والعدالة والعقلانية في زمن كمّ الأفواه والحروب على السماء والمتاجرة في الأحلام الكبرى.

يقول السيّد عبّاس أن “الرقيب في سوريا قد أخطأ عندما لم يرَ في الملف حقيقته الأدبية الثقافية”، ويضيف “لكن الصحيفة، أو الصحافية، وقعت في الخطأ نفسه عندما حوّلت القضية الثقافية إلى قضية سياسية ليس لها أي وجود، اللهمّ إلا في نوايا بعض الذين يترصّدون الكتّاب والمثقفين، وهم بذلك يقدّمون إلى الرقيب ذريعة ما أغنى المثقفين عنها”.

لكن هل أخطأ فعلاً الرقيب في سوريا؟ لأنه بغضّ النظر عن الرقابة الاعتباطية أحياناً على الإعلام الخاص في سورية، إلا أننا نعتقد أن الرقيب السوري يدرك تماماً الصلة بين الثقافة والأدب والسياسة، ويدرك تماماً أن المثقف قادر على طرق باب السياسة بقوّة من باب الأدب، فهل نسينا روايات جورج أوريل الشهيرة (رابط لتنزيل كتابه 1984 هنا) وما تمثّله من مطرقة ثقيلة على الأنظمة الشمولية حول العالم؟

بالإضافة إلى ذلك، إن من حوّل القضية من قضيّة أدبيّة إلى قضيّة سياسيّة ليست جريدة الأخبار، بل هو الرقيب السوري الذي منع العدد في الأساس لأسباب لها علاقة بالسياسة.

وبالتالي بدل الاعتراض على “تقديم ذريعة للرقيب ما أغنى المثقفّين عنها”، كان أصوب الاعتراض على الرقيب نفسه الذي يحاصر الابداع والنتاج الفكري على هواه.

من هذا المنطلق لا يمكن اعتبار أن منع مجلّة الآداب هو فقط “يعيق الجهود المبذولة لإظهار الصورة الجديدة لسوريا”، فالمسألة ليست مجرّد “صورة سورية” بل هي حول مصلحتها وحريتها ووجودها بحدّ ذاتها. فهل يمكن لسورية أن تكون قوية وأفواه مثقّفيها مكمّمة؟ هل يمكن لها أن تكون قوية من دون أدب وثقافة تقتحم كل الآفاق وتدخلها إلى عصر العولمة المضطرب؟ وكيف يمكن للابداع أن ينطلق فيما لا تزال السلطات تعامل المواطن على أنه غير ناضج ويحتاج لمن يحدّد له ما يقرأه وما يكتبه وما ينتجه؟

في الواقع إن تحويل القضيّة من أدبيّة إلى سياسيّة ليس أمراً سيئاً بالمرّة، وبدل أن نراها على أنها “تقدّم ذريعة ما أغنى المثقّفين عنها” يجب أن نراها على أنها تقدّم لهم فرصة لأن يخوضوا معركة للدفاع عن حريتهم… وما أحوج المثقّفين إليها!

6 comments

  1. Imad · نوفمبر 3, 2009

    ممتاز

  2. الياس · نوفمبر 3, 2009

    يسلم تُمك يا طوني! عجبي من “المثقفين” الذين ينزوون بعيداً عن هموم النضال. اليس “المقاوم” مُكره اصلاً ان يتعامل مع السياسة بسبب التسييس المقيت للثقافة؟ الا يجب ان نعارض كي نقاوم؟ ربما التمايز عن النظام جريمة في عيون البعض، لكنه يبقى مسؤولية اخلاقية لا بد “للمثقف” ان يضطلع بها! كثيرون يمارسون السياسة المنبثقة من رحم الثقافة، ويحضرني مثال على ما اقول في غسان كنفاني، الذي أزال الحد الفاصل بين الثقافة والسياسة، ودفع من دمه وحياته ثمناً للموقف الشجاع. حتماً قد نُهزم في السياسة او الحرب، لكن، تبقى الثقافة توكيداً على نفي الهزيمة والاصرار على خوض المعركة الاساس.

  3. أدون · نوفمبر 4, 2009

    عماد، أهلاً وسهلاً بك في المدوّنة عزيزي.

    الياس، انت أضفت ما كان ينقص المقال، لا أعلم كيف ذهب اسم غسّان كنفاني عن بالي حين كنت أكتب. هو مثال أوضح من أورويل صراحة ورواية قصيرة واحدة لكنفاني لا تتعد بضعة صفحات أفضل من آلاف الأوراق التي هدرت في الهراء السياسي طوال القرن الماضي.
    شكراً لك صديقي العزيز

    سلام

  4. رجل من ورق · نوفمبر 5, 2009

    وابعد من ذلك طوني
    بالاساس ليش ليتم المنع؟
    والمشكل كلمة معارض بسوريا تعني عميل
    باختصار

  5. أدون · نوفمبر 8, 2009

    طارق العزيز،
    معك 100 بالمية باللي عم تحكيه صديقي

  6. التنبيهات: استراحة قصيرة « نينار

التعليقات مغلقة.