عن موت الآلهة (نيتشه)

إنها لمكافأة رديئة للمعلّم أن يظلّ المرء على الدوام مجرّد تلميذ. فلم لا تريدون تمزيق إكليلي؟

إنّكم تجلّوني؛ لكن ما الذي سيحدث لو أن إجلالكم هذا تداعى ذات يوم؟ احترسوا من أن يقتلكم صنم ما!

تقولون إنّكم تؤمنون بزرادشت؟ لكن ما أهمية زرادشت! وتقولون إنّكم تؤمنون بي، ولكن ما أهمية كل المؤمنين!

أنتم لم تبحثوا عن أنفسكم بعد: هكذا وجدتموني. كذا يفعل كل المؤمنين، ولذلك ليس الإيمان بشيء ذي شأن. والآن أطالبكم بأن تضيعوني وأن تجدوا أنفسكم، وإنّي لن أعود إليكم إلّا عندما تكونوا قد أنكرتموني جميعاً.

حقاً أقول لكم، بعين أخرى سأبحث عن أولئك الذي أضعتهم يا إخوتي، وبمحبّة أخرى سأحبّكم عندها.

ومرّة أخرى ستغدون أصدقائي من جديد وأبناء الأمل الأوحد: عندها سأحلّ للمرّة الثالثة بينكم، كي أحتفل معكم بالظهيرة العظمى.

وستكون تلك هي الظهيرة العظمى، عندما يقف الإنسان في منتصف دربه ما بين الحيوان والإنسان الأعلى، ويحتفي بطريق مسيرته باتجاه المغيب كأرقى أمل على أنها أمله الأسمى: لأن تلك هي الطريق الموصلة إلى صباح جديد.

عندها سيبارك نفسه ذلك الذي يمضي إلى حتفه، إذ يرى أنه عابر نحو ضفة أخرى؛ وستكون شمس معرفته عندها قد استقرّت في سمْت السماء.

“لقد ماتت كل الآلهة؛ والآن تريد أن يحيا الإنسان الأعلى”.

لتكن تلك ذات يوم إرادتنا الأخيرة في ساعة الظهيرة العظمى!

هكذا تكلّم زرادشت.

(مقتطف من كتاب “هكذا تكلّم زرادشت”، فريدريش نيتشه، ترجمة علي مصباح، ص 155-156-157)

*   *   *

gothic wallpaper 41

عندما يقف الإنسان في منتصف دربه ما بين الحيوان والإنسان الأعلى، ويحتفي بطريق مسيرته باتجاه المغيب كأرقى أمل على أنها أمله الأسمى: لأن تلك هي الطريق الموصلة إلى صباح جديد.

توضيح من المترجم حول معنى “ساعة الظهيرة العظمى لدى نيتشه”:

ساعة الظهيرة العظمى هي بشرى النبأ السعيد لدعوة زرادشت. إنها الساعة التي تستقر الشمس فيها في قلب السماء، والتي تستقر فيها فوق رأس الإنسان، فوق الدماغ مباشرة. ساعة النضج و”اكتمال العالم”. ساعة السكون التام أيضاً.

يقول نيتشه عنها في مكان آخر: “يا للسعادة! يا للسعادة! أتريدين الغناء حقاً يا روحي وأنت تستلقين في الشعب! لكنها ساعة الغبطة السرية حيث لا يعزف راع على مزماره. تورّعي! فالظهيرة المتّقدة ترقد على المروج! لا تغنّي! اصمتي! فالعالم قد بلغ الاكتمال”.

*  *  *

ملاحظتنا حول المقتطف: الأنبياء قبل نبي نيتشه، أرادوا أن يكون لهم أتباع يجلّونهم ويهابونهم ويؤمنون بهم… أما نبي نيتشه فلا يريد مؤمنين ولا أتباع ولا عبدة آلهة، بل يريد بشراً يثقون بعقلهم وقدرتهم ويتمرّدون على معلّمهم، ينتصرون على الآلهة، ويؤمنون بأنفسهم وبالإنسان الأعلى الكامن في قلوبهم.

12 comments

  1. Andalus · نوفمبر 10, 2009

    يقول أوشو إن الشيطان هو الحيّ الوحيد لإنّه غير مكبّل بالفرائض
    فالله مكبّل بالاعتناء برعيّته، والإنسان مكبّل بعقائده وأحكام مجتمعه، أما الشيطان فهو يعيش اللحظة بلا حسيب أو رقيب.

    تحياتي أدون
    بحسّ صار لازم العالم تفهم أنّو التمتّع بالحياة أو التسكّع (بما معناه العيش من دون غاية) هو ليس خطيئة.

  2. Andalus · نوفمبر 10, 2009

    مضحك حقاً ايمان المؤمنين بالمخلّص 🙂
    هذا يجعلهم مثيرين للشفقة
    أن تحيا أملاً بالخلاص هي قمّة الحيوانية البشرية

  3. على باب الله · نوفمبر 10, 2009

    “لقد ماتت كل الآلهة؛ والآن تريد أن يحيا الإنسان الأعلى”.

    جميل هذا البوست ، أشكرك على مشاركتنا إياه

  4. Sahran · نوفمبر 10, 2009

    عزيزي أدون

    كم هو جميل هذا الإله الذي يترك الناس لحياتهم كي يعملوا فيها , لو كان هذا الإله موجودا لكنت أول من يعبده ويقدسه

    أما إله الإسلام والأديان الأخرى فهو لم يعطينا إلا الخوف والرعب في حياتنا لينذرنا بالعذاب الأيم في الآخرة

    أضم صوتي لك في رفض الآلهة الشريرة التي أفسدت علينا حياتنا

    تحيااااااااااااااتي لك

    ودمت سالما

  5. لاديني · نوفمبر 11, 2009

    أدون

    اختيار موفق
    والمغزى يتضح بعد تعقيبك:
    (ملاحظتنا حول المقتطف)

    وصدقني..لو آمن الإنسان بنفسه إيماناً حقيقياً طرفة عين ، فإنه حتماً سوف يكفر بالمدعو الله وجميع أديانه فوراً..

    شكراً لك..

    عزيزي..
    بشأن مشكلة مدونتي التي تفضلتَ بتنبيهي إليها ، لقد دخلت من متصفحات مختلفة وأجهزة مختلفة ولم تواجهني أي مشكلة في فتح المدونة
    والبارحة كتبت فيها موضوعاً جديداً دون إشكال

    هلا راجعتَ لي الأمر من عندك مرة أخرى وأكون شاكراً؟

    تحياتي لك

  6. أدون · نوفمبر 11, 2009

    أندلس العزيز مشتاقين،

    عدّلت تعليقك ليصير بالعربي كرمال تسهيل القراءة.

    فعلاً التيولوجيا الدينية ركيكة لدرجة أنو بيطلع معنا الشيطان هوّي الله الفعلي، وأن الله مجرّد إله عاجز ومكبّل.
    العيش أملاً بالخلاص عبر قوّة خارجية وإله آتي على الغيوم أو أمام جيوش رهيبة هو قمّة الهروب البشري المخزي من مواجهة مشاكله، ولكن رغم ذلك بعتقد أنو الإنسان لا يمكنه العيش من دون غاية جماعية وفرديّة ولو كانت هذه الغاية لا تتضمّن آلهة.

    على باب الله،
    شكراً الك صديقي

    سهران،
    إن كان هناك من آلهة جميلة فهم البشر، فلا يوجد إله جميل يطلب أن تكون علاقتك معه علاقة سيّد وعبد.
    تحياتي لك صديقي

    لاديني المبدع،
    فلسفة نيتشه تقوم على إعلاء الإنسان على ركام الآلهة، لذلك زرادشت النيتشوي يقول لهم أن عليهم أن ينكروه وأن يجدوا أنفسهم، أي أن ينتقلوا من مرحلة الإيمان والعبادة إلى مرحلة التفكير والتمرّد، وعندما يحصل ذلك سيكون يوماً عظيماً في تاريخ البشرية أو بتعبير نيتشه سيكون يوم “الظهيرة العظمى”.

    شكراً لك صديقي

    • Andalus · نوفمبر 13, 2009

      صديقي أدون لا يمكن أن أختلف معك على ضرورة وجود غاية لحياتناو لكن لا يمكن للخلاص أن يصبح غاية لأنه غاية حيوانية استغلتها الأديان الزرقاء.
      فكيف يمكن للخمر والجنس أن يكونا محرمان على الأرض و في ىفس الوقت هما الغاية من الخلاص.
      وشو دين ربو هذا الاله يلي ال Target Customer عندو هم الذكور ؟؟ يعني اذا كان الذكر يحصل على 70 حورية على ماذا تحصل المرأة؟؟ 1/70 رجل ؟؟

      أعلم صديقي أنك قصدت أن الغاية هي الانسان الأعلىو لكن اسمحلي ان أخالفك الرأي حول التسكع على قولة هنيبعل بوصفه ليس غاية… برأيي حتى التسكع هو غاية لأنه يدعوك الى العيش من دون عقدة الخوفو فهو بذلك يدعوك الى الاستمتاع بالحياة متى استطعنا و هو ما تنطوي عليه الروحانية التي تدعوك الى التجريب. فالتسكع و الروحانية سيان, وهما السبيل الى الانسان الأعلى.

      بدي منك رجاء خاص أن تنقل بعض كتاباتك هنا الى منتدى صوتك… لأنها أكثر من رائعة
      تحياتي 

      • أدون · نوفمبر 14, 2009

        أندلس العزيز،

        بعد توضيحك صرت متفق معك مية بالمية على كل شي عم تحكيه، وخاصة من ناحية ضرورة عدم وجود غاية متخيّلة تحاكي نهاية التاريخ، ووجود هالغاية – الأمنية هو بطريقة أو بأخرى هروب من الواقع ويدلّ على مرحلة صبيانية للبشرية.
        رح بلّش ابتداءاً من أول الأسبوع انقل كم موضوع لصوتك.

        دمت بخير

  7. hapy · نوفمبر 13, 2009

    – جحدتموني جميعا –

    لا معلم هنا ولا قائد ..
    عارف شعور فراغ ضخم ومظلم جدا وكل ماتلتقطه من المحيط هو صوت يبزغ فجأة فيختفي .. وكل مانفعله هو ملاحقة هذا الصوت\الامل

    احبك نيتشه
    واحبكم اصدقاء ونس للوحشة والغربة

    ان كان هناك وقت سابقا فيه معجزات فوقتها كان التدخل الربوبي ولكن ومنذما ولدت
    لم اجد أي آلهة
    لي : لم تكن موجودة لتموت

    نعم المجد للانسان الأعلى
    من سيبلغ الجبال الاعالي ثم يبني جبال أعلى ويصل لها وهكذا حتى يخرق الانهاية
    نعم المجد له وللانسان الحق الانسان الاعلى

    كتاب زارا احتضنه كلما تألمت
    ستعجبك ايضا ترجمة فيلكس فارس لانه مثقف قوي
    دمت مضيئا ياصديق

  8. أدون · نوفمبر 14, 2009

    هبة العزيزة،

    مشاركتك رائعة، لقد أكملتِ ما لم أكتبه في التدوينة، شكراً لكِ.

    لم اطّلع على ترجمة فيلكس فارس، أحببت ترجمة علي مصباح لأنه استطاع الحفاظ على الرونق الشعري في أسلوب الكتابة من دون أن يتصرّف في المعنى.

    لقد أضفت مدونتك على لائحة المدوّنات الصديقة.

    دمتِ مشعّة بدورك صديقتي

  9. Li$a Ro$e · نوفمبر 19, 2009

    ليتني أستطيع الحصول على كتب نيتشه !!

    لكن للأسف هي لم و لن تدخل السعودية !!!

    طبعا ..

    كتاب يتحدث عن موت الآلهة لن يدخل في مكان تعيش فيه تضع فيها الآلهة أقدامها على رؤوس البشر !

    كالعادة مضئ بمدونتك على رؤوسنا كالشمس أدون ..

  10. أدون · نوفمبر 20, 2009

    ليزا روز، يا هلا بعودتك

    المدونة كانت ناقصة من دون إضافاتك عليها.

    كتاب نيتشه محفوظ لك كهدية عزيزتي، وسيأتي اليوم.

    ضلّي بخير بنّوت

التعليقات مغلقة.