عالم المليار جائع

الحديث عن الجوع في العالم، والقضاء على الجوع في العالم، هو سلعة يتناقلها السياسيون والقادة في كلّ مناسبة. يتبارون بالخطب الرنّانة من دون أن يفعلوا شيئاً فيما يبقى الجائعون جياعاً ويزيد الفقراء فقراً.

هذا الأسبوع أصدرت الأمم المتّحدة آخر احصاءاتها حول عدد الجياع في العالم بمناسبة القمّة العالمية للغذاء في روما، الرقم هو مليار جائع. مليار جائع في العالم! مليار جائع وأكثر من أربعة مليارات فقير، وبضعة آلاف من الأغنياء فقط والعالم لا يزال مستمرّ في روتينه اليومي كأن كل شيء على ما يرام.

كل عام يموت ستة ملايين طفل في العالم بسبب التضوّر جوعاً، أي أنه خلال الوقت الذي تحتاجه لقراءة هذه المقالة، يموت 60 طفل… خلال الوقت الذي تحتاجه لارتشاف قهوتك الصباحية، يموت 60 طفل… والعالم يستمرّ كأن كل شيء على ما يرام.

الصورة التي لا يريد العالم أن يراها

حسن توزيع الغذاء في العالم!

المشكلة ليست في نقص الغذاء، بل في نظام عالمي ينتج مليار جائع فيما يعاني ملايين آخرين من التخمة. رغم ذلك، في قمّة روما الأخيرة، خرج قادة الدول بخلاصة مفادها أنه من المستحيل القضاء على الجوع بحلول العام 2025، وهو هدف كانت وضعته الأمم المتحدة في العام 2000. كذلك فشلت الدول حتّى في إقرار الحدّ الأدنى من المساعدات الغذائية للدول النامية التي تعني الفرق بين الحياة والموت لملايين الناس (لقراءة نتائج القمّة اضغط هنا).

مليار جائع وقادة العالم يشربون الأنخاب كأن شيءاً لم يكن. مليار جائع ولا يرفّ لحكوماتنا جفن حين تنفق ملايين الدولارات لإنقاذ البنوك والشركات الكبرى ولشراء المعدات العسكرية التي ستهترىء في المخازن. مليار جائع ولا يرفّ لأحدهم جفن حين يشتري ربطة عنق بمئات الدولارات، ولا يرفّ لأحدهم جفن حين يدفع ثمن وجبة صغيرة في أحد مطاعم باريس أو نيويورك أو بيروت أو القاهرة ما يمكن أن يطعم عائلة فقيرة لشهر، ولا يرفّ لأحدهم جفن حين يدفع آلاف الدولارات لمجوهرات لا قيمة لها سوى أنها “تلمع”، ولا يرفّ لأحدهم جفن حين ينفق الملايين لإعلاء قبب الجوامع والكنائس وتزيين جدرانها بالرسوم والزخارف فيما يتضوّر المؤمنون جوعاً. ولا يرفّ للمؤمن جفن حين يقف أمام إلهه متخبتراً بالصلاة خمس مرات في اليوم فيما يقف كل يوم متفرّجاً على عالم فيه مليار إنسان يبحثون عن الطعام في القمامة.

كثيرون يستغربون كيف يمكن لبشرية أن يكون ثلثاها فقراء وثلثها جائع، من دون أن تثور، من دون أن تنفجر. وسيقول أحدهم: فليثور الجائعين والفقراء! فليتمردوا! ولا غبار على هذه الدعوة. لكن لماذا لا يتمرّد الفقراء؟ لأنهم بكل بساطة يحتضرون جوعاً ويقضون كل أيامهم بالبحث عن لقمة عيشهم وعن سقف يأويهم وقطعة قماش تقيهم من البرد.

فالثورة ليست مسؤولية المتضوّرين جوعاً، بل هي مسؤولية أولئك الذين يملكون ترف التفكير والتخطيط وشجاعة المجابهة وإرادة رفع الظلم عن الإنسان مع ما يعنيه ذلك من تضحية وخطر. ولّت الأيام التي تكون فيها الثورة مجرّد انتقام. فثورة الانتقام لا تبني سوى مجتمع مريض جديد على أنقاض مجتمع مريض قديم.

الثورة الصحيحة هي الثورة التي تقاتل من أجل المستقبل، لا فقط من أجل تهديم الحاضر والماضي، هي الثورة التي تنشأ من أجل مجتمع عادل جديد ولا تكون مجرّد ردّة فعل على أوضاع قديمة نرفضها. هي الثورة التي لا تستبدل دينا قديم بدين جديد وحاكم قديم بحاكم جديد، بل هي التي تستبدل ذهنية قديمة بائدة بذهنية أخلاقية جديدة. هي الثورة السامية التي تنبع من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان والأرض قبل أن تنشأ بسبب التضرّر أو التظلّم الشخصي من الأوضاع القائمة. هي التي يقوم بها من يملكون شيئاً ليخسروه ويضحّوا به قبل أن يقوم بها من لا يملكون شيئاً.

حين يصبح العالم ناضجاً كفاية لأن يحضن هكذا ثورة، عندها يمكن أن يكون عنوان “مليار جائع” على جرائدنا ذكرى منسيّة لعالم مندثر، وعندها يمكن أن نقول أن هذه المخلوقات الناطقة المغرورة باتت إنساناً !

4 comments

  1. على باب الله · نوفمبر 17, 2009

    قرأت عن تجربة أجراها بعض العلماء منذ فترة … وضعوا عشرة فئران في صندوق زجاجي كبير و أعطوهم قدراً من الطعام يفيض عن حاجتهم فأكل الفئران حتى الشبع و تركوا بقية الأكل
    ثم و في نفس الصندوق الزجاجي وضع العلماء مائة فأر … تكدس الفئران و أزدحم الصندوق و إن ظل هنالك حيزاً صغيراً للحركة يتيمتع به كل فأر .. ثم وضع العلماء قدراً كبيراً من الطعام يكفي المائة فأر كلهم بل و يزيد عن حاجتهم فلاحظوا أن بعض الفئران – سعيدة الحظ – أكلت ختى التخمة بينما لم تجد بقية الفئران ما تأكله ، على الرغم من أن الأكل كان يكفي الجميع و يفيض

    التجربة البسيطة السابقة قد تفسر ممارسات كثيرة نراها في حياتنا و نتفق على تسميتها ( أخلاقيات الزحام ) تلك الحزمة الجديدة من السلوكيات النابعة من إحساس الفرد بالخوف و عدم الأمان .. لذلك يفضل أن يكنز هو من خيراته عوضاً عن مشاركتها مع الأفراد الأقل حظاً .. بل و يدفعه الخوف و عدم الأمان إلى نهب نصيب غيره عوضاً عن الإكتفاء بنصيبه الشخصي

  2. عبير · نوفمبر 18, 2009

    قوية كتير يا أدون 🙂
    الله يحميك

  3. Li$a Ro$e · نوفمبر 19, 2009

    على ذكر الفئران .. فهي تبدو لطيفة بالنسبة لي !!

    لكن هكذا يرانا السياسيون و المسؤولون !!

    فئران !

    تأكل و تنام و تدور في دواليب لتتسلى

    إن عاشت أو ماتت بالأمر سيان ..

    موتنا بنظرهم مجرد ( أضرار ثانوية) ..

    ما دامت مجوهراتهم (تلمع) و ربطات أعناقهم تتدلى منها التسعيرات بمئات الدولارات ..

    من سيهتم بهؤلاء الفقراء البؤساء يا رجل ؟ الحياة أقصر من أن تضيعها في التفكير إن كان غيرك مستعد للقتل من أجل وجبة من ماكدونالدز فيما أنت قد لا تنهيها و قد ترمي أكثر من نصفها في سلة المهملات !!

    لأكون صريحة لقد كرهت نفسي قليلا بعد هذا المقال !!

    و بالنسبة للصور فأنا لا أريد أن ارى أيا منها ..

    في الواقع كل يوم أرى رحمة الله في هذا الكوكب تشع علينا من السماء ..
    !!!!!!!!
    ناس يموتون جوعا و قادة على مقاعد من الجلود الثمينة بأكراش تتدلى 3 متر إلى الأمام ..

    يا له من عالم لطيف فعلا و جميل !!!!

    هل أشعر بالمسؤولية ؟؟

    في الواقع أشعر أحيانا بعد أن قرأت المقال أن موت هؤلاء الأطفال هو جزئيا بسببي ..

    ربما هو ليس ذنبي فعلا لكني لن أشعر أنني انسانة إن لم أجبر نفسي على تحمل مسؤولية موت الأطفال بسبب الجوع و أنا ألتهم الطعام كل يوم بدم جاف ..

  4. أدون · نوفمبر 20, 2009

    على باب الله العزيز،

    انت محق، إن الاكتظاظ هو أحد أسباب المشكلة. حتى من الناحية الحسابية البحت هو مشكلة، فخلال العقدين المقبلين العالم سيصبح 9 مليارات نسمة، وكل سهول الأرض لا يمكنها اطعام هذا العدد. ولا أعرف عندها أسنأكل بعضنا أم ماذا؟

    دمت بخير صديقي

     عبير،
    دمتي متألقة عزيزتي ، والله (مش هيداك البشع تبع الأديان المنظّمة) يحفظك.

    عزيزتي ليزا روز،

    هذا الواقع مؤلم ومخجل، لكن ليس الهدف من الإضاءة عليه هو إشعار أنفسنا بالذنب، فالمشكلة أعظم بكثير من أن يحلّها أفراد بمفردهم، وعلينا حرفياً تغيير العالم للتغلّب على هكذا أزمة. ما يمكننا فعله كأفراد هو ألا نكون رقماً آخر في القطيع، وأن ندرك أن مسؤولية من هم أضعف منّا هي على رقابنا نحن.

    دمتي ثائرة وجميلة بنّوت

التعليقات مغلقة.