أبعد من دافنشي 5: المجدليّة الضائعة

إنّ قضيّة المجدليّة هي قضيّة فلسفيّة شاملة وأسلوب حياة وصراع بين اتجاهين تاريخيين متناقضين تركا آثارهما على روما القديمة في بدايات الدعوة المسيحية ولا يزالا يطبعان العالم حتّى اليوم. فالمجدليّة ليست مجرّد نقاش حول شخصيّة تاريخية كما حاولت رواية شيفرة دافنشي تصويرها، بل هي نقاش حول نظرتنا إلى الإنسان والحياة والكون.

في القرون الأولى من عمر الامبراطورية، الصراع بين روما (المدعومة من البطاركة المسيحيين في نيقية) وبين مناوئيها (ومنهم الجماعات المسيحيّة الأولى والوثنيين والباطنيين والهرمسييين ومريدي مدرسة الاسكندرية النيو أفلاطونية)، كان بطريقة أو بأخرى صراعاً بين عالمين: عالم حريّة الشعوب والتنوّع والفطريّة والاحتفال بحبّ الأرض والحياة، وعالم امبراطورية العسكر وتجارة العبيد ورياضة المجالدة.

 

محاكمة الوثنيين في القرن السابع عشر في الولايات المتحدة التي عرفت بمحاكمة ساحرات سالم - نفّذتها طائفة مسيحية تدعى التطهّريين

 

إنه صراع بين العالم الذي يبجّل الإنسان الحرّ، بعنصريه الذكر والإنثى، ويعتبره امتداداً للنور الإلهي ويؤمن بقدرته على التألّه عبر الابداع والمحبّة والتجربة العقلية والروحية، والعالم الذي يريد الإنسان عبداً للامبراطورية باسم إله خفي وطاعة عمياء لحاكمها الذي ينطق باسم السماء!

هذه هي أبعاد الصراع الذي نشب فيها بعد بين الفلسفة المتمرّدة المتصالحة مع الأرض والإنسان وبين المسيحيّة الرسميّة المتحجّرة المترعرعة في أحضان قسطنطين الأوّل.

من الفروقات الهامّة بين التيارات الوثنية – الباطنية القديمة وبين الأديان السماويّة المنظّمة كان:

– العقل والعلم والروحانيات في الأديان القديمة كانت توائم لا تتعارض ولا تفترق. المعابد القديمة كانت مراكز لدراسة الفلك والطبّ والهندسة والرياضيات والفلسفة والعلوم الطبيعية فضلاً عن كونها مركزاً للتجلّي الروحي. لذلك لا يصحّ كثيراً وصف التيارات الروحانية القديمة بالأديان، لأنها لم تقم على دوغما متحجّرة ومنزلة إلهياً غير قابلة للنقاش، بل على البحث والعقلانية والتعلّم (إنطلاقاً من أن الإنسان قادر على فهم الكون والله من خلال عقله وتجربته الشخصية بحسب الفلسفة الباطنية التقليدية).

– لذلك، كانت العلاقة بين “رجل الدين” وعموم المؤمنين هي أقرب لعلاقة المعلّم بالتلامذة منها لعلاقة القائد الآمر بالجندي المطيع. ولم تعرف الأديان الوثنية القديمة التراتبية الكهنوتية الهرميّة سوى في مراحل لاحقة ولأسباب سياسية كما في حالة توحيد الديانة المصرية القديمة مع أخناتون. وحافظت الغنّوصية والهرمسية فيما بعد على تقليد عدم وجود رجال دين، بل معلّمين يشاركون معرفتهم مع تلامذة الباطن.

– لم يعرف القدماء التمييز بين “المؤمن” و”غير المؤمن”، إذ إن تعدّد الآلهة والعبادات أوجد أرضية اجتماعية مهيّأة طبيعياً لقبول التعدّدية فيما كانت التجربة الروحية مفتوحة للأفراد ليختبروها بحريّة. كذلك، لم يكن هنالك تمييز بين النساء والرجال، بل غالباً ما تبوّأت النساء في المجتمعات الزراعية الأولى رتبة دينية أعلى من الرجال كونها مركز الخصب والخلق.

بعد انتصاره في المجاميع المسكونيّة والقضاء على التيارات الوثنية والمسيحية الأخرى، عمل التيار الروماني البطريركي لألفي عام تقريباً على تحطيم كل أثر للديانات القديمة مع ما عنته من عقلانية وانفتاح. وعمل كذلك على تكريس البطريركية الأبوية في كنيسة هرميّة لا يدخلها سوى الرجال وتختلط فيها السلطة الروحية بالسلطة الزمنية. ضاع كل أثر للمجدليّة القديمة والنتيجة فيما بعد كانت واضحة: ألف عام من الظلام والتعاسة ومحاكم التفتيش والحروب الدينية والخرافات والجهل واللاعقلانية وملايين الأبرياء المحروقين على أعمدة الإيمان.

 

من ممارسات الأديان "السماوية"

من ممارسات محاكم التفتيش بين عامي 1300 و1700: رمي المتهمين من الشرفة، فإن لم ينقذها الله فهي إذاً "زنديقة".

 

ابتدأت تعاليم يسوع الناصريّ كدعوة للتمرّد والحريّة والمحبّة، واضعة نفسها في مواجهة مباشرة مع الفأس الروماني والتحجّر اليهودي. خلال أقلّ من أربعة قرون تحوّل الدين الجديد إلى أداة البطش الأكثر رهبة في يد روما.

ما ابتدأ على أنه امتداد لدين الإنسان أصبح ديناً للسلطة – ديناً للهيكل: يبطش ويلاحق ويضطهد من دون أن يتغيّر شيء في التلال الإيطالية السبعة سوى أن الامبراطور بات اسمه بابا، وأن الحروب باتت تخاض باسم الآب والابن والروح القدس بدل أن تُعلن بمباركة من زوس.

*  *  *

في الوقت الذي أصبحت فيه المسيحية امبراطورية من حجار ودماء عند حلول القرن السابع ميلادي، كانت الجهة الجنوبية الشرقية من المتوسّط تشهد بداية موجة تحجّرية مماثلة. موجة ستنجح فيما بعد في القضاء على آخر آثار الفطرية والتنوّع والسلام في الجزيرة العربية وتحوّل أحد أسياد الحرب في تلك المنطقة إلى نبي يتلو على المقاتلين ديناً جديداً فيما يشحّذون سيوفهم. لكن تلك قصّة أخرى…

5 comments

  1. hapy · نوفمبر 20, 2009

    حتحور الامومة والرحمة
    المجتمع الفرعوني الامومي والمجتمع بالصعيد في مصر مازال امومي تحكمه الجدة الكبيرة او الام الكبيرة
    مقابل المجتمع الوهابي القبلي حيث القسوة والقهر هما سيد الموقف وحيث العصبية القبلية والخشونة والعداء هم القاعدة

    هذه هي حالة التحول الذي يعيشها المجتمع المصري
    تختفي الامومة بتسامحها مع اختلافات ابنائها و تظهر الوهابية بعصبيتها الدينية

    في مصر الاسكندرية تم سحل هيباتيا العالمة لانها مخالفة فلسفيا .. ..

    في عالم يحكمه التعصب
    اشعر بالاختناق الشديد يستهدف كل عقل يفكر
    يالها من قسوة

  2. hanibaael · نوفمبر 21, 2009

    من الزمن الوثني الجميل، سيأتي محرّري الأرض منتفضين على الوهم الذي يقود الكوكب وأهله إلى دمار كبير!!

    تحت الرماد، جمر يتحرّق ليكسّر الأصفاد المكبّلة لعقل وروح الإنسان، وليحرره في فضاء الإبداع والعلم والمعرفة.. والجنون!

    الغد سيكون لهؤلاء الوثنيين الجميلين حاملي الشمس على اكفّهم!

    الغد لنا!

    ومن يعش يرَ

  3. لاديني · نوفمبر 23, 2009

    أدون

    يبدو أنه فاتني الكثير

    فقط أخبرك أنني بانتظار عن القصة الأخرى هنا على لهف..

    فهل ستتناولها لنا في ذات السياق؟

    حماك العقل ورعتك الحقيقة

    وشكراً لوقتك..

  4. أدون · نوفمبر 23, 2009

    عزيزتي هبة،

    إننا نلمس التحوّل نفسه يجتاح ما بقي من حرية وخير وعطف في عالم اليوم. قصّة هيباتيا تتكرّر كل يوم بطرق مختلفة.
    لقد ذكّرتني أن ارفع كتاب عزازيل ليوسف زيدان في المدوّنة لكي يكون بالامكان تنزيله.

    دمتي بخير صديقتي

    هنيبعل، على أمل يكون كلامك صحيح.

    لاديني العزيز،
    شكراً لإشارتك صديقي، انت تقصد القصّة الأخيرة “الرمز الضائع”؟ سوف أحاول الحصول عليها قريباً والحديث عنها في تدوينات لاحقة.

    دمت بخير

  5. التنبيهات: هذيان رفيع المستوى!

التعليقات مغلقة.