حين ننظر من النافذة ونرى أبقار طائرة

يُروى عن “القدّيس” المسيحي توما الأكويني (1225-1274)، وهو يُعتبر من أهمّ المفكّرين المسيحيين وقدّيس المسيحية الأوّل في أوروبا في العصور الوسطى، أنه كان في الدير راهباً مع سائر زملائه الرهبان. وكان معروف عنه أنه رجل بسيط ساذج لدرجة أن زملائه كانوا يتندّرون عليه طوال الوقت. في أحد المرّات، وقف زملائه الرهبان بجوار النافذة وناداه أحدهم وهو يتصنّع الدهشة: “تعال يا توما وأنظر إلى السماء لترى هذه الأبقاء الطائرة في الجوّ!”. فأسرع توما نحوهم لينظر، فانفجر زملاؤه في الضحك ساخرين متهكّمين. وهنا التفت إليهم توما وقد اعتراه الجدّ وقال: “ممن تسخرون؟ لقد كان الأهون عليّ أن أتصوّر أبقاراً تطير في جوّ السماء من أن أتصوّر رهباناً يكذبون!”.

ما توقّع توما الأكويني أن يراه حين نظر من النافذة

توما الأكويني تحوّل فيما بعد إلى أحد أهم فلاسفة الكنيسة الكاثوليكية. وكان هو كذلك صاحب الإطار النظري الذي بُني عليه فيما بعد لتبرير قتل الوثنيين والفرق المسيحية الأخرى مثل الكاثار الذين بدأوا باكتساب وجود قوي في أوروبا في ذاك الوقت (من أقواله في كتاب Summa Theologica: إنهم (الهراطقة) يستحقّون، لا أن يتم فقط فصلهم عن الكنيسة عبر الحُرم، لكنّه أيضاً يستحقّون فصلهم عن العالم عبر الموت”).

لكن المثير في قصّة الأكويني هذه، أنها تشبه واقعنا بعد ثمانمئة عام على حدوثها إلى درجة مؤلمة. فكم من الأسهل علينا اليوم أن نتخيّل بأن كل الكون والعقل والإنسان يخطىء من أن نتصوّر أن رجل الدين والسياسة والفكر يخطئ. وكم من الأسهل علينا أن نفكّر أن الحقائق العلمية تخطأ والقرآن والكتب المقدّسة لا تخطأ، لأننا كتوما الأكويني، لا نعتمد في رؤيتنا للحقائق على عقولنا الخاصّة بل نسلّم أمرنا لعباءة من هنا وقصاصة ورق من هناك. بالنسبة لشعوب العالمين العربي والإسلامي، لا العمائم تخطىء ولا السلطان.


ما يؤلم أكثر من ذلك كلّه، أن حجم الأكاذيب التي يطلقها “رهبان اليوم”، رجال دين أم سياسيين أم تجّار فكر كانوا، هي أكبر بكثير من كذبة “البقرة الطائرة”. يقولون لنا أن جيراننا كفّار ومشركين ومضلّلين ومتخلّفين ومختلفين عنّا ويطمعون بنا وعلينا هدايتهم أو قتالهم… ونصدّقهم. يقولون لنا أن المرأة أنقص عقلاً وديناً من الرجل… فنقمعها ونصدّقهم. يقولون لنا أن جسدنا عورة وخطيئة وأن عقلنا يجب ان يسكت حين يتلمّس رحاب الكون… ونصدّقهم. يقولون لنا أن حريّاتنا وحقوقنا الطبيعية التي تُولد معنا يوم نُولد هي اختراع غربي لا حقّ لنا بها… ونصدّقهم. يقولون لنا أن الحاكم الذي قضى عمره في نهب البلاد والعباد هو أب الفقراء… ونصدّقهم. ويقولون أن جزمات أجهزة الأمن القابعة على قلوبنا وأقلامنا هي لمصلحتنا… ونصدّقهم. يقولون لنا أن قطعة قماش صغيرة على رأس الفتاة تحمينا من حيوانيّتنا وتحميها من لهيب النار… ونصدّقهم. يقولون لنا أن الرسم ممنوع والموسيقى حرام والفرح مكروه وأن أحبّ الألوان إلى قلب الله هو الأسود… ونصدّقهم. يقولون لنا أن الإنسان الذي خُلِقَ ليَخلُق هو أعجز من أن يفهم هذا العالم… ونصدّقهم.

يقولون لنا أننا عاجزون، أننا عبيد لإله، رعايا لحاكم، ويقولون ويقولون يقولون…. يقولون الكثير، ونحن نصدّق الكثير. إننا ننظر من نفس النافذة التي نظر منها توما الأكويني، ونتصرّف كشعوب بنفس السذاجة التي تصرّف بها توما الأكويني. وحالتنا منذ ألف عام ونيّف لا تزال هي هي. ربّما حان الوقت أن نكفّ عن رؤية الأبقار الطائرة!

10 comments

  1. على باب الله · ديسمبر 3, 2009

    أشعر بك ، صدقني

    أتألم مثلك كثيراً حين أقرأ كتب التاريخ ، نحن ندور في دوائر
    لازلنا في التيه الذي خرجت منه أمم العالم المتحضر منذ مئات – بل و آلاف – السنين

  2. أحمد · ديسمبر 3, 2009

    مدونتك و أفكارك و كلماتك غاية فى الروعة ، شكراً لك أيها الانسان النبيل

  3. wiseman · ديسمبر 4, 2009

    يعطيك العافية طوني دائماً مبدع بافكارك وكلماتك وقصصك التي تحمل لنا جميع المواضيع والحكم والتي تنبهنا الى واقع الحال..
    بتمنالك التوفيق لأنك بالفعل اديب وكاتب رائع بتستحق التصفيق والوقوف على كل اعمالك..
    تحياتي

  4. Sahran · ديسمبر 4, 2009

    مرحبا أدون

    الفكرة وبكل بساطة يسقط العلم وتسقط كل الحقائق من أجل تصديق آلهتنا التي لم ولن نرى أيا منها ,

    أنا بصراحة أول مرة أسمع هاي القصة , وشايف إنو أغلب الناس أو الغالبية العظمى هم على شاكلة هذا القديس

    تحياتي

  5. Andalus · ديسمبر 5, 2009

    على فكرة أن هلأ انتبهت لشغلة جوهرية… ملاحظ كيف l la vache qui rit طالعة صورتها متل big brother😀 بركي الرفيق اكويني التبست عليه الأمور
    إنت معك خبر إنو الأديان طلعت كلها شيوعية😀
    تحياتي خيي أدون

  6. باسل · ديسمبر 6, 2009

    فيماعدا أنّ معلوماتك عن القديس توما الأكويني غير دقيقة، أتفق معك في بقية المقالة..
    توما الأكويني واحد من ألمع فلاسفة القرون الوسطى الأوروبية، وهو أشد مناصري التيار العقلاني، بل أنّه كان يعتقد أنّ العقل يستطيع أن يثبت كل حقائق الإنجيل! ربّما تكون قد خلطت بينه وبين أحد الفلاسفة الآخرين!
    ودّ

  7. أدون · ديسمبر 6, 2009

    علي باب الله العزيز،
    شكراً لك صديقي، لا زلنا في التيه، يبدو أن الله طمس أسماؤنا فعلاً.

    أحمد،
    شكراً لك، هه المدونة المتواضعة هي مدونتك وبانتظار رأيك ومشاركاتك دوماً.

    وايزمان العزيز،
    شكراً على رأيك خيي محمد. ويا هلا بيك هون🙂

    سهران،
    اختصرت كل المقال عزيزي، المعادلة هي أنه كلما زادت سذاجتنا، زادت قداستنا.

    أندلس،
    الرفيق أكويني التبست عليه الأمور بما يتعلق بالبقرة الطائرة فقط، بس لمن كان عم يكتب عن ضرورة قتل الوثنيين كان واعي الزلمي🙂

    باسل،
    شكراً على تصويبك صديقي، مداخلتك جعلتني أعود لأتأكد من معلوماتي. معك حق أن الأكويني يعتبر من روّاد العقلانية في العصور الوسطى، وبأنه نقل المنطق الارسطي إلى المسيحية، لكن لا يزال هناك فرق شاسع بين العقلانية اليونانية أو الحديثة وبين “عقلانية” الأكويني. ولا أزال أرى أنه من الصعب أن نطلق عليه وصف العقلاني للأسباب التالية:
    – العقلانية لديه تأتي في الأهمية بعد الوحي الإلهي.
    – الهدف من العقلانية هو حصراً برهنة وجود الله واثبات صحّة القوانين “الالهية”.
    – في كل المسائل الحياتية الأخرى التي لا علاقة لها ببرهنة وجود الله، تغيب العقلانية تماماً عن الأكويني، مثل اعتبار الجنس خطيئة عظمى، عدم الإيمان بالمسيح يدخلك النار حتماً، ضرورة قتل الوثنيين والهراطقة (أضفت اقتباس من كتابه حول هذا الشأن في التدوينة بعد أن حذفت أنه “ضدّ العقلانية”. فما هي العقلانية التي تعتبر أن الآخر مخطىء لأن عقلانية الأخيرة أوصلته إلى قناعات مختلفة عنّي؟ هل هذه عقلانية؟).

    أين العقلانية في كل هذه المسائل؟ وخاصة في مسألة اعتبار أن له حق الهي بقتل أناس آخرين بسبب قناعاتهم؟

    هناك فرق بين استعمال المنطق لبرهنة وجود الله وبين اعتماد العقلانية كأداة للوصول إلى الحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة.
    عندما نضع هدفاً مسبقاً للعملية العقلية (برهنة حقائق الإنجيل)، وعندما يكون هذا الهدف بحد ذاته غير عقلاني، فإننا ننسف العقلانية من أساسها.
    عقلانية الأكويني كانت تقف عند حدود الإيمان، وبالتالي كانت ضيقة ومحدودة جداً لأن الإيمان كان واسع جداً، وبالتالي برأيي لا يمكن أن نعتبره أباً للعقلانية .

    أوروبا كانت مظلمة جداً في أيام الأكويني، وربّما هذا ما يجعلهم يرونه اليوم في كتب التاريخ على أنه من العقلانيين الأوائل، رغم أنه، في الغايات من فلسفته،لم يكن يختلف عن سيوف الكنيسة الكاثوليكية الآخرين بشيء.

    سلامي لك

  8. ladenee · ديسمبر 9, 2009

    الأبقار الطائرة تملأ السماء ولكنك يا أدون مبصر فلا تراها

    لقد خاض الإنسان مسيرة طويلة جداً من التطور حتى بلغ دماغه درجة الوعي وإدراك الذات والآخرين التي بلغ ، ويبدو أن ذلك سلاح ذو حدين ، فهذا الوعي الذي أدى إلى كل هذا الرقي والتقدم الفكري يشارك بشكل فعال في ترسيخ الخرافة وتصديقها في نفس الوقت

    بوست ولا أجمل ، يدعو إلى التأمل وكثير من المراجعة

    دمت..

  9. imad · ديسمبر 12, 2009

    كلامك صحيح ومأساة البشر بتعقّد,, مش بس العرب .. او الفكر العربي اللي جورج طرابيشي مخصصلو كثير من وقتو وموسوعاتو .. كثير في مثلو في بلاد غير عربية

    العقل والعمل المستعان

    سلام

  10. تنبيه: استراحة قصيرة « نينار

التعليقات مغلقة.