عن الدم طريقاً للحقيقة (نيتشه)

فيما يلي نصّ مثير للجدل لفريدريش نيتشه عن الاستشهاد والحقيقة وعلاقتهما الجدليّة، من كتاب “المسيح الدجّال”:

“إن الفكرة القائلة بأن الشهادة (الاستشهاد) يمكن أن تقيم الدليل على صحة قضية ما أمر خاطىء بما يجعلني أريد أن أفند وأنكر أن يكون لشهيد في يوم ما أية علاقة بالحقيقة. وإن النبرة التي يلقي بها الشهيد بحقيقته اليقينية في وجه العالم لتعبّر في حدّ ذاتها عن مدى المستوى المتدنّي لنزاهته الفكرية وتحجراً أقصى في ما يتعلّق بـ”الحقيقة” بما يجعل الشهيد لا يحتاج لأي إنكار وتفنيد.

واقعات موت الشهادة كانت أكبر كارثة عرفها التاريخ: لقد أغوت كل السخفاء، بما في ذلك المرأة وجمهور الشعب، واستدرجتهم إلى الاستنتاج بأن قضية ليقي أمرؤ بنفسه من أجلها إلى الموت (أو ينجم عنها انتشار موجة من الموت الطوعي كما حدث في المسيحية المبكرة) لا بد أن تكون قضية تحمل ما تحمل من الأهمية – مثل هذا الاستنتاج قد تحوّل بصفة لا تصدّق إلى قيد يكبّل طاقة الاختبار والعقل الممحص والحذر الذهني. إن الشهداء قد أضرّوا بالحقيقة… واليوم أيضاً يكفي أن تكون هناك قسوة في الملاحقة كي يضفى اسم الشرف والرفعة على فكرة طائفية تافهة في حد ذاتها. ماذا؟ أيحصل تغير شيء في قيمة قضية ما لمجرد أن واحداً قد ألهى بحياته إلى التهلكة من أجلها؟

إن خطأ يُصبغ عليه لقب الشرف هو خطأ قد غدا ينطوي على مزيد من جاذبية الاغراء: إتعتقدون أيها السادة القساوسة أننا سنمنحكم فرصة لتجعلوا أنفسكم شهداء لأكاذيبكم؟

ذلك بالضبط هو ما كان الغباء التاريخي لكل المضطهِدين (بكسر الهاء)، أن منحوا قضية منافسيهم مظهر الشرف، وأن قدموا لهم هدية الطابع الخلاب للشهادة… إن النساء ما زلن يجثون على ركبتيهنّ أمام خطأ لأنه قيل لهن أن أحداً قد مات على الصليب من أجل ذلك. فهل الصليب حجّة إذاً؟ لكن هناك واحد فقط قد قال في شأن هذه الأشياء كلها الكلمة التي ظلّ يحتاج إليها منذ آلاف السنين؛ إنه زرادشت:

“علامات بالدم كانوا يخطّوان على الدرب التي يسلكونها، وكانت تعاليم حمقهم تقول إنما بالدم يتم اثبات الحقيقة.

لكن الدمّ أسوأ شاهد على الحقيقة؛ إن الدم يسمّم أنقى التعاليم ويجعل منها جنوناً وحقداً يعمّران في القلوب.

وعندما يلقي الواحد بنفسه في النار من أجل مذهبه – أي شيء يعني هذا الصنيع! الحق أقول لك، إنه لأفضل أن يكون لهيبك الخاص هو منبع مذهبك!

*   *   *

ملاحظتنا حول المقتطف: طبعاً لا اعتقد أنه يمكن قراءة النصّ هنا بإطلاقية كاملة وتعميمها على كل زمان ومكان، لأن كلّ التحوّلات الكبرى في التاريخ ، فكرية أم دينية أم سياسية أم اجتماعية كانت ، شهدت تصادماً دموياً بين العالم الجديد المنبثق بزخم والعالم القديم الزائل، ونتج عنها شهداء ودماء رسمت بالأحمر أحياناً كثيراً معالم المجتمعات الإنسانيّة.

لكن لا يمكن في الوقت نفسه إنكار أن الدماء السائلة بحد ذاتها تجعل الحراك الفكري والاجتماعي والسياسي مُتّهماً بالخيانة، خاصة في المجتمعات التي بُنيت على تضحيات الكثير من الناس. نيتشه يقصد في حديثه بشكل أساسي الديانة المسيحية المعاصرة، التي رغم كل ما يشوبها من اختلالات منطقية وفلسفية وفكرية واجتماعية، استطاعت أن تفرض نفسها في روما وفي أوروبا على دماء مئات الذي رموا أنفسهم بشجاعة أمام الأسود الرومانية، وأطبقت سيطرتها على المخيّلة الشعبية والدينية فيما بعد على أنها “الحقيقة” على خلفية أن ملايين الناس وهبت حياتها من أجلها. هذا الزخم الذي أعطته الشهادة للفلسفة المسيحية، جعل من الصعب لقرون فتح نقاش جدّي أو عقلاني حول أسسها الفكرية والدينية والفلسفية. فالفكرة التي يموت من أجلها الناس، تفرض نفسها بقوّة، بغضّ النظر عن كونها “حقيقة” أم لا، بغضّ النظر عن كونها صحيحة أم لا، وبغضّ النظر عن كونها صالحة للمجتمعات الإنسانية أم لا. فالشهداء هم وقودها الذي يعطيها الحياة والسيطرة، من هنا تشديد نيتشه على ضرورة “أن يكون لهيبك الخاص هو منبع مذهبك” لا أن تكون الدماء السائلة هي ما تحدّد صحّة قضية من عدمه.

ولعلّنا نحن في الشرق أكثر من يعلم ما يتحدّث عنه نيتشه، فالكثير من الدماء سالت ولا تزال، وغالباً ما يموت الشهداء وهم يقاتلون بعضهم بعضاً، والكل يعتبر أن الشهداء يضفون صفة الحقّ على قضيتهم (ومنهم قادة الميليشيات الذي يأمرون أتباعهم بتفجير أنفسهم في الأسواق والجوامع والكنائس في العراق – ومنهم أيضاً الطوائف اللبنانية التي يموت شهدائها وهم يقاتلون جيرانهم في الحيّ). وكلّ محاولة لإعادة التقييم أو إعادة النظر بالمنطلقات الفكرية والمبادىء التي نموت من أجلها، ستجعلنا بنظر الكثيرين على أننا “نخون الدماء” ونخون الشهداء، فالعراقي الكردي الذي يقول أن المستقبل يجب أن يكون لدولة واحدة تجمع كل الأطياف العراقية في وطن واحد سيُتهم بخيانة دماء أخوته الأكراد، والأرمني الذي يدعو لإعادة العلاقات مع تركيا وتجاوز التاريخ سيُتهم بخيانة دماء أسلافه، واللبناني من أي طائفة كان الذي دعو لدولة مدنية تلغي محاصصة الطوائف سيُتهم بخيانة شهداء طائفته “الذين سقطوا للدفاع عن حقوقها”، والفتحاوي الذي يدعو للمصالحة مع حماس مُتهم بخيانة دماء رفقائه… وهكذا دواليك في حلقة لا تنتهي.

(رغم كل ذلك، لا ينبغي تبرئة قادتنا السياسيين في لبنان وفلسطين والعراق من الخيانة الحقيقية للشهداء التي يرتكبونها دورياً في السياسة، وخاصة أولئك الشهداء الذين يسقطون من دون طائل والذي يموتون فقط بسبب طموحات سياسيّة أو عمالة مشبوهة للقادة السياسيّين).

4 comments

  1. على باب الله · ديسمبر 15, 2009

    اتفق معه في أن الإستشهاد في حد ذاته لا يصنع حقيقة ، و الأمثلة كثيرة فكم من وثنيين قٌتلوا من أجل إيمانهم الوثني الذي صرنا اليوم نعرف أنه خاطيء ، الحقيقة من المفترض أنها ثابتة – على الأقل ثبات نسبي – و لا تحتاج للدماء و الموت لإثباتها

    أؤمن أيضاً بغباء فكرة أن تذهب لتموت ، كالذين يذهبون ليفجروا أنفسهم معتبرين أنهم شهداء ، لا أعتقد أنها شهادة بقدر ما هي قتل أو إنتحار

    لكن الدم يبقى أكبر شاهد على الإنسانية ، فلو تركنا إلى الأبد فكرة الإستشهاد و إحتمال المشقات في سبيل ما نؤمن به ، لن يبقى إلا الأقوى و لن يسود إلا من يملك السلطة – أيضاً هذا ليس دليلاً أبداً على إمتلاكه الحقيقة – الإستشهاد في سبيل قضية أو إيمان هو آخر مراحل الإختلاف و الإعتراض ، بل و آخر مرحلة من مراحل الإختلاف التي يمارسها الشهيد بصفة شخصية و إن كانت رغماً عنه …

    • أدون · ديسمبر 18, 2009

      على باب الله،

      لقد عبّرت عمّا تحدّث عنه نيتشه تماماً. هو يعترض بشكل أساسي على أن الدماء تجعل النقاش الفكري مستحيل، فما تسيل من أجله الدماء يكتسب هذه القوّة على أنه حقيقة مطلقة.

      سلامي لك عزيزي

  2. hapy · ديسمبر 18, 2009

    اتدري ياصديق..
    احيانا يرمي البعض انفسهم في موت اختياري عندما تصفع عيناهم هشاشة ايماناتهم
    فبالاغلب يكون الموت حينها هو قهر ذاتي وتنكر الشخص للحقيقة التي لامسها بنفسه
    احيانا يكون الموت اقصى علامات اللاايمان
    احيانا نخاف ان نعري الثوب فيظهر الايمان عدم فنغطيه ونداريه بالموت
    مثلما يحدث من جرائم العار حيث يقتل الاب او الاخ الفتاة التي تحمل سفاحا مثلا فلكي لايرى احد عار اللاايمان يكون الموت هو الحل الاوحد لقتل الحقيقة مع الميت

    وعامة الاستشهاد ليس فقط بسبب ديني فاليابانيون كانوا يفعلون ذلك بايمان كامل دون اتباع وازع ديني بل مجتمعي

    دمت بالف خير صديقي

    • أدون · ديسمبر 18, 2009

      ما قلته رائع يا هبة،
      أعجبني مثال جرائم الشرف لأنها ربّما المعبّر الأغلظ، ولو بطريقة أخرى، عمّا نتكلّم عنه هنا.
      والاستشهاد ليس دافعه ديني فقط، بل هو لم يبدأ أساساً على أنه دافع ديني، بل كان ولا زال دافع إنساني، من أوّل الشهداء في الأساطير القديمة هو الإله تمّوز – بعل – أدونيس الذي يموت من أجل حبيبته وأرضه وشعبه.

      دمتي بخير صديقتي العزيزة

التعليقات مغلقة.