ليلى العربيّة… وأحمد العربيّ!

مشروع كلّنا ليلى، بحسب تعريفه على الموقع الرسمي للمشروع (الرابط هنا) ابتدأ منذ أربعة سنوات “بهدف فتح نافذة بوح للعديد من المدوِنات في يوم خاص بتدوينات عن الأنثى. كذلك قدمت “كلنا ليلى” نوعا من الدعم النفسي الذي مكن المدوٍنات من الحديث عما تواجهنه بصفة يومية من ممارسات تدخل في إطار التسلط و الاستغلال دون خوف أو تراجع أمام الاتهامات المعتادة بخلخلة “ثوابت” المجتمع أو – الأسوأ- تصديق تلك الاتهامات و الشعور بالذنب تجاهها”. ويهدف المشروع إلى “إبراز ظواهر متعددة تعاني منها النساء وتوصيل صورة حقيقية عنها على لسان من يعشن هذه التجارب وذلك بهدف فتح حوار بين عدد كبير من الأفراد ينتج عنه تطوير أفكار مجتمع بأكمله”.

من المواضيع المقترحة لهذا العام، “تجديد الخطابات الدينية والتاريخية المتعلّقة بالنساء”، “رصد صور التمييز ضد النساء وتعيتهنّ على حقوقهنّ”، وابراز قصص النساء “المنسيّة والمهمّشة في مجتمعنا” من اللواتي لا يُسلّط الضوء عليهنّ في الإعلام التقليدي.

منذ التعرّف على مشروع “كلّنا ليلى” منذ شهرين، تنامت الحيرة لدي عمّا يُمكن أن يُكتب. فقضايا ليلى العربيّة أكثر تشعباً، وأكثر ألماً من أن تُعالج بتدوينة قصيرة واحدة. فعن أي ليلى يمكن أن نتحدّث؟ عن تلك التي نُقفل عليها في المنازل تحت حجاب الذكورية المرتعبة من الأرحام الحرّة؟ أم عن تلك التي نعلّمها منذ الصغر أن جسدها عورة وصوتها عورة وجمالها عورة؟ أو عن تلك التي نعلّمها أن الرجل حيوان ناطق لا همّ له سوى الظفر بجسدها؟ أم عن تلك التي نجعلها خادمة وماسحة وقطعة لحم ترضي غرائزنا الليلة؟ أو التي ننكر عليها إرادتها الحرّة ورشدها ونفرض عليها مرافق ذكر – ولو كان صبي عمره 12 عام – إن أرادت ابتياع بضعة أكياس خضار من المحلّ المجاور؟ أو تلك التي نُسقط عنها أنوثتها ونشطبها من الجمال إن زاد وزنها بضعة غرامات عن وزن شاكيرا “المثالي”؟ أو تلك التي نعتبرها متخلّفة إن لم ترد لجسدها أن يكون ملك كلّ رجل قال لها “أحبّك”؟

ليلى التي جعلوا من الدين سجناً لهاً

في الصورة: إعلان رسمي من دار أزياء "سيسلاي"، ومكتوب تحته "مدمنات على الموضة". الإعلان هو أفضل نموذج ممكن لسجن آخر لليلى، فهو يصوّر، كالعادة، الفتاة الكاملة التي يقتصر كمالها على مظهرها وعلى امتناعها عن الطعام لدرجة تهدّد صحّتها وعلى "ادمانها" على التسوّق وارتداء الملابس الجميلة. هي ليلى التي جعلوا من أسطورة "المرأة الكاملة" سجناً آخر لها.

من دون شكّ، إن خطايانا في العالم العربي لكثيرة، لكن خطيئتنا بحقّ الأنثى في مجتمعنا هي أسوأها. فنحن لا نعرف حلولاً وسط، فإمّا نريدها مريماً عذراءمسجونة بقماش أسود لا ترى النور ولا البشر، وإمّا نريدها مجدليّة عارية وSoit belle et tait toi على حدّ تعبير المثل الفرنسي (كوني جميلة واخرسي). وفي الحالتين، تبقى الأنثى بالنسبة لنا مجرّد جسد ولا ترتقي إلى رتبة إنسان. وفي الحالتين كذلك، يكون الذكر الذي يقف مشجّعاً لهذا الواقع رجلاً يخاف من الأنثى لأنه لا يرى أبعد من شهوته من دون أن يدري أنّه في هذه الحالة يعامل نفسه كذلك على أنّه مجرّد جسد لا يرتقي إلى رتبة إنسان.

وأخيراً، في كلتا الحالتين سيكون لدينا قبيلة، لا مجتمع؛ قبيلة تخاف الجسد معتقدةً أنها تكرّمه، تخاف العقل معتقدةً أنّها تعلي شأنه، تخاف الأنثى وتقمعها معتقدةً أنها تضمن حقوقها.

لذلك يمكن القول أن تحرير ليلى العربيّة، هو في الوقت نفسه تحرير لأحمد العربيّ، لأن تحرير الأنثى هو أيضاً تحرير للرجل، لأنه تحرير للإنسان من سجن القبيلة البدائية القائمة على علاقات الإخضاع والخضوع بين الجسد الأقوى والجسد الأضعف، إلى المجتمع الإنساني الذي يقوم على علاقات العطاء المتبادل وعلى الروابط الروحية والنفسية والعاطفية والثقافية بين أفراده.

لذلك، لن تكون غريبة الخلاصة التي تقول أن معركة تحرير الأنثى ليست مجرّد معركة “حقوق”، بل هي معركة حول هوية مجتمعاتنا، فهل نريدها مجتمعات خائفة من أجسادها وعقولها وتقوم على أساس إخضاع القوي للضعيف؟ أم نريدها مجتمعات إنسانية حرّة لا تخاف أن تشقّ طريقها نحو العقل، نحو الحريّة؟

___________________________________________

* المجتمعات التي تقمع النساء لا تقوم على ممارسة قمع النساء حصراً، بل تقوم على مبدأ سيطرة القوي على الضعيف، كائناً من كان هذا الضعيف. لذلك نرى أن المجتمعات التي تقمع النساء هي نفسها المجتمعات التي تقمع كل المهمّشين والضعفاء كالمثليين والأقليات الدينية والعاملين في المنازل…

13 comments

  1. عبير · ديسمبر 26, 2009

    بتجنن يا طوني .. حبيتها كتير .. كمّل!

  2. تنبيه: النشرة الإخبارية – اليوم الثانى « كلنا ليلى
  3. أدون · ديسمبر 26, 2009

    عبّور شكراً. فكّرت انها رح تعجبك لأن هادي الاشيا اللي كنا نحكيها دائماً. هيي تدوينة واحدة وحيدة عن الموضوع، بس أكيد مش رح تكون الأخيرة عن ليلى العربيّة.

  4. على باب الله · ديسمبر 27, 2009

    رائع هذا المقال ، حقيقي تحرير ليلى هو تحريراً لأحمد و أختيار المجتمع لطريق و هوية معاصرة جديدة ليخرج من نفق القبيلة الذي توقفنا عنده في حين خرجت منه جميع الأمم منذ قرون و تطورت .

  5. salma · ديسمبر 29, 2009

    bdk min ysm3
    bs 7byt

  6. أدون · يناير 2, 2010

    جيمي العزيز اختصرت المقال بجملتك هذه صديقي ولم تترك لي شيئاً لأضيفه 🙂

    سلمى،
    يمكن الأدقّ نقول بدّك مين ينفّذ، لأن كتار اللي بيسمعوا والأكتر منهم اللي بيحكوا بس أقل شي اللي بيعيشوا قناعاتهم.
    سلام بنّوت

  7. تنبيه: Global Voices Online » Lebanon: Bloggers Participated in “Kolena Laila”
  8. تنبيه: Global Voices in Italiano » Libano: molti i post sulla condizione della donna araba per l’iniziativa Kolena Laila
  9. تنبيه: Libano: molti i post sulla condizione della donna araba per l’iniziativa Kolena Laila - fabiolatino.it
  10. رباب · يوليو 7, 2010

    إليك الياسمين

  11. Adon · يوليو 7, 2010

    وإليكِ الورد رباب..

  12. تنبيه: يوم المرأة العالمي – 2012 « نينار
  13. تنبيه: النشرة الإخبارية – اليوم الثانى | Newsletter – Second day | كلنا ليلى

التعليقات مغلقة.