كي لا نستيقظ تحت جزمة العسكر*

* بتاريخ 23 \ 1 \ 2010، تجاوزت القوى الأمنية الشريط الشائك أمام السفارة المصرية في بيروت واعتدت بوحشيّة على تظاهرة سلميّة نظّمتها القوى اليسارية للاحتجاج على بناء الجدار الفولاذي. في ظلّ صمت رسمي حول الموضوع انتقل النقاش الحادّ إلى الفضاء الالكتروني اللبناني وهذا المقال يأتي ضمن هذا السياق.

بالهراوات وأعقاب البنادق… مشهد من التظاهرة (مصدر الصورة هنا)

*    *    *

لم يعترض أحد. لم يستنكر أحد. لم يقم أي نائب أو زعيم سياسي بإصدار بيان “شجب”. لم تخرج مرجعيّة دينية تستغلّ خطبة الجمعة أو عظة الأحد لإيصال الرسائل السياسية حول القضية. لم يتحرّك القضاء ولم يقم أي مسؤول عسكري أو حكومي بفتح تحقيق أو حتى طرح أي سؤال حول تصرّف القوى الأمنية. كأن الأمر برمتّه لم يحدث قط.

المشهد ليس بجديد وقد رآه اللبنانيون مرّات لا تحصى: تقتحم القوى الأمنية تظاهرة سلميّة من دون أي سبب على الإطلاق وتقمع المتظاهرين بوحشيّة وضراوة. من كانت مهمّته الدفاع عن أمن المواطنين يتحوّل إلى جزمة تجعل من حقّ التعبير في لبنان إلى تهمة يُلاحق بسببها الشبّان والشابات بالهراوات وأعقاب البنادق.

الاختلاف الوحيد في هذه الحادثة هو الصمت الذي رافقها؛ خرج الناشطون اليساريون صباحاً من منازلهم ليتظاهروا أمام السفارة المصرية من دون طائفة أو مرجعية تحمي ظهورهم. وعادوا في المساء بأجساد زرقاء وعظام مكسورة من دون مرجعية تطالب بحقوقهم. لقد ذاقوا رسالة النظام اللبناني من شفاه جزمة العسكر: لا تلعبوا خارج الخطوط الحمر، ولا تنسوا أنه لا حريّة في هذا البلد إلا للطوائف، لا حقوق إلا للطوائف.

*   *   *

أي يسار؟ أي معركة؟

الحادثة المذكورة أكّدت للبنانيين من جديد أن التاريخ القمعي المُخبّأ في زوايا النظام اللبناني لم ينته بعد، وها هو اليوم يشهد طوراً جديداً في حقبة “السلم الأهلي” و”التوافق الوطني” و”حكومة الوحدة”.

لكن ذلك لا يعني أنه يمكن للقوى اليسارية الاكتفاء بالتذمّر مما حصل، أو التصرّف كأن القمع مستجدّ أو يطالها وحيدة. فالتذمّر يعني أن هذه القوى لا تمتلك خطّة أو هدف أو برنامج؛ فمن يملك الخطط لا يتذمّر بل يقاتل ويبرمج تحرّكاته ويدوزن خطاباته ويسدّد ضرباته بتخطيط مسبق ليحصد فيما بعد ثمار نضاله.

نقول “يسار لبناني”، ولا نعني بالتعبير مجموعة واحدة متناغمة بل هو تلك المجموعات الصغيرة التي تتحرّك بخجل خارج الطوائف، والتي تعتبر نفسها امتداداً لليسار التاريخي و”جبهة المقاومة الوطنية”، والتي يشمل قوسها في آن واحد بعض الجمعيات المدنية المموّلة أميركياً والمجموعات الماركسية التي تعتبر نفسها يساراً ثورياً، ولو من دون مولوتوف.

غياب الخطط والبرامج لدى قوى اليسار بدا واضحاً في الأجواء التي سادت لدى بعض الأفراد والمجموعات اليسارية بعد التظاهرة، وخاصة تلك الخارجة عن طاعة القيادات الحزبية – تلك القيادات المعاد تدويرها من زمن الحرب الاهلية. فـ”معركة السفارة” تكاد تكون أمّ المعارك لدى البعض، بها يبدأ تاريخ سقوط النظام اللبناني وبها تُؤرَّخ عودة اليسار إلى ثوريتّه. وبما أن كل معركة بحاجة لعدوّ، اختار البعض أن يكون الأخير الجيش اللبناني والقوى الأمنية، فيما التهى آخرون بإحراق العلم المصري والتوعّد بالنزول مجدداً إلى الشارع. الفراغ الذي يعانيه اليسار في الرؤية والمضمون تمّ ملؤه مؤقتاً بعدو لا يمكن محاربته، وبقضيّة محقّة، لكن خاوية لأنه لن يكون منها نتائج سياسيّة فعليّة حتى ولو توّجت بإحراق السفارة نفسها.

تاريخ الجيش اللبناني حافل بالمطبّات في الأعوام الأخيرة، وتاريخ القوى الأمنية مليء بالعورات المشينة، والمؤسستان هما من دون شكّ أداة القمع الأولى التي تحبّذ السلطات الاستعانة بها كلّما شعرت باختلال التوازن داخل النظام. لكن ذلك تحديداً هو ما يحتّم التصويب على السلطات الطائفية والزعامات السياسية التي تتحكّم بهما بدل التلهّي في مواجهة لا أفق لها مع المؤسسات الأمنية (التي هي في الواقع الملجأ الأخير للفقراء والمهمّشين). ففي نهاية المطاف، التغيير في السلطة السياسية وفي أسس النظام السياسي هو ما يقود إلى تغيير دور القوى الأمنية من الكلب البوليسي الذي يدافع عن النظام إلى الجندي الذي يدافع عن المواطنين. ولم يحدث مرّة أن حصل العكس.

*   *   *

العفونة تأكل حريّاتنا

الاعتداء على حريّة التعبير يأتي في الوقت الذي يستغلّ فيه رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب ووزراء الدفاع والداخلية مأساة سقوط الطائرة الأثيوبية قرب بحر بيروت وعلى متنا 51 لبنانياً، ليظهروا بمظهر الأبطال المدافعين عن حقوق شعبهم، متناسين أنهم لم ينبسوا ببنت شفّة حين كانت عناصر القوى الأمنيّة بالأمس تنهال بالضرب على مدنيّين عزّل.

لكن الخطورة في المسألة ليست الدونكيشوتيّة المعتادة لهؤلاء السياسيين، بل هي في الصمت الذي رافقها: الحادثّة مرّت مرور الكرام تقريباً ولم تحظ بحقّها حتى من التغطية الإعلامية البسيطة في ظلّ غياب صوت معظم الناشطين والكتّاب والمثقفين والسياسيين، الذين ملؤوا آذاننا وصفحات الجرائد بدفاعهم الشرس عن “الحريات” في قضايا أخرى. ما يزيد الأمر خطورة هو أن القمع يأتي ضمن سياق تآكل الحريّات في هذا البلد الصغير في الآونة الأخيرة، بدءاً من منع عرض أفلام سينمائية وحذف مشاهد منها، مروراً بمحاولات التضييق على حريّة الإعلام عبر مشروع قانون يسمح بسجن الصحافيين احتياطاً، وعبر وزارة الإعلام التي أصدرت مؤخراً “ميثاق شرف” يدعو للرقابة على الحركة الصحافية – (الرابط هنا )، مروراً كذلك بدعوات منع البرامج التلفزيونية، ووصولاً إلى الدعاوى المتراكمة لدى القضاء على الصحافيين والإعلاميين وآخرها دعوى مدير الأمن العام اللبناني على جريدة الأخبار على خلفيّة مقالة صحافية لمدير تحريرها (المقال يمكن قرائته هنا).

هل نستيقظ تحت جزمة العسكر؟

*   *   *

كي لا تحكمنا الجزمة

غياب المدافعين عن المتظاهرين العزّل يشير إلى غياب ثقافة دفاع عن الحريّات والحقوق في البلد. وكل كلام عن كون لبنان واحة للحريّة في شرق داكن الأفق لا يغيّر من هذا الواقع شيئاً. فالحريّة النسبية في لبنان موجودة، لا لأن النظام مرتكز على ثقافة متجذّرة في الحرية للمجتمع اللبناني، بل لأن التعدّد الطائفي في هذا البلد الصغير جعل من فرض نظام أحادي قمعي على شاكلة بقية الأنظمة العربية، مستحيلاً. المساحة الموجودة من الحريّة هي فقط المساحة الضرورية لضمان حريّة الطوائف من بعضها بعضاً، هي لضمان التوازن بين الطوائف وداخلها. خارج هذه المساحة لا يوجد حريّة، والعلمانيون واليساريون والخارجين عن طوائفهم يلعبون فقط في المساحات الضائعة بين الطوائف، في الزوايا القليلة التي لم يحشر الطائفيون أنفهم فيها – لضآلتها وانعدام وزنها لا لأنها عصت عليهم.

فهذه الطوائف وأحزابها لم تتوان عن ممارسة الإلغاء الدموي حين غابت الدولة في الحرب الأهلية، وهي تستمرّ اليوم في سياسة فرض أحادية داخل الطوائف ولا تتوان عن ممارسة إلغاء سياسي وفكري واقتصادي لكلّ من يخرج عن طاعتها.

ولعلّ أبلغ دليل على غياب مفهوم الحريّة هي أحداث العقدين الأخيرين. فطوال خمسة عشر عام، لم تسجّل القوى الموالية لدمشق في لبنان أي اعتراض على القمع والتنكيل المستمرّ الذي تعرّض له أنصار المعارضة اللبنانية وقتها والذي وصل إلى حدّ الخطف والاغتيال. كذلك، فإن سقوط القتلى في تظاهرات للطرف الآخر تطالب بالكهرباء والحدّ الأدنى من الحقوق لم يلق أي استنكار من القوى التي تعّرضت في الماضي للتنكيل على يد ذات القوى الأمنية.

ومؤخراً واجهت المطالبات بمنع برنامج “لول” على شاشة الـ “OTV” استنكاراً واسعاً من شارع المعارضة، وهو نفسه الشارع الذي طالب في الماضي بمنع التناول الكاريكاتوري لأمين عام حزب الله حسن نصرالله، فيما لم يجد المخرج السينمائي سيمون الهبر من حليف له، في وجه رقابة الأمن العام على فيلمه الوثائقي “سمعان في الضيعة”، سوى مقالان يتيمان في جريدة الأخبار[1].

الطوائف وأحزابها لا تشعر أنها ملزمة بالدفاع عن الحريّة إلا حين تمسّ هذه الحرية مكانتها السياسيّة والمعنوية في البلد، وهذا ليس دفاع عن الحرية بقدر ما هو دفاع عن الوضع القائم، عن الامتيازات. لذلك الحريّة في لبنان هي هشّة ومعرّضة للتقلّص والتمدّد بحسب تغيّر التوازنات بين الطوائف في النظام السياسي، وهي اليوم على ما يبدو في طريقها إلى التآكل بعد إطباق أحاديات الطوائف على طوائفها. هذا ما يجعل من الحرية معركة حول طبيعة النظام اللبناني نفسه لأن وجود حرية حقيقية في لبنان هو بطريقة أو بأخرى تقويض لبنية النظام الطائفي المغلق، هو مسّ بعنجهيّة الطوائف وامتيازاتها وهو خلخلة للتوازن المثير للشفقة القائم فيما بينها.

إن كان اللبنانيون يرفضون فعلاً الاستيقاظ في يوم ما ليجدوا جزمة العسكر جاثمة على قلوبهم، عليهم أن يفتحوا النوافذ ويجعلوا من الحرية ثقافة، لا مجرّد موقف سياسي. وإن كان اليسار يبحث فعلاً عن رؤية، عليه أن يجعل الحرية مشروعاً، لا مجرّد عنوان للتذمّر الموسمي. فالعفونة المتجذّرة في النظام اللبناني وكلّ الأنظمة العربية، لن تصمد طويلاً إن فُتحت نوافذ الحريّة.

*  *  *

تغطية جريدة الأخبار اللبنانية حول الموضوع: عسكر على مين؟ أمام السفارة المصرية

المزيد من الصور: جريدة الأخبار


[1] وحاله كانت أفضل من حال من يتعرّض للرقابة من غير اللبنانيين مثل المخرج الكويتي عامر الزهير الذي لم يجد من حليف له أمام الرقابة اللبنانية سوى مقال يتيم في جريدة السفير بعد منع عرض فيلمه “عندما تكلّم الشعب”.

10 comments

  1. التنبيهات: نظام أمني بخوذة “ديمقراطيّة”! « هنيبعل.. يتسكّع في الأرجاء
  2. nihal · يناير 27, 2010

    تحياتنا طوني
    و تحية كبيرة كتير لجميع المتظاهرين اللذين استطاعوا ايصال الفكرة المراد توصيلها و لكن للمظاهرة بقية …
    يا صديقي العزيز كلنانعرف السايسة اللبنانية المتوارثة عبر الاجيال والمعتمدة لتفريق المتظاهرين سواء بالماء او الضرب او عبر استعمال الرصاص فكل مواطن غير راضٍ عن قرار او نظام يعتبر فنبلة موقوتة و متنقله بين الناس و تشكل خطر على النظام العام و السلم الاهلي بالتالي يجب القضاء على كل ما يهدد السلم والامن و اكيد الاستقرار الداخلي فا من المفترض ان يصبح جميع المواطنين محششين او مقمعين و كل مثقف ووواعي للمصلحة الوطنية هو مخرب ……….
    يا جماعه كلنا بتنذكر الضرب و الاهاني اللي كان المتظاهريين يتعرضو الها ايام المظاهرات امام السفارة الامريكية اما الان فاصبح الوضع ومشابة او اسوء اما السفارة المصرية …….

    مقال اكثر من ممتاز تحياني العابرة للقارات الك صديقي

    • أدون · يناير 28, 2010

      سلام عابر للمحيطات بنّوت 🙂

  3. رجل من ورق · يناير 28, 2010

    سعيدة طوني
    التاريخ يكرر ذاته ببساطة

    • أدون · يناير 28, 2010

      هلا أبو الطروق، وين هالغيبة؟

      هوي الهدف انه التاريخ ما يكرّر نفسه، لحتى ما نكون عم نكرّر موتنا يا رفيقي. صرنا ميتين كتير.

      تحياتي

  4. Hapy · يناير 28, 2010

    صديقة ليا قالتلي عن قصة تتكلم عن ثورة 1952 والاقطاع بمصر قالت :
    ” كان بقرية لصوص ينهبوها فجاء اهل القرية بكلاب حتى طردت اللصوص ثم لم يجد الكلاب مايفعلونه فاداروا وجههم للقرية ”

    العسكر يجب ان يحجموا والا ستكون مصيبة على الحرية

    والاعزاء المتظاهرين لايجب ان يحرقوا العلم فمصر ليست موقف سياسي واحد او حكومي فالشعب غير الحكومة والسياسة..
    البيت داخليا له مشاكله واوجاعه.. كثيرون يعيبون على مصر لانها متخاذلة لكن لاأحد يدري كم هي نسبة الفقر هنا وكم أسرة لاتأكل غير وجبه واحدة اغلبها عيش بكشري ان وجد..
    قلب الوطن مجروح لايحتمل اكتر .. صعب اوي تشيل غيرك وانت مش قادر حتى تشيل نفسك
    وبدل حرق علم مصر .. فالاولى حرق علم اسرائيل
    وخصوصا بعدما قتل قناص فلسطيني عسكري مصري بسيط

    تعرف
    مشكلة اليسار باي دولة الصوت المنفرد
    واي صوت منفرد او انتماء لاديني كانه معلق علامة قابل للهجوم
    لانه هجوم على الاختلاف وغريزة رفض المختلف مش اي شيء اخر

    دمت مضيئا

    • أدون · يناير 30, 2010

      مراحب هبة،

      بالتظاهرة كان في مصريين مشاركين، وكانوا عم ينادوا على المتظاهرين انه يا جماعة مصر مش حسني مبارك ولا تحرقوا العلم، ولكن يبدو أن العبثية في التظاهرة كانت أقوى من العقل.

      مشكلة اليسار في لبنان انه مجرّد واجهة لأحزاب وتجمّعات ميتة، والفراغ يُعبّأ بتظاهرة من هنا وتصريح من هونيك.

      تبقي بخير بنّوت
      تحياتي

  5. لاديني · فبراير 1, 2010

    إذا كنتَ بلا طائفة في لبنان فأنت بلا ظهر
    ومن كانت طائفته إنسانيته..بشريته..فهو بلا طائفة في لبنان

    لقد بدا المتظاهرين هدفاً أمثل للعسكر من أجل إيصال الرسالة دون صداع..
    فعندما قامت قناة لبنانية بنقد توجه لحزب الله فأظهرت نصر الله قدس الله سره بشكل ساخر مشروع إعلامياً قامت الدنيا ولم تقعد وكأنها إهانة كبرى لا يغسلها إلا الدم والإطارات المشتعلة
    أما البشر الحقيقيين الذين تقلبوا تحت الهراوات فلا بواكي لهم…

    هون عليك يا طوني..فهذا لبنان..وفتح نافذة للحرية فيه دوماً مكلف..سيما وأن العفونة تجذرت وفاحت.

    تحياتي لك..

    • أدون · فبراير 1, 2010

      لاديني العزيز،

      فتح نوافذ للحرية مكلف بالفعل، لكنه يبقى دوماً أقلّ كلفة من عبودية مقنّعة. لأن لبنان فيه القليل من الحرية، يجب على اللبنانيين أن يناضلوا لكي يحافظوا على هذه المساحة، فالعالم العربي يا صديقي العزيز ضيّق جداً، بحجم الزنزانة، ولا خيار سوى القتال للخروج إلى الحرية.

      تحياتي لك

  6. التنبيهات: استراحة: كيفية ترويض الديناصورات « نينار

التعليقات مغلقة.