حجاب الموناليزا (III): حين يصبح المخلوق خالقاً

تقدّم طبقة رجال الدين، ومعها المجموعات السلفية والأصولية والمتشدّدة، تبريرات “منطقية” شتّى لتفسير عدائهم تجاه الفنّ بشكل عام.

التبرير الأكثر انتشاراً هو الذي يلبس رداء الدفاع عن “الأخلاق” والآداب العامة من الإفساد الذي “تشجّع عليه الفنون”. وفق المنظور الديني الشعبي (وإلى درجة ما في الواقع)، ترتبط الفنون وخاصة الموسيقى بالكحول، الرقص، الجنسانيّة والتعبير الحرّ عن الأحاسيس والمشاعر؛ أي بما يتعارض مباشرة مع روح الدين.

لذلك لن يغيّروا رأيهم إن عدّدت لهم كل الدراسات العلمية التي تبرز التأثير الإيجابي للموسيقى على الصحّة النفسية والجسديّة للبشر، الحيوانات، وحتّى النباتات[1]. ولن يقتنعوا كذلك إن ناقشنا عظمة الجسد البشري التي عبّرت عنها الرسوم والمنحوتات العارية لليوناردو دافنشي، أو إن قلنا أن التعبير الفنّي عن الجنسانية أو العري هو طبيعي كما الجسد البشري نفسه. كل هذا الفنّ بالنسبة لهم هو عملية شرّيرة تلهي الناس عن العبادة وتهدف “لإيقاظ الغرائز الخبيثة” الهاجعة داخلهم (ربّما لهذا السبب لم تُصنع جنّة الله لمن يستمع لفيروز أو يستمتع برسوم بيكاسو، لكن لأولئك الذين يعبدونه بصمت خمس مرّات في اليوم).

لكن غيرة الله وفقاً للقرآن والسنّة لا تتوقّف على قضية التهاء المؤمنين عن العبادة، بل يبدو أن أكثر ما يزعجه هو محاولة الإنسان تقليد “عمله”، وهنا يكمن السبب الحقيقي في العداء الديني للفنّ. إن فنّ الخلق، حين يتمّ بأيادٍ بشرية يُعتبر عصياناً لإرادة الله؛ فالإنسان وفقاً للإديان غير قادر على محاكاة عمل الله أو فهم حكمته ومقدّساته، الإنسان وُلد ليَعبد لا ليكون إلهاً خالقاً.

الله، الإنسان والخلق. رسم لدافنشي على سقف كنيسة سيستين في روما.

لتفسير هذا الأمر، علينا أن نلقي نظرة مقتضبة على الفنّ الإسلامي. الأمر الأوّل الذي يتعلّمه دارس الفنون الإسلامية البصرية هو أنها تركّز على الأشكال والأنماط التجريديّة، مثل تلك الموجودة على الجدران والأسقف الرائعة للمساجد الكبرى. وبالمقارنة مع ثقافات أخرى، الخاصيّة التي تميّز الفنّ الإسلامي البصري هي الغياب الملحوظ للمواضيع التي تعبّر عن الحيوانات والبشر، رغم بعض الاستثناءات التي نجدها خاصة في الفنّ الفارسي والآسيوي. وسبب هذا الغياب هو لأن التعبير عن هذه المواضيع محرّم، سواء كان ذلك برسم أو نحت.

موقف الرسول كان قاسياً تجاه “المصوّرين”. في حديث له يقول: “كل مصوّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم”[2]. في حديث آخر يقول: ” أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله”[3]. كذلك: ” “إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم”[4] (ليبرهن الله لهم أنهم لا يستطيعون مضاهاته لأنه لا يمكنهم نفخ الحياة في ما يصنعون).

وتشرح المصادر الإسلامية أن المقصود بكلمة “مصوّر” هو الرسّام والنحّات. لكن الرسول لم يحدّد ما إذا كان يقصد كذلك المصوّر الفوتوغرافي، مصوّر الفيديو والمصمّم الغرافيكي تاركاً من فسّر النصوص الدينية من بعده في حيرة من أمره حول مصير هؤلاء “المصوّرين”.

لكن لم يحرّم الدين كل مواضيع الرسم بل حرّم بشكل خاص رسم “ذوات الأرواح” كالبشر، الحيوانات والطيور..ألخ.

مثال على الأنماط الإسلامية على سقف جامع لطف الله في أصفهان - إيران

من الواضح أن النصوص الإسلاميّة المقدّسة تعتبر أن الخلق الفنّي هو محاكاة لخلق الله، خاصة إذا ما كان الموضوع هو الإنسان. فالـ”تصوير” هو في نهاية المطاف أحد صفات الله! يقول القرآن الكريم: “هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّر”[5]. الخلق الفنّي إذاً يهدد مكانة الله؛ هو يسمح للإنسان أن يبدو مساوياً للإله في قدرته على الخلق، وهل من مجال أفضل من الموسيقى والرسم والنحت لتظهر وتُصقل فيه هذه القدرة بأبهى حللها؟ هل من مثال أجمل على قدرة الخلق من القدرة على إعطاء أقسى الأحجار شكلاً واسماً وحياة؟

القدرة الفنّية للعقل البشري تهدّد الدين لأنها تضيء على واقع أن البشر اليوم يمتلكون خيالاً أقوى وقدرة إبداعية أعظم من الله نفسه كما يبدو من خلال النصوص الدينية. وبتعبير صديق لي، طارق، متحدثاً عن الموسيقى يقول: “إن الموسيقى عدوة الله، لأنها تأخذ الذهن البشري إلى أماكن سحرية يخشى المؤمنين أن تكون أشد أسراً وجمالاً من الجنة”[6]. ويضيف أن العدائية تجاه الفنّ تهدف كذلك لقمع التعبير عن الشكوك والأسئلة البشرية، التعبير عن التساؤلات الوجودية والعقلانية التي لم ينجح الدين في الإجابة عليها.

القدرة على الخلق، الشبيهة بقدرة الإله، هي السبب الحقيقي للعدائية الدينية تجاه الفن؛ فالأخير يكشف عن الإله النائم داخل كلّ إنسان، يكشف عن الألوهية البشرية. هذه الخلاصة تطرح سؤالاً لا بدّ منه: لماذا لم تسهّل الأديان الأمر وتجعل من الفنّ على أنه تجربة توحيدية “بين الشعاع والشمس” أو بين الإنسان والله بحسب المفردات الصوفية والغنّوصية، واعتبرته في المقابل على أنه انقلاب خطير في الأدوار حيث يتحوّل المخلوق إلى خالق، وحيث يتحوّل الخالق – الله – إلى مجرّد منحوتة حجرية؟

الإجابة بسيطة: بما أن أحد المساعي الرئيسية للدين هي السيطرة على البشر، سيكون إلهها دوماً إله غيّور يطلب فقط مؤمنين مكرّسين لعبادته بالكامل – عبيد (من الملفت للنظر أن مرادف كلمة “مؤمن” في اللغة العربية هي كلمة “عبد”). الإيمان بالقدرات البشرية – بالقدرة البشرية على “التألّه”، لا يمكنه التعايش مع مفهوم الإله الذي يريد البشر عبيداً له.

لطالما أرهبت هذه القدرة الأديان، وأغرت الفلاسفة الملحدين كفريدريش نيتشه على الارتكاز عليها لإعلان موت الآلهة. ففي نهاية المطاف، إن إله يخشى القدرات البشرية لهذه الدرجة يخشى لهذه الدرجة هو إله جعل من اغتياله ودفنه أمراً سهلاً. يختصرها نيتشه بالقول:

“الخلق، إنه الخلاص الأكبر من الألم.

في السعي إلى المعرفة أيضاً، لا أشعر إلا بلذّة إرادة الإنجاب والتحوّل؛ وإذا ما كانت هناك براءة ما في أحكامي فإنّما يحصل ذلك لأنها تحمل في صلبها إرادة الإنجاب.

بعيداً عن الله وعن كلّ الآلهة ساقتني هذه الإرادة؛ ما الذي كان يمكننا أن نبدع لو كانت هنالك آلهة؟”[7]

“بعيداً عن الآلهة” تأخذنا هذه الإرادة، لكن بالتأكيد توصلنا إلى مكان أقرب إلى السماء؛ البشر “ولدوا ليطيروا”، ليبدعوا ويخلقوا، لا ليكونوا عبيد!


هوامش:

[1] أظهرت الأبحاث في مجال العلاج عبر الموسيقى أنه للأخيرة تأثير كبير على الصحّة البشرية: تساعد العمليّة الهضمية، تخفّض ضغط الدم وتساعد على إبطاء دقّات القلب، تساعد على التغلّب على القلق وتساعد على تخفيض الهرمونات التي تؤدّي إلى التوتّر مثل الكورتيزول والأدرينالين، تؤثّر على العمليّة التنفسيّة، تخفّف التوتر في العضلات وأخيراً تحسّن نظام المناعة. تظهر الأبحاث أيضاً أن الموسيقى تحسّن إنتاجية وفعاليّة الفرد، وتلعب دوراً مهماً في علاج العوارض النفسية كالاكتئاب، توتّر ما بعد الصدمة PDSD، وحتّى الجنون. أحد الأبحاث تفسّر سبب هذا التأثير العميق للموسيقى على الإنسان بالقول: “الموسيقى تدخل إلينا لأننا مخلوقات إيقاعيّة تناغميّة، هنالك إيقاع في التنفّس، في دقّات القلب، في موجات الدماغ، في حركاتنا، وفي كلامنا. يبدو أن تأثير الموسيقى يكمن في الطريقة التي تصل وتؤثّر بها الأصوات الموسيقية على الدماغ”. للموسيقى أيضاً تأثير إيجابي على الحيوانات والنباتات، وأثبتت تجارب عديدة أنها تحسّن إنتاجية الحيوانات والنباتات المثمرة. لقراءة المزيد حول هذه المواضيع:

–          أهم المراجع باللغة الإنكليزية:

–          This Is Your Brain on Music: The Science of a Human Obsession, Daniel J. Levitin .

–          An Introduction to Music Therapy Theory and Practice, several authors, (edited by the American Music Therapy association).

–          Case Studies in Music Therapy, Kenneth E. Bruscia.

موارد موجودة أونلاين::

–          The Mozart effect :

–          Effects of music and sound on human health, Roer wicke Ph.D, Herbalist review magazine, issue 2002 # 1,

[2] صحيح البخاري، حديث صحيح، رقم 2225 . أيضاً ورد في صحيح مسلم، رقم 2110.

[3] صحيح البخاري، حديث صحيح، رقم 5954 ، ورواه مسلم أيضاً، رقم 2106. لكن يبدو أن هذا الحديث أطلق نقاشات حامية في المنتديات الإسلامية حول ما إذا كان المصوّر هو الأشدّ عذاباً يوم القيامة أم المشرك لأنه هنالك حديث آخر للرسول يعد فيه المشركين بالعذاب الأشدّ، لا المصوّرين.

[4] صحيح البخاري، حديث حسن، رقم 5951. أيضاً ورد في صحيح مسلم، رقم 2108.

[5] القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 24.

[6] اقتباس من طارق عبدالله، مشاركة في منتدى صوتك (الرابط هنا).

[7] هكذا تكلّم زرادشت، فريدريش نيتشه، ترجمة علي مصباح، دار الجمل، ألمانيا 2007، ص 169-170.

8 comments

  1. nihal · فبراير 1, 2010

    تحياتي صديقي طوني …

    مقال ممتازجدا.
    مهما كثرة التأوييل والاحكام لكن الواقع مختلف فالفن هو رسالة للتعبير عن الانسان وحياتة لان ليس كل لدى الانسان يستطيع ان يعبر عنه بالكلمات لذلك الفن هو من اهم الادوات التي تسعد على التعبير وايصال الرسائل .
    انا بالنسبة النقوش الموجودة بالمساجد والدور الدينية فهي ظهرت بعد مرحلة الفتوحات الاسلاميةعلى بلاد الاندلس حيث استطاعوا الاستفادة من فكرة النقوش الموجودة بالكنائس واخذ الافكار منها وتطبيقها بالمساجد وغيرها من الدور الدينية.

    اما بالنسبة للاصوليين والمتشددين دينيا فهم ليس الا اناس تسعى لتطبيق الاحكام الدينية باي شكل حتى لو تاقضت مع الواقع الانساني والحياتي فالدين ارسى العموميات وترك التفاصيل للفتاوى لمن يقال عنهم رجال دين ذوي علم
    ودراية ومعرفة فالدين ليس بالقوة واحكامه لا تطبق بمجرد التحريم والتحليل (هذا حرام وذلك حلال) لانه بذلك سنجد ان المحرمات غدت اكثر من المحللات .
    رجاء لرجال الدين لا تربطوا وتخنقو النفس والابداع البشري والانساني تحت شعار الدين والتدين فالدين يسر وليس بعسر .(من الممكن ان يكون الانسان مبدع وفنان وكل شئ ومؤمن بالله ومطيع لاحكامه بنفس الوقت من دون اي حرج ).

    • أدون · فبراير 3, 2010

      نهال مشاركتك غنيّة بنّوت. لو كان العالم العربي بيستعمل المنطق تبعك وبيستمع لعقله أولاً قبل ما يستمع لكل شخص يملك صلاحية إصدار فتوى كان وفّر على نفسه مشاكل كتير.

      تحياتي

  2. Sahran · فبراير 2, 2010

    عزيزي أدون

    موضوعك لن يمر مرور الكرام لو أسمعته لأحد شيوخ الإسلام , فالدين البدوي لا يعترف أبدا بالجمال ولا بالفنون , وإله محمد قد جعل جنته لمن رسم التكشيرة على وجهه , ونبذ سماع الأغاني وترك الفنون.

    دائما وأبدا هناك من لديه استعداد لقتل وتدمير كل ما هو جميل من أجل إسعاد الرب الغاضب السلخط على عباده , ولو أردنا أن نعرف سر كراهية محمد وربه للرسم والنحت , فلعلهم لم يعتقدوا بقدرة الإنسان على الإبداع , وتركت تلك المهمة للرب الجالس على عرشه

    تحياااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

    • أدون · فبراير 3, 2010

      سهران العزيز،

      المفارقة هي أن الدين والفن من المفترض أن يكونا في الجوهر أمر واحد، فالنصوص الدينية هي فنّ أدبي، والآذان هي فنّ موسيقي، والجوامع هي فنّ هندسي… ألخ. لكن بالطبع لا يستطيع الدين أن يذهب بعيداً في ذلك لأنه يقوم في الأساس على فكرة الضعف البشري لا القدرة البشرية.

      تحياتي لك

  3. على باب الله · فبراير 2, 2010

    في ‘نتظار سبارتكاوس القادم مع شمس الصباح بفرشاة و معول النحت و علبة ألوان تتجه عيوننا نحن العبيد

    • أدون · فبراير 3, 2010

      جيمي العزيز نحن نحتاج، لا فقط سبارتاكوس واحد، بل جيش ليكي يلوّنوا هذا الأفق القاتم يا صديقي.

      سلامي

  4. هند · فبراير 3, 2010

    لسهران و راجعة للموضوع أكيد : )
    سهران ومن دون أن أرى وجهك تبدو لي تكشيرتك كبيرة و واضحة مرسومة على صفحة هذه الشاشة !
    لذا يا زميل أنت لا تختلف كثيراً عمن تنتقد :/

    بالمناسبة لا البدو معتنقي الدين البدوي ولا محمد صلى الله عليه وسلم ولا الله عز وجل في أعلى سماه يعبؤون بالإزدراء المعشعش في عقلك أنت وحدك من يعبأ لذا طول بالك ع حالك (f)

    راجعة وسلام معظم لـ آل الحته كلهم :d

  5. Sahran · فبراير 3, 2010

    هند يا هند , روقي علينا شوي

    مش عاجبك كلامي يعني ؟؟؟؟

    أوكيه

    بس من وين شفتي صورتي لتقولي عني بتكشيرة ؟؟؟؟

    يمكن أنا واد تقيل والتكشيرة نافعة معي ؟؟؟؟

    أنا مش كشر أبدا , ولما بتكلم في نقد الدين , فمش بجيب حاجة من عندي

    أعتذر للعزيز أدون على ردي للأخت , ولكن هو للتوضيح فقط

    سلامي لأدون والعقلاء جميعا

التعليقات مغلقة.