حجاب الموناليزا (4\4): الفنّ، الخوف والحريّة

وفقاً للدين، رسم الله خطّاً عريضاً يفصل بين الفنّ والعبادة: المؤمن الملتزم سيستمتع بالجنّة فيما سيحترق الفنّان – الذي يتجرّأ على مضاهاة عمل الله – في النار.

التعارض هذا بين الفنّ والعبادة يحمل في الواقع رسالة خطيرة جداً عن الدين ويكشف عن خلل كبير في المجتمع الذي يقبل هكذا مقولة: قبوله بها يعني أنه مجتمع يبجّل الخوف، الهمود والطاعة العمياء على الشجاعة، الإبداع والعقلانية.

لشرح ذلك لا بدّ من مقارنة صغيرة بين الفنّ والعبادة: من جهة أولى هنالك العبادة الرتيبة المكوّنة من تكرير حركات رتيبة وكلمات رتيبة، لخمس مرّات في اليوم إن أراد المؤمن تأمين بطاقة دخول إلى الجنّة. إنها تجربة سلبيّة لا تتضمّن أي عمليّة عقلية ولا تسهم في تحسين أي وجه في الشخصيّة الإنسانية (باستثناء تأثيرها النفسي ربّما).

الفنّ... لوحة للرسّامة العراقية عفيفية العيبي*

في الجهة المقابلة هنالك التجربة الفنّية ذات المنافع العديدة: في أقلّ الأحوال، التعامل مع النتاج الفنّي يوسّع الآفاق الثقافية، يصقل حواسنا ومقدراتنا الإبداعية، يرفع مستوى الوعي والإحساس البشري، يُخرج الطاقة السلبية، يساعد على التعبير عنّ أسمى الأحاسيس والأفكار وهو بكلّ بساطة أمرٌ ممتع وجميل.

أما التجربة الفنّية الإيجابية – الخلق الفنّي، فهي التعبير الأسمى عن المقدرات البشرية إضافة إلى أنها التعبير الأبلغ عن الروح البشرية وأكثر مشاعرها وتطلّعاتها حميميّة. الفنّ هو السجل التاريخي الأجمل لتطوّر الوعي البشري؛ يمكننا بسهولة أن نقول أن قوّة الخلق والإبداع – التي تظهر بأبهى حللها في الفنّ – تعبّر حقيقة عن جوهر الإنسان. لذلك الفنّ هو أيضاً الإيمان بالمقدرة البشرية، تلك المقدرة التي قادت البشر إلى اكتشاف النار، الأبجدية، الزراعة وكل شيء آخر، وسمحت لهم في الأساس أن يكتبوا النصوص الدينية “المقدّسة”. استعمال مقدرة العقل البشري والإيمان بها هو جوهر الحضارة الإنسانية.

بالتالي إن هذه المناقشة لا تدور ببساطة حول الفنّ بل هي في الواقع حول شخصيّة المجتمع. إن الحديث عن منع الفنون يفضح نظرتنا للمجتمع الذي نريده لأنه يساوي القول أننا نريد أن نغلق أهم جزء في عقولنا، الجزء نفسه الذي جعلنا بشراً في الأساس والذي أنقذنا ولا يزال ينقذنا كلّ يوم من الأخطار التي تحيط بنا – ومنها أنفسنا.

ما هي طبيعة المجتمع الذي يمكن أن يتسامح مع تحريم الفنون والإبداع؟ إنّه بالتأكيد مجتمع يخاف من المقدرات البشرية لدرجة أنّه يعلّم أفراده أن يكونوا سلبيين بالكامل وأن يطفأوا أعظم مقدرة عقليّة لديهم. إنه مجتمع يطلب من أفراده أن يرفضوا الإيمان بإمكانيّاتهم وألّا يصدّقوا عقولهم نفسها، تاركاً لهم مخرجاً وحيداً متمثّلاً في الإيمان بالنصّ، برجل الدين، وبالقائد.

مجتمعات خائفة..

بعد وضع الشعارات والتبريرات الدينية جانباً، سنجد أن تحريم الفنون يعبّر في الحقيقة عن خوف ديني عميق من المقدرات البشرية ورغبة أعمق بخلق مجتمع سلبي “ميت” يسهل التحكّم به من قبل الثيوقراطيين والديكتاتوريين.

فالخوف هو الشعور الأقوى في المجتمعات التي فقد المواطنون العاديون ومعهم النخبة الدينية والثقافية والسياسية قدرتهم على التحكّم في مستقبلهم، وحيث فقدوا قدرتهم على مواجهة مشاكلهم واعتادوا على حالتهم البائسة لدرجة باتوا معها الآن يرتعبون من أي محاولة لتغيير الوضع الراهن. بدل الوقوف ومواجهة الرياح العاتية، تفضّل هكذا مجتمعات الاختباء خلق الحيطان السميكة وتحريم كل عمليّة قد تؤدّي إلى التشكيك بالأبواب المغلقة (وخاصة الكتابة والفنّ).

* * *

إن المجتمعات التي تشيطن الفنّ وتقدّس العبادة الصامتة والنَسخ الخالي من الروح والعقل، هي نفسها التي تفضّل حفظ الآيات القرآنية على تعلّم كيفية تفسيرها، هي نفسها التي تفضّل أن تنتظر مهديٌّ غائب (أو مسيح ثانٍ) لينقذها بدل أن تأخذ مصيرها بيدها وتواجه مشاكلها بنفسها، وهي نفسها التي تغطّ في نوم عميق في الوقت الذي تلوم فيه الآخرين على تخلّفها.

للأسف، هذه هي حالة معظم المجتمعات العربية التي تتصرّف بلامبالاة تجاه مشاكلها ومنها القيود النامية على الحريّة بمختلف أشكالها.

كيف يمكن للأصوليين أن يعتقدوا أن تعزيز الخوف من الإبداع والخلق والفكر الحرّ سيجعل من المجتمعات العربية أقرب إلى الجنّة، يبقى سؤال من دون إجابة مقنعة. لكن الواقع يبقى أن عدائهم تجاه الفنّ متجذّر في عدائهم العميق تجاه الحريّة: إن تَحرَّرَ العقل البشر وبات الناس قادرون على إيقاظ الإله النائم في قلوبهم، فإن فكرة “الله” المرتكز على الخوف والأسطورة ستتقوّض، وكل أيدولوجية الطبقات الحاكمة في العالم العربي والإسلامي، المتجذّرة في تعظيم السلبية والطاعة المطلقة والعبادة السياسية والدينية لله والقائد، ستتداعى… وفي نهاية المطاف ستشهد نهايتها.

_______________

هوامش:

* مصدر اللوحة: مدوّنة المطر

2 comments

  1. maria · فبراير 27, 2010

    we need to read a lot of these incredible ideas instead of let us listening to stupid thoughts even the people who talk about do not believe in

    • أدون · فبراير 28, 2010

      Thank you Maria.
      and you’r right, most of those who preach stupid stuff don’t live by them nor they really believe what they say.

      Take care

التعليقات مغلقة.