المجتمع المدني اللبناني ورهان “التغيير الناعم”

بعد “سقوط الأحزاب” في لبنان قبيل نهاية الحرب الأهلية وحلول الطوائف المسلّحة مكانها، اتجّهت رهانات البعض إلى العمل المدني كعجلة تغيير في بلد يأس منه مواطنوه، وكل ذلك في ظلّ رهانات خارجية على إحداث “تغيير ناعم” يتّكأ على تمويل أجنبي وأجندة سياسية تتقاطع مع عواصم وراء البحار.

البلد الصغير على الضفّة الشرقية للمتوسّط، المتنعّم بحرية إعلامية نسبية في محيط تُكمّم فيه الأفواه يومياً، بات اليوم مخبراً إقليمياً لفعاليّة المجتمع المدني، خاصة في ظلّ تضاعف أعداد الجمعيات المحلية والعالمية فيه.

عند الحديث عن عملهم، يتجنّب “الناشطون المدنيّون” الحديث عن عمليّة “تغيير ناعم” يحاولون الاضطلاع بها في لبنان. فالحديث عن “ثورة ناعمة” هو في أقلّ الأحوال اتهام سياسي بعدما دخل هذا المصطلح إلى الصحافة عبر البوّابة الإيرانية – الأميركية المضطربة. بغضّ النظر عن دلالاته السياسيّة، يصلح هذا التعبير في الواقع لوصف كلّ أسلوب عمل المجتمع المدني في العالم عامة ولبنان خاصة. وهو بهذا المعنى محطّ توقّعات متناقضة بشدّة بين من يراهن عليه ويعتبره عماد أي تغيير سياسي أو سوسيولوجي “بعد نهاية الأحزاب والأيدولوجيا والثورات والعمل السياسي”، وبين من يعتبره التفافاً خبيثاً يصرف النظر عن القضايا الحقيقية، يتلهّى بالتفاصيل الثانوية ويقف عائقاً أمام نشوء حركات تغييريّة جدّية.

من التظاهرات في طهران العام الماضي التي راهن عليها البعض على أنها بداية "ثورة ناعمة" في إيران.

تحليل هذين الرهانين المتناقضين يتطلّب أولاً من التمييز بين عدّة أنواع من الجمعيّات المدنيّة؛ فهناك أولاً الجمعيات التي ينشأها الوزراء والنوّاب باسم زوجاتهنّ لشراء الأصوات ورشوة الناخبين ببعض الإعاشات العينيّة والمالية، وهذا النوع لا يدخل ضمن نطاق الدرس لأسباب معروفة. وهناك من ناحية أخرى الجمعيات المتخصصة المخضرمة، كمنظّمات حماية حقوق المرأة والمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين ومساعدة ذوي الاحتياجات الاضافية. وتضمّ هذه الجمعيات عادة الناشطين الأصدق والأنشط، وعملها تطوّعي في غالب الأحيان وفي رصيدها عدد لا يستهان به من الانجازات والإصلاحات حصدته بعد سنوات طويلة من النضال والمواجهة.

أما النوع الأكثر إثارة للجدل من الجمعيات، وهو المقصود غالباً عند الحديث عن المجتمع المدني، فهو تلك المجموعات الصغيرة التي نشأت بالآلاف خلال السنوات الأخيرة، والمموّلة بمعظمها من عواصم غربيّة، والتي لا يخلو اسمها عادة من مصطلحات من قبيل “المواطنة، الحقوق، الحوار، الشفافية، المشاركة، الديمقراطية…ألخ”. وهذه الجمعيات هي جواد “التغيير الناعم” ومحطّ رهان مموّليها والناشطين فيها على السواء لإحداث تغيير ما في المعالم السياسية والاجتماعيّة في لبنان. لكن هل الرهان هذا هو في مكانه؟ وهل يخفي ورائه فعلاً أجندة خارجية كما يُتّهم أحياناً المجتمع المدني على لسان سياسيين من الصفّ الأوّل؟

للوهلة الأولى، يبدو هذا النوع من الجمعيات المدنيّة كأنه خلية نحل لا تهدأ، تضمّ في صفوفها كلّ الأشكال والألوان، وتعمل من دون كلل للدفاع عن حقوق المواطنين. غير أن المشهد عن قريب مختلف. ففي هذا الوسط لا يلتقي المرء بمتطوّع واحد، بل في الواقع لا يوجد فيه سوى “موظفّين” بمعاشات شهرية. وغالباً ما ينصّ عقد عمل الأخيرين على “التعهّد بعدم إفادة أي سوري أو فلسطيني أو عراقي أو ليبي أو كوري شمالي أو كوبي أو أي شخص منضو في تنظيمات ارهابية” من موارد أو عمل الجمعية المعنيّة. والبند الأخير هو عادة شرط أساسي للتمويل، حيث أن معظم الجمعيات المدنية في لبنان ممولّة من مؤسسات أميركية تلتزم بشروط إدارتها في واشنطن.

أما أسلوب عملها، فنادراً ما يتضمّن أي نشاط منتج، فلا مشاريع تنموية، ولا مشاريع بيئية، ولا مشاريع تعليمية إلا نادراً. وجلّ ما تقوم به هذه الجمعيات هو ورش عمل لـ”تعزيز الحوار والمواطنية” و”التوعية على الحقوق”، تتضمّن الخطاب المملّ نفسه الذي تعجّ به كتب التربية الوطنية، وتحضرها عادة الوجوه نفسها (والمحاضرين نفسهم في غالب الأحيان). ومن المعروف أن الجهّة المسؤولة عن التمويل الأميركي في لبنان ترفض أي مشاريع مدنيّة تنمويّة أو تعليميّة أو ما شابه ذلك، ولا تطلق سراح أموالها الطائلة إلا لمشاريع تتمحور حول “تعزيز المفاهيم” (المفاهيم التي تتبناها وزارة الخارجية الأميركية طبعاً).

رغم ذلك، يعتقد بعض الناشطين في الادارات الدنيا أنّهم ربّما ينجحون عبر مشاريعهم هذه بخلق بيئة مؤاتية لنموّ الحقوق المدنية وتعزيز ثقافة حقوق الانسان في بلد يعيش حروب أهلية دورية. أما المموّلون في الادارات العليا فيرونها فرصة لايجاد محيط بشري وإعلامي يتناغم ثقافياً وسياسياً ولغوياً مع خطاب الخارجية الأميركية في المنطقة، وهذا هو بيت القصيد والسبب الخفي الذي يقف وراء فشل معظم الجمعيات في لبنان.

تغيير ناعم في بلد ديكتاتورية الطوائف؟ (الصورة: من القمع الذي رافق التظاهرة اليسارية في بيروت للاحتجاج على الجدار العازل على الحدود المصرية الفلسطينية الشهر الماضي)

وفي هذا السياق، يبدو أن الممولّ الغربي لا يدرك أن الأموال وحدها لا تغيّر الناس، بل لعلّها تبرز أسوأ (أو أفضل) ما فيهم، وتأثير الأموال الخارجية على المجتمع المدني في لبنان هي خير دليل. فبدل أن يكون تدفّق الأموال مسرّعاً لنمو حالة نضالية مدنية صلبة ملتزمة بقضايا مجتمعها، بات لدينا اليوم مجموعة كبيرة من الموظفين والوصوليين والمنتفعين الذين لا صلة لهم بالقضايا الاجتماعية والسياسية سوى في عقد الوظيفة: يبدأ “نضالهم” في المكتب عند الساعة الثامنة صباحاً وينتهي عند الثانية ظهراً كل يوم.

ما لم يدركه الممول الغربي أيضاً، أنه إن أراد في شرق وجنوب المتوسّط بلداناً مزدهرة تحترم حقوق شعوبها، عليه استهلال حركته أولاً بقطع دعمه المطلق للجنرالات والملوك والأنظمة الاستبدادية والدينية والصهيونية في العالم العربي، السبّاقة في اختراع أكبر “غوانتنامو” في العالم. وعليه أيضاً أن يعيد النظر في كامل سياسته تجاه هذه المنطقة التي لم تخلق سوى حركات سياسية أكثر تطرفاً وسوءاً من أنظمتها القمعيّة. فات المموّل الغربي أنه لا يمكن له في وقت واحد إعلان الحرب على هذا الجزء من العالم وخلق مجتمع مدني حرّ فيه.

في المقابل، لا يمكن كذلك وضع اللوم كاملاً على لجوء بعض المجتمع المدني لتمويل أميركي في الوقت الذي يفضّل فيه المحور الآخر أن يهب الأموال لحلفاء يتباهون بمليشياتهم في شارع الحمراء على أن يقدّمها لمشروع منتج أو لمجموعة صادقة مؤمنة بالتغيير.

إلى ذلك، وإن كان يمكن تفهّم الخلل الكبير في الرؤية الخارجية للمجتمع المدني في لبنان، لا يمكننا إغفال أو تفهّم الخلل الأكبر الموجود في نظرة المجتمع المدني اللبناني إلى نفسه.

فمن ناحية أولى، هل تدرك الجمعيات المموّلة أميركياً خطورة تفخيخ خطاب الديمقراطية والحقوق في لبنان بالدولارات الآتية من واشنطن، مع ما يعنيه ذلك من جعل أي خطاب صادق في هذا المجال موضع شبهة لدى فئات واسعة من اللبنانيين؟

من ناحية أخرى، لا بدّ أيضاً من التساؤل حول ما اذا كانت هذه الجمعيات جديّة في عملها من أجل تحقيق تغيير ما. فبالإضافة إلى أنها جعلت من النضال المدني وظيفة لها دوامها وعقود عملها، هي لم تحاول حتى اليوم خوض أي مشروع جدّي، لا يوجد في خطابها أي أثر لرفض النظام اللبناني الطائفي ككلّ – رغم أنّه علّة انقراض الحقوق المدنية في البلد. كذلك لم يقم هذا المجتمع المدني بفتح أي مواجهة حقيقية مع السلطات السياسية أو مع أي من مراكز القوى الدينية والطائفية والإقطاعية المعروفة بمعاداتها لمنطق المواطنة وحقوق الانسان، ولم يذق يوماً طعم المواجهة المباشرة مع “الرؤوس الكبيرة” في البلد ولا خبر ناشطوه محاربتهم في لقمة عيشهم وجامعاتهم ووظائفهم وحقوقهم، ولم يشعروا يوماً ببرودة مياه قساطل الدفاع المدني وغلاظة هراوات الشرطة التي انهالت على تحرّكات كان سقفها أدنى بكثير من السقف المعلن للجمعيّات المدنية.

هل يعتقد المجتمع المدني حقًا أنه يمكن تحقيق تغييرات حقيقية في نظام ديكتاتورية الطوائف بتكديس الأوراق والأموال والتجهيزات المكتبية الحديثة والمحاضرات الطويلة في صالات بيروت؟ إن كان الجواب بالإيجاب، فهذا المجتمع المدني لا يدرك بالمرّة طبيعة النظام الذي يعيش في ظلّه أو المجتمع الذي يعيش فيه، وهو بالتالي قد يكون في حالته هذه العائق الأكبر أمام ولادة مجتمع مدني حقيقي في لبنان.

5 comments

  1. Carolina · فبراير 24, 2010

    سعيدة .. ولو إنو ما إلي سوابق جدّية بالتعليق في المدونة :p

    الجمعيات المدنية ملبكة بحالها وبتنكرب مع أول مقال بجريدة، هيدا التفسير المنطقي الوحيد لحركتها الدائمة البعيدة أشنع البُعد عن خلية النحل، بالأول بدك “مجتمع مدني” لتعمل جمعيات مدنية!

    بخصوص التغيير الناعم .. وبشويش .. وكلو بدو وقت، قريت اليوم قول “أثري” :
    “إن الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله، ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي حتى لا تبقى نفس إلا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير”.

    البيان الوزاري للحكومة الاولى للاستقلال برئاسة رياض الصلح – 1943

    هلق أنا بقول الكارثة بمسألة “إذن الله” حاج حاشرين أميركا بكل شي، ومشكلتنا الأكبر مع الله اللي مش عم يأذن بقا ويخلّصنا 😀 ، إنو تأمل من إيمتا هالكائنات ما مرقت بساعة يقظة!

    عافاك .. عافاك، من هون ليصير في مجتمع مدني.

    • أدون · فبراير 25, 2010

      مراحب،
      تماماً لنلون، بدّو يكون فيه مجتمع مدني بالأوّل ليكون فيه جمعيات مدنية حقيقية. مشكلة بعض الجمعيات انها مش محتكة مع المجتمع كفاية لتفهم انو المشكلة أعمق من مفاهيم خاطئة عند الشباب اللبناني، فيه مشكلة بنيوية بس يبدو لا هنّي ولا الممولين بدهم يعالجوها فعلاً.
      سلامي : )

  2. Sahran · فبراير 25, 2010

    مرحبا طوني

    الموضوع طبعاً ليس لبنانياً خاصاً , حتى وإن لم تخرج أحرف المقال عن الإطار اللبناني , ولكنها موضة استشرت الآن , وهي وصف المحاولات السلمية للتغيير بالعمالة والخيانة!!!!!
    أما من يقومون بتفجير الأبرياء وقتل الناس العزل فهؤلاء أبطال ومغاوير
    دعنا نتفق حول وجود بعض الشبهات حول جماعات تمول من الخارج , ولكن حتى لو كان هذا صحيحاً فالعبرة بما سوف تقدمه هذه الجماعات للبلد , فلو جاءت تلك الجماعات للدعوة للديمقراطية والتسامح , فلا أعلم السبب الذي يجعلهم يصفون تلك الجماعات بالخيانة

    يبدو يا طوني أن شعوبنا لم تستسغ بعد فكرة التغيير السلمي , وما زلنا نفكر بعقلية الثوار والانقلابات فقط

    تحيااااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

    • أدون · فبراير 25, 2010

      مراحب سهران، مشتاقين صديقي العزيز،

      مشكلة الأنظمة والمقاومات والحركات “الوطنية” في بلادنا انها قائمة على عقلية تشبه العقلية الدينية، عقلية ثنائيات معنا – ضدنا، ووطني – خائن. لذلك مش من المستغرب انهم يوصفوا كل ما هو خارج عنهم ومختلف عن أساليبهم بالخيانة والعمالة.
      لكن من ناحية أخرى، ما منقدر ننكر ان مشكلة الجمعيات المدنية الممولة من الخارج ليست بفكرة التغيير السلمي، بل بواقع انها لا تعرف مجتمعاتها ولا هي صادقة في غالب الأحيان بالالتزام بالتغيير.

      دمت بخير يا سهران
      سلامي لك

  3. دموع · فبراير 25, 2010

    تختلف التفاصيل و لكن الحال واحد فى كل الدول العربية….نفس التخلف و القوى الظلامية و الديكتاتورية

التعليقات مغلقة.