مكافحة التغيّر المناخي: وهم الحلول الفردية

ما يمكن أن تكون ردّة فعل المؤمنين بأن مكافحة التغيير المناخي تبدأ بالفرد، إن علموا أن أمراً صغيراً، كعمليّة كتابة هذا المقال، أطلقت أطلقت نحو 40 غراماً من الكربون في الجوّ؟

إن هذا المقال الصغير هو أحد المساهمين في التغيّر المناخي[1]، بل في الواقع، إن كل قراءة للمقال على المدوّنة تسهم في الانبعاثات!

هذا بالفعل ما توصّلت إليه دراسة في جامعة هارفرد[2] حول الكلفة البيئية للخدمات المعلوماتية، حيث أن مساهمة هذا القطاع في انبعاثات الكربون بعد فترة النمو الهائل في السنوات الأخيرة باتت مساوية لكميّة الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل الجوّي حول العالم.

لا تقتصر الانبعاثات الناتجة عن استعمال الحواسيب على الطاقة المبذولة لتصنيعها وتشغيلها، بل تشمل أيضاً استعمال الانترنت الذي سيصبح قريباً المصدر الأول للانبعاثات في هذا القطاع. الدراسة توصّلت إلى أن القيام ببحثين على “غوغل” تطلق كميّة انبعاثات مساوية للانبعاثات التي يطلقها غلي قدر من الماء لتحضير كوب من القهوة![3]

إن لم ننقذ الكوكب، من سيقوم بذلك؟ الجملة من أحد الإعلانات البيئية التي تركّز على دور الفرد في التغيير.

سبب ذلك طبعاً هو لأن “غوغل” يستعمل عشرات بنوك المعلومات حول العالم التي تخزّن ملايين صفحات الانترنت والتي تُعتبر من أكثر المنشآت المستهلكة للطاقة في العالم. حين يضغط المتصفّح على زرّ البحث يُرسل الموقع عبارة البحث إلى بنوك المعلومات لكي تعود منها خلال ثوان أو أجزاء من الثانية عناوين ملايين الصفحات الالكترونية[4]. بالإضافة إلى ذلك، تُسهم كلّ عملية تصفّح الكتروني في الانبعاثات الكربونية؛ إحدى الاكتشافات المثيرة للجدل للدراسة هي مثلاً أن الحفاظ على شخصيّة واحدة في اللعبة الشهيرة “Second Life” يستهلك، سنوياً، كميّة طاقة تعادل استهلاك مواطن عادي في البرازيل![5]

في الواقع، إن مساهمة عمل صغير لا نعيره أهمية في حياتنا اليومية كالبحث على “غوغل” في عمليّة التغيّر المناخي يلفت النظر إلى أن هندسة أسلوب حياتنا المعاصرة هو في بنيته الجوهرية معادٍ للبيئة. والسبب بسيط: كل نشاط بشري أو ميكانيكي، مهما كان بسيطاً، يستوجب صرف كميّة من الطاقة للقيام به و86 في المئة من الطاقة التي تصرفها المجتمعات البشرية اليوم تأتي من الوقود الأحفوري كالنفط والغاز والفحم. وبالتالي إن كل نشاط بشري يؤدي بطريقة أو بأخرى إلى إطلاق انبعاثات في الجوّ.

إن طعامنا نفسه يأتي من الوقود الأحفوري: الثورة الخضراء تقوم على زراعة مركزية في الأطراف تؤمّن الغذاء لمدن مليونية مكتظّة بالسكان في المراكز. هذه الزراعة تعتمد على صرف كميّات هائلة من الوقود للزرع، الحصاد، رشّ الأسمدة (المصنوعة من مشتّقات النفط والغاز)، التبريد والحفظ والتعليب والنقل إلى مراكز الاستهلاك – المدن. كنتيجة: نحتاج ما يعادل خمس سعرات حرارية من النفط لانتاج سعرة حرارية واحدة من الغذاء[6]، أو بتعبير آخر إن تناول وجبة واحدة تحوي ألفي سعرة حرارية (كصحن كبير من البوظة مثلاً) يعادل استهلاك عشرة آلاف سعرة حرارية من النفط!

هذا ينسحب على كل أنشطتنا الأخرى في الحياة: تصنيع حاسوب واحد يصرف عشرة أضعاف وزنه من النفط[7]، هنالك 7 غالونات من النفط في كلّ دولاب سيارة وتصنيع أي سيارة، مهما كانت موفّرة للوقود، يستهلك ما يعادل 10 في المئة من استهلاكها من الوقود خلال حياتها على الطرقات[8]. إن التصميم المُدُني نفسه هو تصميم غير صديق للبيئة: من المستحيل التنقّل في المدينة على الدراجة أو على القدمين، ومن المستحيل أن تصل إلى منزلك من دون استعمال المصعد الكهربائي أو إنارة الأضواء. إن حياتنا مهندسة بطريقة تجعل من كل ما نفعله، حتّى خلال نومنا، مسبباً للانبعاثات ومساهماً في التغيّر المناخي وفي تدهور حالة الكوكب (إلا إن تنسّكنا في مغارة جبلية أو اعتكفنا في سريرنا طوال اليوم من دون أن نحرّك ساكناً).

كل ما سبق يوصلنا إلى خلاصة وحيدة: إن استهلاك الوقود الأحفوري متجذّر في البنية المجتمعية للحضارة الصناعية لدرجة بات معها من المستحيل تخيّل أي حلول فردية لمحاربة التغيّر المناخي. ما الحلّ إذاً؟ الجواب بسيط: إذا ما أردنا تجنّب النتائج الكارثية للتغيّر المناخي، علينا خلال عقدين التغلّب على تراكم قرنين من التطوّر الرأسمالي المرتكز على مصادر الطاقة الرخيصة من فحم ونفط وغاز. أي لا بدّ من افتتاح أكبر ورشة عمل في التاريخ لتحقيق انتقال هيكلي كامل للمجتمعات البشرية من مجتمعات مدمنة على الوقود الأحفوري، من مجتمعات تتنهج فلسفة النموّ اللانهائي، إلى مجتمعات إنسانية مستدامة ومنسجمة مع المحيط الطبيعي الذي يتيح لها الحياة.

إن هكذا عمليّة تستوجب بالتأكيد تحوّلاً ثقافياً اقتصادياً سياسياً شاملاً على كافة المستويات، وهو موضوع يحتاج لمقالات منفصلة للبحث فيه، لكن الخلاصة تبقى أن الحلول الفردية في ظلّ حضارة صناعية مدمنة على النفط غير ممكنة، وأن الورشة الجماعية الكبرى لإعادة هندسة أسس حضارتنا الإنسانية، هي مهما بدت الآن مستحيلة وذات كلفة مؤلمة وعالية، هي بالتأكيد أقل كلفة بكثير من خسارة الكوكب بأكمله.

* * *


ملاحظات ومراجع:

[1] التغيّر المناخي يتمثّل بشكل أساسي بارتفاع درجات الحرارة على الأرض، وهو ناتج عن ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة في الجوّ التي تحبس أشعّة الشمس في الغلاف الجوّي وتؤدّي إلى ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب، وهذه الظاهرة تهدّد على المدى الطويل الوجود البشري نفسه، وعلى المدى القصير تشكّل خطراً على الأمن الغذائي والمائي والصحّي والبشري لكلّ المجتمعات الإنسانية.

[2] Google searches costly for the planet, The Australian Newspaper

[3] أي حوالي 15 غرام من ثاني أوكسيد الكربون.

[4] وفقاً لاحصاءات “غوغل” هناك 200 مليون بحث يومي على الموقع. من المهم الإشارة إلى أن تصفّح أي موقع يستهلك طاقة تُطلق ما بين غرام وخمسة غرامات من الكربون في الدقيقة في الجوّ، بحسب بساطة الموقع أو تعقيده كوجود صور وملفات صوتية وما إلى هنالك.

[5] أي نحو 1700 كيلو واط\الساعة في العام.

[6] هذا الرقم أعلى في الولايات المتّحدة حيث يستوجب انتاج سعرة حرارية واحدة من الغذاء صرف عشرة سعرات حرارية من النفط.

المصدر: Peak Everything Richard Heinberg, p 48.

[7] Computer manufacturing soaks up fossil fuels, UN University study.

[8] http://lifeaftertheoilcrash.net/Research.html (National Geographic, June 2004)

8 comments

  1. لاديني · مارس 6, 2010

    معلومات مثيرة ، وتبين لكل من يعي فداحة الكارثة
    فعلاً مقال قيم كونه يجعل القاريء يحيط بالمشكلة إحاطة تامة مع أقل قدر ممكن من الكلام وأكبر قدر ممكن من التأثير..
    وبالمناسبة..الهوامش موجودة أدنى المقال ، لكن عندما تضغط على رقم الهامش بالسطر فذلك يحيلك إلى صفحة غير موجودة
    لا أنصحك بتعديل ذلك الآن لأنه سوف يؤدي إلى مزيد من الإنبعاثات بدوره
    🙂
    أعرف أنك ابتسمت ، وما ابتسامك إلا لإدراكك أن الحلول الفردية المتناثرة غير المؤسسة والجماعية ليست ذات جدوى
    إليك المأزق حسب ما فهمت:
    الحضارة البشرية قد أوغلت في نمط حياتي جائر ومكلف و أي تغيير لأسس وطريقة استهلاكها للموارد الآن شبه مستحيل ، لكن الأدهى أن الاستمرار على ذات النمط سيؤدي إلى استحالة الحياة نفسها لدرجة أنه لن يكون ثمة نمط حياتي من الأصل!
    عزيزي طوني
    يبدو أن الله لم يخلق كل شيء بقدر ، ولم يرتب الأمور بحيث تتماشى جيداً مع احتياجات البشر وتطورهم الصناعي..
    الحل عدم الاعتماد على الله بعد أن ثبت عملياً خطأه ، والاعتماد على أنفسنا كبشر نعيش على ذات الكوكب ، والقيام بعمل مؤسسي وجماعي يعيد جرد كافة طرق استهلاكنا للموارد بحيث يضع آلية جديدة مختلفة جذرياً عما يجري الآن.

    أهنئك يا طوني
    واعذرني على إقحام الله ، فالحقيقة أنه هو من يقحم نفسه في كل شيء
    وتقبل تحياتي

    • أدون · مارس 7, 2010

      لاديني العزيز،
      لقدّ عبّرت عن المشكلة في تعليقك بشكل دقيق. أنت محق فيما يتعلّق بالحديث عن الله، أحالني مرّة عضو في أحد الأحزاب الإسلامية الكبيرة إلى كتيّب للحزب عن حلول التغيّر المناخي، والحلّ بالنسبة لهم هو اعتناق الإسلام، فشعار الإسلام هو الحلّ لا يعرف حدوداً.
      في الواقع، أحد الأسباب الجوهرية لعدم قدرتنا على حلّ هذه الأزمة هيي الذهنيات المهيمنة في العالم ومن ضمنها تفرّعاتها الدينية. فذهنية الأديان التاريخية فيما يتعلّق بالأرض هي أن الإنسان هو سيد مطلق على الأرض فيما السيادة المطلقة على المستقبل هي للقوّة الغيبيّة، وكلا الأمران يعنيان وجود ذهنية تشجّع بطريقة أو بأخرى على تدمير البيئة الأرضية. وربّما هذا موضوع يستحق تدوينة بحد ذاته.

      تحياتي صديقي

  2. Sahran · مارس 6, 2010

    أنا بصراحة مستغرب يا طوني من أن أكون أنا أيضاً مساهماً بالتلوث الذي يدمر البيئة !!!!
    أتمنى تعليقي ما يزيد المشكلة , ولكن العيرة طبعاً بتكون بالمجموع ككل , وليس بالطبع بمجرد مقال هنا أو هناك,,,

    لا أعرف كيف يكون بإمكاننا تحاشي ذلك , ولكن أنا مؤمن بالعلم الذي يستطيع دوماً أن يوجد الحلول لكل المشاكل

    ما بدي أكتر من الكلام وإلا التلوث يزيد وتزعل مني طوني
    ههههههه بمزح طبعاً

    تحيااااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

    • أدون · مارس 7, 2010

      :D:D، جيدة من دون زعل : p
      مشتاقين يا سهران،

      اسمحلي اخالفك في الرأي بنقطة صغيرة، هي بأن العلم يوجد الحلول دائماً. انت محقّ انه لا حلّ من دون علم، لكن الذهن البشري هو الذي يوجّه استخدام هذا العلم، فإمّا يخلق منه مشكلة أو يخلق منه حلّ.

      تحياتي عزيزي

  3. رجل من ورق · مارس 6, 2010

    اسمحلي بشوية تلوث عمي طوني
    وخليني اتسائل معك عن مدى نجاح الحل اللي طرحته بظل انانية فردية خيالية عنا
    كلامك دقيق جدا
    بتعرف شو ياريتك وزير البيئة بالحكومة الامريكية

    • أدون · مارس 7, 2010

      سلام طارق،

      هو الحلّ ممكن، لكن نظرياً فقط. عادة، لدى الفصائل الحيّة الأخرى، لمن تتعرّض لخطر وجودي بتتكيّف بسرعة بحكم الغريزة، لكن عند الإنسان الموضوع معقّد شوي، ويبدو أنه هو الفصيلة الوحيدة اللي ممكن تمشي على حتفها من دون ما تنتبه ومن دون ما تقدر تغيّر عاداتها وأسلوب حياتها.

      الوقت عم يمرّ بسرعة بموضوع التغيّر المناخي وللأسف يبدو ان الحلول مش عم تكون على قدر التحدّي ولا عم تقدر تجاري وتيرة الأزمة.

      بالنسبة للوزراة ، خلّي شي جمعية بيئية تقدر تتحمّلني بالأول لنقدر نحكي عن وزارة 😀

  4. التنبيهات: الإيكولوجيا العميقة والحركة البيئية التقليدية: الشقيقان اللدودان « نينار
  5. غير معروف · مارس 22, 2012

    المشكل الرئيس هو تنامي قوى الشر المعادية للانسان وللدين .وهو ما ينجر عنه تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة -تغليب مصلحة الدول الغنية على الدول الفقيرة -وبالتالي تنامي الربح الفردي بالطرق الغير شرعية دينيا واخلاقيا.الامر الذي يؤدي الى تنامي الحقد والكراهية وزيادة البغض تجاه اصحاب المصالح الشخصية………..

التعليقات مغلقة.