التدوين سلاح قتاليّ (مقابلة حول حركة التدوين اللبناني)

السطور التالية هي مقابلة معي كمدوّن مساهم في عمليّة تأسيس “رابطة المدوّنين اللبنانيين”، قام بها الصحافي هاني نعيم حول التدوين وفضائه اللبناني. وسيُنشر جزء بسيط من المقابلة في العدد القادم من مجلّة حبر . وننشر المقابلة كاملة هنا لتعميم الفائدة وتوسيع النقاش الكترونياً حول حركة التدوين اللبناني ومسؤولية المدوّنين اللبنانيين تجاه العالم العربي.

الإعلام الاجتماعي: صوتٌ للجميع. (Horizon photography – By Tony Saghbiny, from the Social Media Cafe Beirut Launch March 2010)

* * *

– س: متى بدأت التدوين؟ لماذا؟

– ج: بدأت التدوين منذ سنتين بعد تجربة صحافية قصيرة حملت عدّة خلاصات، أولّها أنه لا يوجد هناك صحافة حقيقية في لبنان تناقش القضايا الجوهرية وتفتح المعارك ووتحاسب السلطة على أخطائها أو حتى جرائمها، فالإعلام في بلادنا ليس سلطة رابعة بل ملحق رابع للسلطات السياسية وقوى الأمر الواقع. هناك مشكلة ثقة متنامية بين الشباب اللبناني ووسائل الإعلام التقليدية، خاصة بعد انزلاق الأخيرة في لبنان إلى التحريض الطائفي والبروباغاندا السياسية بدل نقل الأخبار وتقديم مادة ذات مضمون مفيد للمتابعين. لذلك بات المصدر الأساسي للمعلومات للشباب اللبناني هو الانترنت وليس التلفزيون أو حتى الجريدة الورقية. والمدوّنات في العالم العربي اليوم، وإلى درجة أقلّ في لبنان، هي على طريق أن تتحوّل إلى الأداة الرئيسية للتثقيف السياسي والاجتماعي، وعلى طريق أن تصبح أيضاً محرّك نقاشات الرأي العام والجندي المجهول في عمليّة التغيير السياسي.

هذه هي الأجواء العامّة التي دفعتني للبدء بالتدوين، خاصة أن المساحة المتاحة للآراء الشابة في الصحف ووسائل الإعلام التقليدية هي مساحة ضئيلة، فالصحف مغلقة على مساهمين معدودين ومعروفي الأسماء. وحتى في حالة النشر، إن مقصّ “المساحة” والرقيب جاهز لتشويه أي مساهمة.

لذلك، التدوين بالنسبة لي هو سلاح قتالي على جبهة، أو بتعبير “أطرى”، التدوين هو من أدوات “الورشة” الضرورية في لبنان والعالم العربي بعد حوالي عشرة قرون من التجمّد في برّاد التاريخ. التدوين هو مساحة للتعبير الحرّ لا يرهبها مقصّ المحرّر أو الرقيب ولا تقتلها رتابة اللغة الصحافية التقليدية، هو مساحة لتسمية الأمور بأسمائها من دون مواربة، ولمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية الحقيقية المغيّبة عن الإعلام التقليدي.

* * *

– س: علمنا عن أن العمل جارٍ على تأسيس رابطة للمدوّنين اللبنانيين. ما هو هدف هذه الرابطة؟

– ج: الرابطة هي أولاً مساحة التقاء وتعارف بين المدونين اللبنانيين الذين كانوا منذ فترة قصيرة لا يعرفون بوجود بعضهم البعض، وهي بهذا السياق مكان لتبادل الخبرات والتدريب والتعلّم المتبادل.

من ناحية ثانية، تهدف لأن تكون جسم صلب وخطّ دفاع أولّي عن الحريات وخاصة حرية التعبير في البلد. فالمدونين هم أوّل من يشعر بتآكل الحريات لأنهم على تماس مباشر مع المجتمع وهم عادة أوّل من يُلاحق “بما انو ما عندهم غطاء فوق راسهم ليحميهم”. لذلك عليهم أن يكونوا أوّل من يدقّ جرس الإنذار وأوّل من يقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن الحريّة.

تسعى الرابطة كذلك، لتكون أيضاً أحد المحرّكات الأساسية للنقاش الاجتماعي والثقافي والسياسي في لبنان. وهي تستطيع أداء هذا الدور لأن المدوّنات فيها تمتلك عدد قرّاء أكبر من قرّاء أي جريدة مكتوبة في لبنان، وسيكون بامكانهم إخراج أي قضية اجتماعية مهمّة من العتمة إلى الضوء وطرحها للنقاش أمام المجتمع اللبناني.

* * *

– س: ما هي القضايا اللي يمكن ان تطرحها الرابطة؟

– ج: كل القضايا المسكوت عنها في الإعلام التقليدي أو التي تتم معالجتها بسطحيّة من خلال ريبورتاج إخباري لا يتعدّى دقيقة ونصف. والمواضيع تمتدّ على مساحة واسعة انطلاقاً من الأمور المصنّفة كبسيطة مثل تردّي خدمات الانترنت ومعاناة المواطنين في باصات النقل العام ومافيات موتورات الكهرباء في الضواحي والتحرّش الجنسي في أماكن العمل، وصولاً للأمور الكبرى المتعلّقة بشخصية المجتمع وقوانينه وقيمه وثقافته ونظامه السياسي ومستقبل الحرّيات ولبنان والعالم العربي…ألخ.

* * *

– س: ما هي برأيك مسؤولية المدونين اللبنانين تجاه العالم العربي؟

– ج: المدونون اللبنانيين ينعمون بهامش كبير من الحرية مقارنة مع زملائهم العرب، وهذه الحرية تضع على عاتقهم مسؤولية مهمّة هي الدفاع عن هذه الحرية حتّى النهاية، في بلدهم أولاً وفي العالم العربي ككل.

الأنظمة العربية الاستبدادية والاحتلال والقمع اللذان يرافقانها هي وجوه متعدّدة لمشكلة واحدة تطال كلّ مواطن(ة) في العالم العربي، هي مشكلة انقراض الحريّة. ومن المعروف أن القمع في العالم العربي يتغذّى من بعضه بعضاً، فإن لم نقف مع الحريات في شوارع تونس والقاهرة والرياض وبغداد اليوم، غداً سيصل الدور إلى بيروت من دون أن يكون قد بقي فيها أحد ليدافع عن حريّته، والعكس صحيح.

من هنا إن معركة المدوّنين في العالم العربي من المغرب إلى لبنان مروراً بمصر والخليج هي معركة واحدة، وعلى المدوّنين اللبنانيين أن يدركوا ذلك ويوقّفوا “الغنج” والتغنّي بالتبّولة ويبدأوا بالعمل ورفع الصوت.

13 comments

  1. hrammal · مارس 13, 2010

    مسا الخير ويعطيك الف عافية أدون،
    يعطيكم الف عافية، هاني وانت والشعب يل عم يشتغلو…
    متل هيك تشجّعت شوي بعد ما قرأت هيدي المقابلة وصار في شوية افكار تترجم الأشيا أكثر ع الأرض ويكون التأثير اقوى…
    شغلتين بفتكر لازم ينعملو سوا كرمال نوصل لنتايج:
    1 ـ انو ينعمل شي مركز تتجمع فيه المدونات عبر الرابطة، متل hub ، صفحة خاصة لأرشفة المدونات والمناطق الجغرافية (المحيط) يلّي عم يحاول فيها اي مدّون (بيروت، جنوب، شمال ، بقاع، جبل… )
    2 ـ يصير فيه متل ادارة للمعلومات والتوجيهات عامة كل اسبوع او كل شهر، بمعنى بيصير فيه اعلان انو بهيدا الاسبوع او بهيدا الشهر لازم نشتغل ع موضوع البلديات كلنا بذات الوقت (أو اي قضية من القضايا يلّ حكيت عنها هون) ، وننشر معلومات ومعارف ع اكبر عدد ممكن من المدونين والمتصفحين، والأهم كل حدا بمنطقتو مع يل معو بذات المنطقة يعمل شي ع الأرض، يعني ع الأقل يحكي عن الأشيا بمحيطو ومش بس يتركها هون ع الصفحات لأن بيضل في قسم كبير من الشعب ما عندو نت او ما كثير مهتم بالإنترنت يعني بالتالي ما بتكون عم توصلو الأشيا… وأهم شي المتابعة والتعاون…
    لأن لما الكل عن شغلة معينة بيكون وقعها اكبر من وقت ما يحكي واحد لحالو…
    وشو بعد، الأفكار كثيرة، وأكيد عندكن افكار امتن … بس بفتكر اهم شي موضوع المتابعة، كل حدا يتابع بحلمو… وما يوقف ونتساعد ع الأحلام المشتركة… وتنعرف ع الأقل شو عم يصير من على حوالينا وننشر هالاشيا للجميع

    العوافي دائماً والتحيات وعذراً ع الإطالة

    • أدون · مارس 15, 2010

      مراحب حسّون،

      اللي حكيته كتير مهم. الصفحة اللي بتجمع كل المدونات اللبنانية ب feed واحد انطرحت أوّل شي، ولازم لمن الموضوع ينضج تكون أوّل شي بينعمل.
      الشغلة التانية كمان كتير مهمّة، لأن مجموع عدّد قرّاء المدوّنات كبير، فا بيقدروا يضوّوا على القضية اللي بيختاروها وبتوصل للناس. هلق بيبقى موضوع الشغل على الأرض أصعب شي، لأن مرتبط همّة ونوعيّة الأشخاص. كمان هوّي لحتى يتماسكوا المدونّين الكترونياً بالأوّل ليقدروا يخطو خطوة أبعد من هيك.

      لازم نلتقي على كل حال. هلق الاشيا مأخرة شوي، بس بالقعدة الجايي بخبرك وبتطلّ صوب بيروت.

      سلامات صديقي

  2. صرخات Abo-7ajjar · مارس 14, 2010

    بحقيقة الامر أعتقد ان علينا ألا نضخم من مساحة التدوين أعتقد انها مساحة شخصية لا تغني عن الجريدة ولا الجريدة تغني عنها …فالتدوين كوسيلة للتغير يفتقد إلى الكثير من المعايير واهمها الحامل وأعتقد ان حامل التغيير عضوية معقدة أكثر بكثير.

    تحياتي الحارة

    • أدون · مارس 15, 2010

      مرحبا أبو حجر،

      هو التدوين لا يغني عن الجريدة بطبيعة الحال، لأن معلومات الجريدة تبقى أكثر مصداقية (بالدول اللي فيها اعلام حقيقي على الأقل). طبعاً مش من المتوقّع من كل المدوّنين يكونوا أصحاب قضايا ونضالات، لكن بجميع الاحوال بتبقى هالأداة رئيسية اليوم بالتثقيف والتعبئة الاجتماعية والسياسية.

      سلامي الك

  3. sahran · مارس 14, 2010

    مرحبا أدون

    كما تفضلت , فالحرية إن لم تكن منقرضة , فهي شبه معدومة في عالمنا العربي , وهذا ما أدى بالكثير منا لأن يدخل عالم التدوين بأسماء مستعارة , وأنا منهم بالضبط ,,,

    كثيراً ما يحاول المتدينون أن يعيبوا علينا الدخول بأسماء غير حقيقية , ويتهمونا بالجبن , أو حتى بأننا عملاء صهاينة , وهذا مرده بالطبع لأنهم ليس عليهم من خوف بالبوح بأفكارهم العقيمة , بينما نعرف نحن أن السلطات لن تتسامح معنا أبداً إن خرقنا حاجز الخطوط الحمر , وما اكثرها يا طوني

    تحياااااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

    • أدون · مارس 15, 2010

      سهران العزيز،

      السلامة الشخصية هي عنصر أساسي في أي عمليّة تغيير. المدوّنين اليوم هم المقاومة السريّة حيثما يوجد أنظمة قمعيّة، ومن الغباء كشف هويتهم وتقديم أنفسهم للسلطات لكي تعتقلهم وتعذّبهم وتسكتهم.

      اعتقد أن هؤلاء المدوّنين، وانت ولاديني والرواندي وكثر من الأصدقاء هم منهم، هم أشجع وأجرأ من أي معارضة أو تجمّع أو شخصية في العالم العربي، وهؤلاء هم المستقبل.

      تحياتي لك

  4. لاديني · مارس 15, 2010

    صحيح أن المدونات مجرد مساحة شخصية يكتب من خلالها المرء ما يعن له من أفكار وأنها ذات تأثير محدود إلا أنها في مجملها تعكس قوة الانترنت وقدرتها على اختراق الأسوار ونقل الفكرة إلى المهتم بها أياً كان الكاتب والمتلقي.
    طوني..أهنئك..إجابات موزونة .. فلا هي متحمسة بإفراط ولا منكمشة يائسة ، بل موضوعية تدرس الساحة وتعمل للمستقبل.
    تحياتي لك

    • أدون · مارس 15, 2010

      عزيزي لاديني،

      انت محقّ في تعليقك تماماً. المدوّنات اليوم تتحوّل إلى أكثر من مساحة شخصية، إنها تتحوّل إلى مساحة عامّة، وإلا لما كانت السلطات تركض لحجبها كلما شعرت بوزنها في الفضاء الالكتروني، ومنهم مدونتك وهي محجوبة في أكثر من بلد.
      على أمل ان ننتقل في يوم قريب من اختراق الأسوار إلى تهديمها.

      سلامي لك

  5. nightS · مارس 15, 2010

    يوقّفوا “الغنج”
    هذا ما نحتاج إليه بالظبط!!
    أسئلة رائعة و إجابات أروع 🙂
    لنحكي بالجد 🙂 محتاجة لقائمة أو غروب حتى بأسماء المدونين بلبنان..هل لها أي وجود بعد؟؟ رح إبعتلك رسالة أسهل وأسرع إلك ولنعيم..
    سلامات 🙂

    • أدون · مارس 15, 2010

      مرحبا ليلى،

      القائمة عم يتم تجميعها شوي شوي، المدونين اللبنانيين عم يكتشوفوا بعض عن جديد، فيه ناس كانت تتابع مدوّنات بعضها البعض من دون ما يكون عندها أي فكرة انها بتعرف بعضها من قبل.

      حطّيت الحديث لحتى نوسّع النقاش بين المدونين اللبنانيين حول الفكرة. خلّينا نتراسل حول هالقصص، بركي الاشيا بتشوف النور قريباً : )

      سلامات صبية

  6. طبعاً صديقي التدوين أداة أساسية ولربما تصبح اليوم الأكثر إنتشارأ في المجتمع ..
    كنت اناقش مع أحد الأصدقاء تلك الثنائية الوهمية ” ثقافي- سياسي” و برغم أنه كان يكره ما أقوم به من عمل سياسي إلا أننا في النهاية إتفقنا على أن مجتمعنا بحاجة إلى كل رافعة ممكن أن تكون فعالة في بناء مجتمع أفضل.
    تحياتي الحارة

  7. Andalus · مارس 15, 2010

    تحية كبيرة الك ولهاني نعيم على المجهود التدويني الجبار يلي عام تقومو في من أجل نفض الغبار عن مجتمعاتنا.

    • أدون · مارس 16, 2010

      طارق العزيز، شكراً صديقي. انت مشارك كمان وبتعرف هالشي : )

      تحياتي

التعليقات مغلقة.