حرية التعبير إلى الجحيم: مناقشة في حدود “احترام المعتقدات” (1\2)

من تظاهرة لقوى دينية متشدّدة في أوروبا. الشعار المرفوع بالإنكليزية: حرية التعبير إلى الجحيم!

“لكن ماذا نفعل عندما يكون هذا الدين عقيدة لمليار من البشر..هل من اللائق اهانة البقر فى الهند؟ او اهانة تماثيل بوذا فى الشرق الاقصى؟ أليس من الاجدر مخاطبة القوم بما يفهمون؟”

من تعليق على أحد المدوّنات اللادينية

*   *   *

“من حسن حظّ البشرية أن شعار “احترام المعتقدات السائدة” تم تجاوزه خلال عصور النهضة، وإلا لكنّا حتى اليوم نحرق كلّ رجل يقول أن الأرض ليست مسطّحة”.

أدون

*   *   *

اشتعل النقاش حول حدود حرّية التعبير مجدداً بعد قضية صفحة “الله” على الفايسبوك، وهي صفحة هزليّة ادّعى منشؤها أنه الله، قائلاً فيها: “بعد مرور ما يقارب 1400 سنة على موت محمد نبيّ ومصطفاي، خشيت على نفسي من النسيان، فعمدت لإرسال نبي إليكم يذكركم بي ولأتواصل مع مخلوقاتي وعبادي مرة اخرى، ولكن وجدتكم قد لحقتم بركب الحضارة والتطور ففضلت أن أفعل المثل.. هنا فلتدعوني وتعبدوني أستجب لكم.. التوقيع: الله ربكم”.

كما هو متوقّع، انتهت القضية بهرج ومرج شمل كل الفضاء الالكتروني العربي، وهبّ عشرات الآلاف من المتديّنين يستنكرون “إهانة الدين من قِبَل شخص كافر ومجنون”. وبعد انتشار مئات الدعوات للجهاد الالكتروني واختراق موقع الصفحة من قبَل متشدّدين، تم إغلاق الصفحة في ظلّ دعوات لهدر دم منشئيها وكل من يتجرّأ على التطاول على الدين أو الله.

بغضّ النظر عن استطاعة قضيّة سطحيّة كهذه تحريك نخوة مئات آلاف العرب فيما هم نيام على قضايا وجودية أهمّ منها بكثير، تعيد هذه المسألة طرح أسئلة أساسية حول حدود حرّية الرأي وحدود احترام معتقدات الغير.

العالم العربي بشكل عام، دولاً وشعوب، يميل لوضع خطوط حمر كثيرة حول حرية التعبير، تبدأ بصحّة الرئيس ولا تنتهي عند رؤساء الطوائف والرموز الدينية. اختراق هذه الخطوط لا يؤدي فقط إلى تحرّك أجهزة الأمن، بل إلى ردّة فعل قاسية من المواطنين نفسهم وهذا ما ننوي مناقشته تحديداً.

*   *   *

حين يتحوّل المواطنون إلى محكمة وشرطة

بالنسبة لبعض المتشدّدين الدينيين الذي دعوا لإغلاق صفحة الله مثلاً، لا يمتلك الإنسان حرّية الاعتقاد كأن يكون ملحداً، فالإلحاد بحدّ ذاته هو تهمة. وكان أحد المواقع الإسلامية باسم (المرصد) اتّهم منشئي الصفحة أنهم “إلحاديون” و”ناشطون من أجل التنصير”.. يبدو أن التنصير هو تهمة أيضاً.

من الواضح في هذه الحالة أن “احترام المعتقدات” بالنسبة لهؤلاء هو من جهة واحدة فقط: يجب على الآخرين احترام معتقداتهم، ولو كانت غير منطقية، ولو كان فيها تحقير للآخرين. وفي الوقت نفسه، هم يعتبرون أن من حقّهم أن يهدّدوا غير المؤمنين وأن يعدوهم بالنار ويتوعّدوهم بهدر دمائهم من دون أن يشعروا أن ذلك يتناقض مع مطالبتهم الأولى باحترام معتقداتهم.

هنا نرى ظاهرة جديرة بالدراسة في مجتمعاتنا، هي تحوّل المواطن إلى محكمة وشرطة، لمجرّد أنه وضع نفسه في خانة الدفاع عن “المقدّس”. وهذا انقلاب في الأدوار بالمقارنة مع ما كان يحدث مثلاً منذ عقدين، حين كان القادة السياسيون والدينيون هم من يحرّض الجماهير على التحرّك لقضية معيّنة لها علاقة بالمقدّسات، كقيام مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني بإهدار دم سلمان رشدي بسبب كتاب “آيات شيطانية”. فتوى الخميني وقتها كانت كافية لتحريك آلاف المسلمين حول العالم ورفع سلمان رشدي إلى مصاف العدوّ رقم واحد لـ”الأمّة الإسلامية”. والخطير في انقلاب الأدوار هذا هو أنه فيما كان يمكن في الماضي القول بسهولة أن المشكلة تكمن في الحكّام السياسيين والأنظمة الفاسدة، وأن المجتمع بشكل عام سليم ولا يحتاج سوى للإيقاظ، يمكننا القول اليوم بكل سهولة أيضاً، أن المشكلة باتت تشمل المجتمع لا فقط الحكّام. إن المجتمع قد يكون استيقظ فعلاً، وهو غاضب يصرخ، لكنه فتح عيناه على القضية الخطأ، وصوته يعلو من أجل مسائل لا تغيّر قيد أنملة في واقع حياته. عند تفكيك هذه الحالة المجتمعية سنجد أن العديد من المسلّمات السياسية والثقافية والاجتماعية التي اندثرت في الماضي، قد عادت واستيقظت معه، وهي التي ترسم حالياً الخطوط الحمر لحياتنا العامّة والخاصة.

ومن الشعارات التي تبرز أولوية معالجتها هو من دون شكّ شعار “احترام المعتقدات”، أو “المسّ بالمعتقدات”. وهو شعار وقع الجميع في فخّه، حتى غلاة الليبراليين، حتى بات اليوم العنوان الأكثر شعبية لكلّ من يريد إظهار نفسه بمظهر المدافع عن القيم والعرض والدين أو حتّى الحريّة. هو شعار برّاق وجميل وفيه نغمة “حداثوية”، لكن هل هو حقاً من أعمدة الحرية المعاصرة أو هو أحادية القرون الوسطى المتنكّرة بأبجدية القرن الواحد والعشرين؟

(الجزء الثاني: من احترام المعتقدات إلى الصراع الفكري)

13 comments

  1. Yassin · أبريل 8, 2010

    بانتظار الجزء الثاني فهو موضوع مهم جداً و متجدد…

    تحياتي

    • أدون · أبريل 13, 2010

      شكراً لك ياسين،

      تحياتي

  2. لاديني · أبريل 9, 2010

    تتحدث عن موضوع حساس بقلم يشبه مبضع الجراح البارع
    وأنوه هنا للقول مأثور
    ( الناس الذين لا يريدون أن يضحك أحد على معتقداتهم يجب ألا يكون لهم معتقدات مضحكة)
    والواقع يقول أن السكوت عن كشف خلل معتقد ما بدعوى الاحترام سيعيدنا إلى عصور الظلام ويلغي رحلة طويلة قطعتها البشرية من أجل كشف الحقائق

    على المؤمنين أن يعوا بأن دراسة ما يقدسونه على بساط العلم والمنطق لا يعني إهانتهم ، فهم محل احترام بلا شك لأن فيهم أهلنا وناسنا ومعارفنا وأصدقائنا وإخوتنا في الإنسانية ، ولكنه ببساطة غير مقدس بالنسبة لنا ونحن نقيمه على هذا الأساس ، لأن أي تقييم منطقي محايد يستدعي نزع التقديس والهيبة كأول خطوة للخروج بحكم صحيح.

    بانتظار البقية عزيزي على أحر من الجمر
    ثم للحديث بقية
    تحياتي لك

    • أدون · أبريل 13, 2010

      لاديني العزيز، أبدعت باختصار المسألة، تناول أي فكر بالمناقشة والتفنيد لا يشكّل إهانة وإلا لكنا لا نزال حتى اليوم ممنوعين من أن نجرؤ على القول أن الأرض مدوّرة كما كتبت في المقدّمة.

      سلامي لك

  3. hanibaael · أبريل 9, 2010

    امدّنا بالجزء الثاني، امدّك الله عزاً
    😀

    تحياتي ادون

  4. كُوفيَّة · أبريل 10, 2010

    ..

    المفروض الانسان ياللي بيحترم دينو يحترم الدين الآخر. بس فرضية الاستهزاء ولا دين بيقبلها. يعني انا ما بقبل حد يستهزئ بديني بس مرح روح واستهزئ بدينو وردلو اياها 🙂 ..

    وبالنسبة لصفحة اللي عمل نفسو ” الله ” ، مو كأنو كبروا الموضوع زيادة عن اللزوم؟ يعني واحد طق ببالو يلعب بعقول الاف المسلمين بكبسة زر، ويا للغباء تلت ترباع الناس تجاوبت معو 🙂 ، انو قال يعني رح يوقف الصفحة في حال حد شتمو ولا في حال حد حكي عليه 😀 وأعلن النصر لانو الصفحة أغلقت والاعلام – اعلامنا السقيم – اهتم بهالحركة السخيفة كلها.
    *
    الحرية على أية حال ما عمرها كانت مطلقة. حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر.

  5. كُوفيَّة · أبريل 11, 2010

    …..

  6. كُوفيَّة · أبريل 11, 2010

    حاولت رد مبارح اكتر من مرة بس ما كان ينفع.
    *
    كنت أحاول القول أنه لا يوجد إنسان في هذا الكون يقبل أن يُستهزئ بدينه. أنا لا أقبل أن يستهزئ مثلاً أحد بديني ولكنني لن أقوم بالمثل وأستهزئ بدينه. هي عملية بسيطة تتمحور حول : كيف تتقبل وتتحاور مع المختلف.

    بالنسبة لصفحة مدعي الألوهية. أظن أنها أخذت أكبر من حجمها. ولا أعرف لم عمل الإعلام على تضخيم القضية بهذا الشكل، اللي بسمع بقول انو في ألف شخص صدقوه 🙂 – والغريب قيام العديد بالرد عليه وشتمه رغم أن كل همه كان إرباكهم فقط والحصول على بعض المرح :] ، بكبسة زر صغيرة استطاع أن يستفز الآلالف رغم إيقاني الشديد بأن قلة قليلة من تلك الأشخاص تقوم بواجبها الديني …

    • أدون · أبريل 13, 2010

      كوفية مراحب صبيّة،

      لا أحد يقبل أن يستهزأ أحد بمعتقداته وهذا أمر بشري طبيعي، وبرأيي الشخصي الاستهزاء هو أضعف أساليب النقد وأسوأها لأي فكر كان. لكن اعتقد أن هناك فرق واسع بين احترام الإنسان الذ ينتفّق عليه، وبين أن نسكت على معتقدات لا نتفّق معها بحجّة احترامها.
      المشكلة التي أتحدّث عنها هنا هي أن أي نشاط فكري تعبيري، حتى الاستهزاء، لا يجب أن يتم اعتباره جريمة وإلا لانتهينا كلّنا بألسنة مقطوعة وظهور متقرّحة من أسواط المتشدّدين. الله، إن كان موجوداً، لم يعط سلطة لأحد لانتزاع حياة إنسان آخر، لكن المتشدّدين الدينيين يعتقدون أن الله خوّلهم حمل السيف باسمه والأمثلة كثيرة، تبدأ من قيام متشدّد ديني باغتيال المخرج الهولندي فان غوغ عام 2005 وصولاً إلى صفحة الله على الفايسبوك.

      سلامي لك

  7. Hapy · أبريل 11, 2010

    احترام المغتقدات

    طيب
    واللادينية ده مش معتقد ؟؟؟
    الالحاد \ الوجودية كلها معتقدات
    ليه احترام المعتقد لازم يبقى ديني فقط

    المجتمع العربي بيعاني من الدونية وانعدام الهوية
    والحاجة الوحيدة اللي بص حواليه لاقيها ممكن تفرقه عن غيره هي الدين فأخده هوية
    يعني الدين كارنيه انتماء ومش مهم انتماء لايه اهه انتماء لاي حاجة والسلام

    • Carolina · أبريل 11, 2010

      الأرجح إن المجتمع بيعاني من انفصام حاد بكل الشخصيات الألف وأربعمية اللي بيعتقد إنه بيملكها : p

      • Hapy · أبريل 12, 2010

        بالفعل كارولينا
        فالوجوه لا يمكن حصرها

        • أدون · أبريل 13, 2010

          أحسنتِ يا هبة، احترام المعتقدات في بلادنا هو ذا وجه واحد فقط: على كل من هو مختلف احترام كل ما هو سائد تحت طائلة الإلغاء.

          طوّلتي الغيبة بنّوت، بالانتظار دائماً

          لنلون، مراحب.
          مفتقد هالحدّية بالتعاطي مع مجتمع فايت بتاسع نومة من شي دهر.
          ضلّي بخير

التعليقات مغلقة.