علمانيون يناقشون أحزابهم «العلمانية»: جنوح فكريّ وضعف.. ومشاركة في تقاسم الجبنة

التحقيق التالي للصحافية حياة الحريري، نُشر في جريدة السفير اليوم 21 نيسان 2010، غداة “المسيرة العلمانية” التي ينظّمها علمانيون ومستقلّون في بيروت يوم الأحد المقبل. وتضمّن التحقيق حديثاً مقتضباً لنا ولأصدقاء علمانيين حول وضع العلمانية في لبنان، وننقله لتعميم النقاش حول هذه المسألة أملاً باستكماله مع باقي الأصدقاء العلمانيين على صفحات المدوّنة، خاصة أن انحسار العلمانية في لبنان والعالم العربي وتوسّع الغول الديني على حسابها لا يزال أحد أهمّ أسباب مشاكلنا في الوقت الحالي، وخاصة أيضاً أن النقاش حول أسباب انحسار العلمانية لم يأخذ حقّه أبداً في الأوساط الشبابية على وقع خطاب “أولوية مواجهة العدو” وعلى وقع المزاحمات والتبريرات الحزبية الضيقة.

* * *

نصّ التحقيق:

علمانيون يناقشون أحزابهم «العلمانية»: جنوح فكريّ وضعف.. ومشاركة في تقاسم الجبنة

(جريدة السفير اللبنانية: المصدر)

حياة الحريري

لا يختلف اثنان على ضعف الأحزاب العلمانية في لبنان، إن لم يكن غيابها التام. علمانيو الأمس، الذين رفعوا الشعارات في أحزابهم منددين بالمحاصصة والطائفية والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، التقوا اليوم مع الأحزاب الطائفية، هذه التي يعتبرونها علّة لبنان، والسبب الرئيسي في ما نعيشه اليوم. وعند السؤال، تنهال عليك النظريات والتفسيرات بضرورة المشاركة في وليمة تقاسم الجبنة، «وإن مكرهين». ذلك أن «الوعي الوطني» عند هذه الأحزاب يفرض عليها ألا تبقى مكتوفة الأيدي والإرادة، لتترك لهؤلاء الطائفيين أن يسرحوا ويمرحوا وحدهم في لعبة الانقضاض على ما تبقى من مغانم.
هي ازدواجية إذاً، تعيشها هذه الأحزاب. فمن جهة، لا تنفك ترفع الشعارات وتهاجم النظام السياسي القائم، ومن جهة أخرى، تبيح لممثلين عنها الدخول في اللعبة السياسية، لا بل في كثير من الأحيان «تروّض» مبادئها حسب ما تقتضيه الظروف والتحالفات، إذ لا يجوز «تعكير» صفو الحلفاء السياسيين، الذين كانوا «العدو الأول» في وثائقها وخطابات زعمائها.

في المقلب الآخر، شباب علمانيون، بعضهم يبرّر لأحزابه «جنوحها» الفكري أو العملي، فاختار أن يكمل الدرب معها. والبعض الآخر اكتشف أن المبادئ التي تربّى عليها والحماسة والأمل في التغيير، لا يمكن أن يكون عبر أي حزب في لبنان، أكان يسمي نفسه علمانياً، أم ذا صبغة عقائدية.. «فكل الأحزاب متشابهة».
يحمّل طوني صغبيني (مستقل) الجيل القديم مسؤولية الواقع الذي وصل إليه العلمانيون الشباب اليوم. «ورثنا علمانية فردية، وجدنا أنفسنا أفراداً منعزلين، لأنه لا وجود لمؤسسات فعلية تجمعنا. لم يترك لنا الجيل الذي كان قبلنا حتى فتات مؤسسات». لكنه في الوقت نفسه، لا ينفي مسؤولية العلمانيين الشباب. «كنا نراهن على الأحزاب العلمانية الموجودة في البلد إلا أنها لم تستوعبنا ولم تستطع أن تكون أداة تغيير. لذا، نحتاج إلى المزيد من الوقت لنكون فاعلين».

ويعتبر صغبيني أن الأحزاب العلمانية بعد الحرب الأهلية، «اختارت أن لا تواجه بحجة التحالفات السياسية». والمطلوب، برأيه، أن تقوم حركات منظمة جدية، تعمل على الصعيد الشعبي مع الناس، وليس كما يحصل اليوم، حيث «دخلت الأحزاب العلمانية اللعبة السياسية والطائفية».
«من يقول إن لديه مشروعاً علمانياً في وسط الفوضى القائمة، هو شخص يدّعي فقط». هكذا يلخص وليم محفوض (قومي سابق) موقفه من الأحزاب العلمانية اليوم. فالمشكلة الأساسية بالنسبة إليه، هي في غياب المشروع والإرادة عند هذه الأحزاب «التي تحوّلت إلى مجرّد أحزاب تابعة.. وإلى ملحقين للحسابات المصرفية».
ويسأل محفوض الأحزاب التي تدعي أنها علمانية: «أين علمانيتهم؟». هو يعتبر أن لا أحزاب علمانية في لبنان، بل «إن ما هو موجود اليوم هو بعض الشباب الذين أتوا من خلفيات منفتحة ومتنوعة. والباقي هو مجرد بكاء على الأطلال من خلال التظاهرات والشعارات». وبشيء من الغضب يضيف: «أريد أن أسألهم، ما هو المطلب العلماني الذي مارسوا كل الوسائل والضغوط الاجتماعية والسياسية ليحققوه؟».

كما يسخر محفوض من القائلين بأن العائق الأساسي أمام عمل الأحزاب العلمانية هو الطائفية، معتبرا أن ذلك «تسخيف للمسألة». فالمشكلة برأيه هي أبعد من ذلك بكثير، بل هي «أزمة على كل المستويات في بلد خلق ليكون أزمة». ويضيف: «منذ الانتداب إلى اليوم، يشهد لبنان إما هيمنة طرف خارجي على النظام السياسي، أو حالة بلبلة أو حروب أو اختلال في النظام، وبالتالي يعيدنا ذلك إلى الحالة الأولى».
هذه المقاربة لأزمة النظام السياسي في لبنان، يوافق عليها عمر كبول (ناشط سابق في اليسار الديموقراطي) الذي يعتبر أن المشكلة الحقيقية وراء عدم نجاح أي مشروع علماني هي في النظام السياسي القائم منذ الانتداب. «منذ لجنة كينغ – كراين، كان هناك طرف خارجي يعطي امتيازات لطرف سياسي معين، فنشأ الكيان اللبناني على ثقافة الفساد. نسيج المجتمع اللبناني مفكك، لأننا لم ننجح في أن نحسّن كل ما خلفته الاحتلالات المتواصلة على مرّ التاريخ».

أما فشل الأحزاب العلمانية، فيعود بنظر كبول إلى «الشخصانية والاستئثار في العمل، إضافة إلى غرقها في ثقافة الفساد حيث استفاد الجميع من المحاصصة وقضموا من الخزينة».
على مر التاريخ اللبناني وحتى اليوم، ليس هناك أي تجربة علمانية ناجحة، بحسب كبول. «الائتلاف الأكثر فاعلية كان الحركة الوطنية. كان لديهم برنامج، لكنه سقط في زواريب المصالح الضيقة». من هنا، يطالب كبول اليوم بإقامة ورشة وطنية، قبل أن تقام التظاهرات التي لن تؤدي إلى أي إنجاز حقيقي.

هي خيبة أمل عاشها باسل أبو كروم (قومي سابق) في تجربته الحزبية. فمن المخيمات إلى الحماسة والشعور بقوة التغيير، اكتشف أبو كروم عند التزامه بالحزب الفرق الشاسع بين الشعارات والتطبيق على الأرض. «كنت أتوقع أن أرى روحية أخرى. المسألة هي أنه إذا لم نستطع أن نغيّر داخل الحزب، فكيف سنغيّر المجتمع؟».
يعتبر أبو كروم أن «الأحزاب العلمانية فقدت هويتها ودخلت في مشاريع أخرى، مثل التسويات السياسية على حساب المبادئ ومشاركتها في الحروب الداخلية». من هنا، فإن الأحزاب العلمانية، التي تغلبها النزعة الفردية، لا تختلف بنظره عن باقي الأحزاب السياسية الموجودة في لبنان.

لا يعترف أبو كروم بوجود أحزاب علمانية في لبنان، بل أفراد علمانيين. وهو الذي يصف نفسه بالواقعي أكثر منه بالمتشائم، لا يأمل كثيراً بانتشار الوعي بين الناس، في ظلّ وجود «الغول الطائفي»، لأنه ليس هناك بديل للناس. «يجب تقديم البديل عن الأحزاب الطائفية، وهذا صعب. إذا لم يكن هناك تنظيم يؤمن البديل، فلن نصل إلى أي تغيير حقيقي مهما تظاهرنا».

بدوره، يرى عطا الله سليم (الحزب الشيوعي) أن الحرب الأهلية تركت آثاراً سلبية على الأحزاب العلمانية، أدت إلى تهميشها. وهو إذ يقرّ بانخراط بعض القوى العلمانية إلى جانب الطبقة الطائفية، يؤمن بأن «السبب الأكبر وراء تهميش هذه القوى هو استقلاليتها ورفضها الخضوع لأرباب الطوائف».
يتفق سليم مع غيره على صعوبة أن يلعب العلمانيون اليوم دوراً فاعلاً، «في ظل سيطرة الأحزاب الطائفية على القطاعات التي تشكل قوة ضاغطة، مثل الإعلام والنقابات وبعض المجتمع المدني». لكنه في الوقت نفسه، يحمّل القوى العلمانية مسؤولية هذا الواقع، معتبراً «أنها لم تقم بجهدها للسيطرة على هذا الوضع، وذلك بسبب خلافاتها الداخلية أولا وقبل كل شيء».

9 comments

  1. sahran · أبريل 21, 2010

    عزيزي طوني مرحباً بك

    من خلال متابعتي المتواضعة لحال السياسة عندكم وجدت أن الطائفية هي المبدأ الأول الذي تسير عليه القوى الكبرى في لبنان قاطبة ,
    على سبيل المثال عندك الحزب التقدمي الإشتراكي , ومن اسمه يفترض أن نظن به أنه حزب لاديني ولا طائفي لنكتشف أنه حزب للدروز في لبنان ,,

    أيضاً عندكم ميشيل عون الذي لطالما تحدث عن علمانيته , وفي ذات الوقت يطالب بأن يكون هو ممثل المسيحيين والمدافع عنه ,,
    وخذ عندك بقية الأحزاب على نفس المنوال تقريباً

    المسألة في النهاية هي أنه بلفعل قد يوجد أناس علمانيون , ولكن الغائب الأكبر هو الأحزاب العلمانية

    تحيااااااااااااااااااتي لك

    ودمت سالماً

    • أدون · أبريل 21, 2010

      “المسألة هي أنه قد يوجد أناس علمانيون ولكن الغائب هو الأحزاب العلمانية”..
      أبدعت يا سهران. هاي هيي

      تحياتي صديقي

  2. جوعان · أبريل 21, 2010

    الموضوع مهم يا صديقي صحيح، بس اعتقد أن المعالجة من قبل الكاتبة كانت ضعيفة جداً، يعني عرض المشكلة كان دون المطلوب وبأقل مساحة.. ولا حلول واضحة على لسان المقال.
    بس طبعاً بكرر، الموضوع مهم كفكرة وكموضوع نقاش
    يمكن نقاشه قريباً على شي كباية قهوة 😀
    تحياتي رفيقي

    • أدون · أبريل 21, 2010

      مراحب رفيق خضر مشتاقين،

      ولو خيي ليش بيضل افش شي عاجبك؟ : p

      بخالفك بالرأي حول معالجة الكاتبة، لأن بالنهاية هيدا مقال صحافي مش أطروحة دكتوراه :p ، وانت بتعرف قديش المساحات الصحافية ضيقة، ومش شغلة المقال تقديم حلول لأن هوي نقل لآراء الشباب مش مقال رأي أو مقال أكاديمي.
      فضلاً عن أنه الحلّ بيتخلّص بجملة وحدة “ضرورة وجود مؤسسات علمانية” إن كان أحزاب أم مؤسسات تربوية أو شو ما كان، وأكتر من هيك منكون عم ندخل بالتفاصيل.

      المهم، اللي فهمتو انك عازمني على قهوة : D

  3. lovanlife · أبريل 22, 2010

    بدا جلسة سحلب p:
    الموضوع اكتر من مهم … بس كعلمانيين مش رح نقدر نعمل شي اذا ضلينا كل واحد قاعد لحالو .. العمل الحزبي شي اساسي لنقدر نغيّر, يعني قد ما نحكي مش رح نقدر نعمل شي و رح يضل شغلنا مفرّق و ما عم يعمل تراكم .. الاحزاب العلمانية مسؤوليتنا كمان

  4. رجل من ورق · أبريل 22, 2010

    بدا قعدة على كبة مشوية
    كتير مهم الموضوع طوني لابد من تنظيم الامور زي ما قال ميدو بس بنفس الوقت مش انو نعود لترهل الاحزالب الحالية

  5. alijdalloul · أبريل 22, 2010

    لقد نسي اللبنانيون أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية,مما جعلهم ضحايا الطائفية التي كلما حاولنا التقدم خطوة الى الأمام..ترجعنا 100 خطوة الى الوراء..
    ناطرين مقال عن عيد العمال(;

  6. أدون · أبريل 23, 2010

    محمّد، اي عم بسمع بجلسات السحلب اللي عم تعملوها من ورا ضهرنا : p
    أكيد ما منقدر نعمل شي كل حدا لحالو، والعمل المنظّم هو أساس أي عمل منتج، لكن للأسف صديقي الأحزاب الموجودة هلق صعبة تقدر تستوعب كل العلمانيين، إما لانها صارت مهترية على الآخر، إما لأنها حملة أيدولوجيا ما بتتوافق مع قناعاتهم الفكرية.

    طارق العزيز،
    فتحنا طاولة طويلة عريضة : D
    برأيي نترك الأحزاب الحالية تموت غير مأسوف عليها من دون إضاعة وقتنا بمحاولة إنعاش أجسامها الميتة. الأفق لازم يكون امامنا مش ورائنا.

    علّوش،
    رح بلّش حضّر مقال “قصير” من هلق : )

    تحياتي

    • alijdalloul · أبريل 23, 2010

      كل جملة قالها أدون و كل سطر كتبه,يستحق القراءة 😉

التعليقات مغلقة.