عن الفضلاء (نيتشه)

فريدريش نيتشه (1844 - 1900)

“جمالي يضحك منكم اليوم أيها الفضلاء، وقد تناهي لي صوته قائلاً: “ويريدون أيضاً أن يُدفع لهم أجر!”.

تريدون أن يكون لكم أجر، أيها الفضلاء! تريدون جزاء على فضيلتكم وسماءً مقابل الأرض، وخلوداً مقابل يومكم هذا؟[1]

وها أنتم تسخطون عليّ الآن لأنني أعلّم أن لا محاسب ولا موزّع أجور هناك؟[2] والحقّ أقول لكم إنني لا أعلّم حتى بأنّ للفضيلة جزاء في ذاتها.

أواه، هذا هو الذي يحزنني: في عمق الأشياء دُسَّت أكذوبة الأجر والعقاب. والآن هي ذي تندسّ أيضاً في عمق أرواحكم أيّها الفضلاء!

لكن لتكن كلمتي مثل خطم الخنزير الوحشي، تقوّض قاع أرواحكم؛ سكة محراث أريد لكم.

ولتُطرح كل خفايا دخيلتكم خارجاً في الضوء؛ وعندما تنطرحون تحت الشمس تربة مقلوبة، مفتّتة، عندها تُفصل أكاذيبكم عن حقيقتكم.

إذ هذه هي حقيقتكم: أنتم أكثر نقاءً من أن تتلوثوا بقذارة هذه الكلمات: انتقام، عقاب، جزاء، ثأر.

تحبّون فضيلتكم محبّة أم لطفلها؛ لكن متى سمعتم بأم تبتغي أجراً على حبّها؟”

(…)

وهناك أيضاً أولئك الذين يقبعون في مستنقعهم ويتكلمون من خلال قصبة: “الفضيلة أن تجلس ساكناً داخل المستنقع. إننا لا نعضّ أحداً ونبتعد عن طريق من له رغبة في أن يعضّ وفي كل أمر لنا الرأي الذي أعطي لنا”.

وهناك أيضاً أولئك الذي يحبّون الحركات ويفكّرون: الفضيلة نوع من الحركات. تراهم جاثين على ركبهم متعبّدين وأيديهم تتحرك بالتسبيح للفضيلة، وليس في قلوبهم من إدراك لشيء من ذلك[3].

وهناك أيضاً أولئك الذي يعتقدون أن الفضيلة في قولهم: “إن الفضيلة أمر ضروري”، لكن في أعماقهم لا يعتقدون إلا في أن الشرطة ضرورية[4].

وبعضهم ممن لا يستطيع أن يرى السمو الذي في الإنسان[5]، يسمّي فضيلة أن ينظر عن قرب إلى كل ما هو خسيس فيه: وهكذا يسمّي نظرته السيئة فضيلة.

(المصدر: فريدريش نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، ص 182-185).

ملاحظات:

[1] هنا يبدو أن نيتشه يقصد الذين يمارسون الفضيلة طمعاً بالخلود في الجنّة، ولعلّ كلمة الأجر التي استعملها نيتشه أفضل كلمة تنطبق على “فضلاء” الدين الموعودين مقابل فضيلتهم بأن “يعظّم الله أجرهم” بعد الممات.

[2] المقصود الله.

[3] الذين يعتقدون أن الصلاة بحد ذاتها هي فضيلة من دون أن يكون هنالك أي مكان للفضيلة في قلوبهم.

[4] هذا هو في الواقع جوهر الدين – بالنسبة للدينيين: فالدين بالنسبة لهم هو ضمانة الفضيلة ومن دونه لا مكان سوى للرذائل. والدين بهذا المعنى هو شرطة تمنع الإنسان من “الانحراف”. يتحدّث المتطرفون الدينيون كثيراً عن الفضيلة، لكنّهم في الواقع لا يقصدون سوى “الشرطة”، وهناك أمثلة “حيّة” عن هذا النوع من الشرطة في عالمنا العربي.

[5] هذا الاعتقاد هو أيضاً محور طرح الأديان الابراهيمية، ففضلاً عن أن الأديان السماوية تقوم على اعتبار أن الطبيعة البشرية منحطّة في جوهرها وبحاجة لضابط خارجي (الدين) لضبطها، هي أيضاً تقوم على فكرة أن الإنسان عبد وقاصر العقل والإدراك عن فهم الوجود، وُلد في الخطيئة، وبحاجة لخلاص وتطهير ووضوء من نفسه.

2 comments

  1. Kenan Alqurhaly · مايو 18, 2010

    كلمات منعشة للفكر

  2. hapy · مايو 27, 2010

    تصرف مع طفل على انه وحش
    سينضج على الاعتداء والتوحش
    ولضبطه ستوهمه ان قوته مثل شمشون ولكنها تكمن فياالسوط الذي تؤدبه به

    فيه فيلم كان باتمان ومعاه ارنولد و ممثلة اسمها في الدور ايفي السامة كانت معاها شخص هائل القوة تدوس على الزر انطلق فيعمل اللي بتأمره بيه ولا يؤذيها رغم انها اضعف منه جسمانيا لكنها تتحكم بعقله فتديره بالريموت

    – وخكذا تحدث ساحر القبيلة – عن اثر الدين في المجموع

    اخيار مبهج لي شخصيا يا طوني

التعليقات مغلقة.