العـــودة مـــن البـــاب الخطـــأ

المقال نقلاً عن جريدة النهار اللبنانية للأب جورج مسّوح (الرابط) – وهو مقال مهم يعالج إشكالية عودة الدين إلى الحياة العامة تناوله الكاتب وهو رجل دين بشجاعة وصراحة تامّة، رغم أننا لا نوافق الأب في أن المشكلة هي مشكلة ثقة بالأديان إنما هي في رأينا مشكلة في طبيعة الدين المنظّم القائم على فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة والذي يعتبر أن من حقّه التدخّل في حياة الناس والذي تقوم تصرّفاته السياسية والاجتماعية على تصنيف الناس بين مؤمن صالح له الجنّة وكافر فاسد مصيره النار.

*   *   *

العـــودة مـــن البـــاب الخطـــأ

الأب جورج مسّوح – جريدة النهار

أن تقرأ الأخبار الدينيّة بالجملة غير أن تقرأها بالمفرَّق. قلقك حين تقرأ هذه الأخبار بالجملة أكثر بكثير ممّا لو كنت تقرأها بالمفرّق، إذ بعد فراغك منها تدرك إلى أيّ قاع انحدرت العلاقات ما بين أهل الديانات وأهل المذاهب والطوائف، وأين بلغ الانحطاط الأخلاقيّ عند بعض الناطقين باسم الديانات، وفي أيّ فضاء معتم تتمّ مناقشة بعض القضايا الدينيّة التي لا تليق حتّى بزمن القرون الوسطى في أحسن الأحوال.
فإذا عرضنا بعض الأخبار السريعة التي نُشرت على هذه الصفحة (أديان ومذاهب) من “النهار” على امتداد بضعة أسابيع فماذا ترانا نجد؟ عناوين ذات أبعاد أخلاقيّة، شأنها في الحقيقة أن تسيء إلى أهل الديانات، وذلك من قبيل: “ثقة الإيطاليّين بالبابا والكنيسة تراجعت” بسبب عدم رضاهم عن ردّ فعل قادة الكنيسة تجاه حوادث استغلال الأطفال جنسيًّا، أو “وزيرة العدل الإلمانيّة: الفاتيكان يعرقل التحقيق (في حالات الاستغلال الجنسيّة في عدد من المؤسّسات التعليميّة الكاثوليكيّة في ألمانيا)”، و”اعتقال هندوسيّ شهير لمغازلته امرأتين (في آن واحد)”، و”إمام مسجد (في دبي من التابعيّة الهنديّة) ينفي الاعتداء على طفل”. صحيح أنّ تعاليم الديانات كافّة تشدّد على اكتساب الأخلاق والسلوك بمقتضياتها، غير أنّ بعض مَن يخالفها بين القادة الروحيّين يجعل العديد من المؤمنين يفقدون الثقة بمن يُفترض بهم أن يكونوا قدوة لسواهم.
ثمّة عناوين أخرى تشير إلى توتّر العلاقات ما بين أبناء الديانات والمذاهب من قبيل: “54 في المائة من النمسويّين: الإسلام تهديد للغرب”، و”مسلمون يقاطعون مؤتمرًا في ألمانيا” لدعم اندماج أربعة ملايين مسلم ألمانيّ، و”وزير الأوقاف المغربيّ السابق يحذّر من المدّ الشيعيّ”، و”اعتقال شيعة في السعوديّة لإقامتهم شعائر”، و”إحدى الحركات الإسلاميّة تمنع قرع الأجراس في مدارس صوماليّة” لأنّ صوتها يشبه صوت أجراس الكنائس، و”رعاة مسلمون يقتلون مزارعين مسيحيّين في نيجيريا”، و”سبعون موظّف إغاثة مسيحيّون طردهم المغرب”، و”ألمانيّ يُسجن لمحاولته قتل شهود يهوه”، و”اغتيال كاهن كاثوليكيّ في الهند”، و”بناء مسجد في نيويورك يثير غضبًا”. هذه الأخبار وسواها (لم يتّسع المقام للحديث عن أزمة النقاب في فرنسا وأزمة المآذن في سويسرا وأزمة الكاريكاتور في الدانمارك، أو للحديث عن الأزمات الطائفيّة والمذهبيّة في العراق ومصر ولبنان) تدلّ إلى مستوى التردّي الذي بلغته العلاقات بين الجماعات الدينيّة، حيث العنف وعدم احترام الآخر المغاير هما السمتان البارزتان على سطح هذه العلاقات.
النوع الثالث من العناوين يدلّ إلى تأخّر الخطاب الدينيّ عن العصر قرونًا، فنقرأ على سبيل المثال: “دفاعًا عن الاختلاط  ما بين الرجال والنساء” و”دفاعًا عن حقّ المرأة بقيادة السيّارة” ذلك أنّ هذين الأمرين ما زالا ممنوعين في بعض المجتمعات، و”حاخام أطلق النار على تلميذه لتقويمه”، و”طلاق بعد نتف الحواجب” على إثر خلاف فقهيّ بين الزوجين، و”إبدال الغامدي (مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – الشرطة  الدينيّة) بعد سماحه بالاختلاط بين الجنسين”، و”اعتراض سعوديّ على الصليب في شعار تجاريّ”، و”بين العلاقات الجنسيّة غير المشروعة والهزّات الأرضيّة” حيث حمّل آية الله صدّيقي العلاقات الجنسيّة غير المشروعة “مسؤوليّة ارتفاع عدد الهزّات الأرضيّة، وبأنّ الكوارث الطبيعيّة هي نتيجة تصرّفاتنا الشخصيّة”. كل هذه العناوين وسواها لا تعبّر سوى عن أزمة الخطاب الدينيّ الذي يمسّ جوهر الحقوق الإنسانيّة، أو ذلك الخطاب الذي يردّ أسباب الأشياء الحاصلة إلى عوامل غيبيّة لا تغني ولا تسمن.
السنوات العشر الأولى من هذه الألفيّة الجديدة، التي ساد الاعتقاد بأنّها سوف تكون ألفيّة عودة الديانات، تبدو غير واعدة البتّة. فالخطاب الدينيّ ما زال الرافعة الأساسيّة للعنف السائد في العديد من بلاد العالم. وما زال هذا الخطاب عاجزًا عن الإقرار بالحقوق الموضوعيّة، وبخاصّة على الصعيد الفرديّ. أمّا على الصعيد الأخلاقيّ فالفساد يطغى على العديد من المؤسّسات والأفراد ممّا يزعزع الثقة المبتغاة بين المؤمنين وقادتهم الدينيّين. هي بالفعل عودة الديانات، إنّما من الباب الخطأ.
متى ستُرمّم الثقة؟ هذا هو السؤال.