(2\4) من الشاشة إلى الساحات: التدوين اللبناني في العمل

(لقراءة الأجزاء السابقة:

التدوين كمطرقة: مقدّمة البحث

الجزء الأول: البلوغوسفير اللبناني: نظرة عامة على المدونات اللبنانية)

*    *    *

الجزء الثاني: من الشاشة إلى الساحات: التدوين اللبناني في العمل

يمكن اعتبار حوادث القمع الأمني للمدونين والناشطين الالكترونيين في الأشهر الأخيرة على أنها اعتراف غير مباشر للقوى السياسية في لبنان بتأثير وقدرة وسائط الإعلام الاجتماعي وخاصة المدوّنات. ونعتقد إن الردّ الأمني يعكس خوفاً واضحاً من الدور المتوقّع مستقبلاً لهذه الوسائط خاصة أن الفضاء الالكتروني هو خارج سيطرة الحكومة ونشطاءه غير خاضعين للتدجين السياسي أو الطائفي الذي تعاني منه الوسائل الإعلامية والجامعات والجمعيات والناشطين السياسيين التقليديين على امتداد لبنان. لا تزال العلاقة بين الفضاء التدويني والوسائل الإعلامية والقوى السياسية حتى الآن علاقة غير ناضجة رغم أنها تخطو خطوات بطيئة في هذا الاتجاه، لكنها لا تزال محكومة إما بالارتياب أو بعدم الاعتراف بالفضاء الالكتروني من أساسه.

وشهد لبنان خلال العامين الماضيين العديد من التجارب الجماعية الناجحة على الفضاء الالكتروني نجحت في نقل النشاط التدويني من التدوين الفردي إلى الحركة المنظّمة والهادفة والمرتبطة بالنشاط المباشر على أرض الواقع. لكن هذه التجارب لم تكن الأولى من نوعها، فالمعارضة اللبنانية السابقة في التسعينات وصولاً إلى العام 2005 كانت تعتمد على الانترنت كإحدى وسائلها الرئيسية للنشر والتعبئة وتحدّي النظام الأمني القائم، إلا أن ما يميّز التجارب الأخيرة أنها ليست منظّمة سياسياً بالمعنى الحزبي للكلمة، بل إن معظمها ناشىء من مبادرات فردية أو حتى من ردّات فعل عفوية غير منظّمة.

ولا بد من الحديث أولاً عن تزامن الدور الجديد للمدونات مع نقلة نوعية مهمّة في المضمون المنشور على صفحاتها. فمن التقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان على مدوّنة تريلا وصولاً إلى إذاعة الراديو المستحدثة لجمهورية الحمّص، ومروراً بالكمّ الهائل من النتاج الأدبي والقصصي والتغطيات الفنية والثقافية والمقالات النارية للعديد من المدونين، يمكن ملاحظة انتقال جزء مهم من حركة التدوين من الانتاج غير المنظّم إلى الانتاج الإبداعي والاحترافي الذي يبشّر بحصاد إعلامي وأدبي وفكري مهم خلال السنوات المقبلة.

"مشروع الرجل في المكعب": في الصورة جهة اليمين، رامي عيد "يوتوت" عن صعوبة البقاء في مكعب زجاجي في عزّ تشرين

وبالعودة لعلاقة التدوين بالنشاط المباشر، نبدأ الحديث عن إحدى التجارب الالكترونية الرائدة التي نجحت في الربط بين النشاط الفعلي على الأرض والإعلام الاجتماعي، وهو نشاط “الرجل في المكعب” الذي أقامته رابطة الناشطين المستقلين في تشرين الأول عام 2009. واقتضى الحدث أن يبقى الشاب رامي عيد لثلاثة أيام وليالي متتالية في مكعب زجاجي على عين المريسة وسط الحرّ والمياه والظروف المناخية القاسية ليحاكي النتائج المتوقّعة للتغيّر المناخي خلال السنوات المقبلة ولدقّ جرس الإنذار حول ضرورة التحرّك لمواجهته. وارتكزت الحملة الإعلامية بشكل أساسي على استعمال وسائل الإعلام الالكتروني من مدوّنة خاصة استقطبت أكثر من 5000 زائر خلال ثلاثة أيام، وحساب تويتر كان ينقل من خلاله ما يحدث معه مباشرة على الانترنت بالإضافة إلى يوتيوب وصور ومقالات حول التغيّر المناخي وتغطية الكترونية واسعة شاركت بها العديد من المدونات اللبنانية. تجربة “الرجل في المكعب” أثبتت إلى حدّ كبير قدرة الإعلام الاجتماعي منفرداً على تغطية وإيصال نشاط هادف إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور وجعل القضية محط اهتمام واسع من دون الحاجة لوسيلة إعلامية تقليدية.

ومن التجارب الأكثر فاعلية حتى الآن كانت “المسيرة العلمانية” في نيسان الماضي، والتي نجحت في استقطاب بضعة آلاف من الناشطين والمواطنين في تظاهرة علمانية مستقلّة هي الأولى من نوعها في بيروت. وابتدت التظاهرة بدعوة محدودة على الفايسبوك، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى اجتماعات وتفاؤل وتضافر قوى وجهود وانتشرت الدعوات بشكل يومي حتى اليوم الموعود في شهر الربيع. واعتمدت الدعوة للتظاهرات في جميع المراحل على الفايسبوك كأداة رئيسية، دعمّتها مساهمات المدوّنين والناشطين والمهتمّين. تجربة “التظاهرة العلمانية” أثبتت بدورها أن أدوات الإعلام الاجتماعي تمتلك القدرة على التعبئة والحشد والتنظيم حتى لو لم يكن هنالك من لجنة مركزية أو مجموعة منظّمة تقف وراء الدعوة.

التجربة الرائدة الثالثة التي نحب أن نضيء عليها هي قيام مجموعة واسعة من المدونين اللبنانيين بمراقبة الانتخابات البلدية للعام 2010 في أيار الماضي. مراقبة الانتخابات من قبل مدونين مستقلين كانت تجربة فريدة من نوعها وهي الأولى في هذا المجال في العالم العربي رغم أنه لم يكن لدى المجموعة سوى أقل من أسبوع للتحضير وميزانية متواضعة غطّتها جمعية Social Media Exchange (- SMEX. وقامت الأخيرة بالاستحصال على تراخيص من وزارة الداخلية تصادق على صفة المدونين كمراقبين، أي تعطيهم قانونياً الحق بدخول أقلام الاقتراع وكل المراكز الانتخابية ووضع ملاحظاتهم وإصدار تقاريرهم الخاصة عن العملية الانتخابية. وأنشأ المدونون موقع خاص بالعمليّة lebloggers.org نشروا عليه مراقباتهم وملاحظاتهم على العمليّة الانتخابية بشكل مباشر خلال اليوم الانتخابي، وحقّق الموقع عدد قياسي من الزيارات خلال فترة قصيرة. وتميّزت تغطية المدونين بسرعتها وبمسافتها الحميمة من الناس والناخبين والأجواء الانتخابية مقارنة مع التغطية الإعلامية التقليدية لكن شابها في بعض الأحيان بعض الارتباك والسطحية في نقل الأخبار. وأُطلق على تغطية المدونين المذكورة اسم “صحافة المواطنين” Citizen Journalism فيما رفع الموقع شعار “إعلام من المواطن إلى المواطن”. ونالت تجربتهم اهتمام الوسائل الإعلامية التقليدية التي خصّصت لهم مساحات هامة للمرة الأولى في تاريخ التدوين اللبناني على شاشات رئيسية مثل الـ LBC والمستقبل.

من المسيرة العلمانية في بيروت في نيسان 2010 (تصوير هاني نعيم - مدوّنة هنيبعل يتسكّع في الأرجاء)

تجربة هامة أخرى حصلت عند قيام الأجهزة الأمنية باستدعاء المدون خضر سلامة بسبب بعض المقالات التي ينتقد فيها رئيس الجمهورية. خلال الاستدعاء، استهزأ المحققون من الصديق سلامة عند حديثه عن أن “المدونين يتحركون في جميع أنحاء العالم كشبكة واحدة” وكان جوابهم “أنتم في لبنان”. لكن ما حصل في اليومين التاليين أثبت للمحققين العكس، إذ اجتمعت مجموعة كبيرة من المدونين الناشطين وأصدرت بياناً عنيف اللهجة ضد تصرفات الأجهزة الأمنية وأطلقت حملة الكترونية واسعة في هذا الاتجاه شاركت فيها عشرات المدونات وحرّكت العديد من منظمات الدفاع عن الحريات لاستنكار الموضوع و”منها أصوات عالمية”. وما اعتقدت الأجهزة الأمنية أنه وسيلة لكمّ الأفواه انتهى بنتيجة عكسية تماماً في ظلّ انفجار الانتقادات اللاذعة للرئيس والأجهزة على السواء على عشرات المواقع والمدونات ووصولها بالتالي إلى آلاف القرّاء بدل أن تقتصر فقط على قرّاء مدونة واحدة. التحرّك المذكور أثبت عقم القمع الأمني في زمن الانترنت لكنه لم يمنع الأجهزة الأمنية من تكرار العملية نفسها عدّة مرات أخرى مع استدعاء نشطاء آخرين في الأشهر التالية. لكن الحملة الالكترونية الفذّة وقتها أسّست لسابقة مهمة في الدفاع عن الحريات حيث تضامن المدونون من مختلف الاتجاهات مع زميل لهم بغضّ النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع مضمون كلامه. للمرّة الأولى، كان هنالك جسم يدافع بشكل موحّد وشرس عن حرية التعبير من منطلق مبدئي لا سياسي. هذه السابقة مهّدت السبيل فيما بعد لردّات فعل مماثلة عند تجدّد الاعتقالات فشهدنا حملات رفض متصاعدة في حدّتها بدءاً من اقتراح قانون للانترنت يعيد لبنان إلى عصر ما قبل الحاسوب، وصولاً إلى قضية اعتقال ثلاث ناشطين بتهمة ذمّ رئيس الجمهورية على الفايسبوك.

Source: Trella.org من ملصقات حملة المدونين المناهضة لقانون الانترنت الجديد في لبنان

وفي الحالتان، توّج الاعتراض الالكتروني بالنجاح حيث استطاع الناشطون إيقاف إقرار قانون الانترنت في مجلس النواب قبل يوم واحد من مناقشته، وساهمت جهودهم كذلك في الضغط على المحكمة والجهات السياسية لإطلاق سراح المعتقلين في قضية ذمّ الرئيس. وأعطى المدوّنون بعداً ساخراً لمعركتهم مع إطلاق تعبير “حكم الديناصورات” على السياسيين المنهمكين بكمّ الأفواه، والشعار يشير بطريقة أو بأخرى إلى قدرة المدونين على إلحاق الضرر الكبير بصورة السياسيين لدى الرأي العام والتي نعتقد أنها ساهمت بشكل كبير في الضغط عليهم خلال الحملة.

هذه التجارب تشكّل بدايات علاقة غريبة عجيبة بين المدونين من جهة وبين سلطات الأمر الواقع السياسية والإعلامية من جهة أخرى، وهو ما سنناقشه في الجزء الثالث.

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

8 comments

  1. Liliane · أغسطس 9, 2010

    Very nice round-up Tony, and I am happy to see I was part in covering all those events 🙂

    Bloggers are making history indeed.

    Keep Blogging

    • Adon · أغسطس 14, 2010

      Thank you Liliane 🙂
      I appreciate your opinion as someone who’s a pioneer in lebanese blogging, enno 3a2bel l blog l 100 mech 3am nla7e2 3layke : p

  2. تنبيه: Tweets that mention (24) من الشاشة إلى الساحات: التدوين اللبناني في العمل « نينار -- Topsy.com
  3. hapy · أغسطس 9, 2010

    تظاهرة علمانية مستقلّة

    هذا اكثر الاشياء بشارة في العالم العربي
    ربما هناك امل في ذلك العالم الماقبل تاريخي المسمى العالم العربي

    دمت بخير صديقي

    • Adon · أغسطس 14, 2010

      فعلاً هالمسيرة المتواضعة كان فيها كتير أمل.

      وانتي بخير هبة : )

  4. Kenan Alqurhaly · أغسطس 9, 2010

    أعجبتني كثيرا مشروع الرجل في المكعب ولكن ألا يوجد تدوين لبناني لاستعراض معاناة الناس العاديين يعني كما ذكرت كله معاناة عالمية واشكاليات سياسية وهي طبعا نوع من المعاناة ولكن تعرف البعض لا تشكل له البيئة كلها من القطب الى القطب أي أهمية اذا كان لا يملك سعر حذاء جديد ألم يخرج أحد باسم هؤلاء؟

  5. Adon · أغسطس 14, 2010

    مراحب كنان،
    أكيد فيه صديقي نوع التدوين اللي عم تحكي عنه لكن اللي تحوّل إلى تجارب جماعية منظّمة هو التجارب اللي حكيت عنها بالمقال، أما التدوين عن القضايا التانية بقي فردي ومحصور، للأسف يعني.

    تحياتي صديقي

  6. تنبيه: البلوغوسفير اللبناني (44): مدوّنات، وزارات، شركات وحرّيات: لمحة من المستقبل « نينار

التعليقات مغلقة.