لا حبّ ولا غرام: علاقة البلوغوسفير اللبناني بالحركة السياسية والإعلام التقليدي (3\4)

(للاطلاع على الأجزاء السابقة:

التدوين كمطرقة: مقدمة البحث

الجزء الأول: نظرة عامة على المدوّنات اللبنانية

الجزء الثاني: من الشاشة إلى الساحات، التدوين اللبناني في العمل)

*    *    *

الجزء الثالث: لا حبّ ولا غرام: علاقة البلوغوسفير اللبناني بالحركة السياسية والإعلام التقليدي

خلال قيام الأجهزة الأمنية بقمع تظاهرة يسارية أمام السفارة المصرية في بيروت العام الماضي. الحادثة شهدت ردّ فعل تضامني واسع مع المتظاهرين على صفحات المدونات اللبنانية وكانت أولى محطات الردّ الجماعي لمدوّني الجيل الحالي في البلوغوسفير اللبناني (مصدر الصورة: جريدة الأخبار اللبنانية)

خلال العامين الماضيين تطوّرت علاقة البلوغوسفير اللبناني مع الواقع السياسي والإعلامي من علاقة هامشية محكومة بعدم الاعتراف بالتدوين كأداة تغيير سياسي واجتماعي إلى علاقة إشكالية يشوبها ارتياب السلطات والقوى السياسية من القدرة التأثيرية المتصاعدة للمدوّنات. من جهتهم، يتفاءل الناشطون والقوى المدنية حول مستقبل التدوين الذي يرونه قلب العلاقة التقليدية بين السلطة والشعب وأعطى المواطن العادي قدرة غير مسبوقة على التأثير والمشاركة في صناعة الرأي العام.

وكانت الأعوام الماضية شهدت العديد من التجارب الناجحة التي تحدّثنا عنها سابقاً والتي حوّلت الإعلام الاجتماعي من أداة اتصال ونشر شخصي إلى أداة جماعية فعّالة لها وقع مباشر على القضايا العامة إذ أثبتت قدرتها على التعبئة الاجتماعية والسياسية وعلى تحريك الرأي العام وإزعاج السلطات وكسر الهيمنة الإعلامية لقوى الأمر الواقع. لكن هذا النجاح ألقى بثقله على علاقة التدوين بالفضاء السياسي والإعلامي وليست الاعتقالات الأخيرة سوى دليل على توتّر القوى السياسية وتخبّطها تجاه هذه الظاهرة الجديدة.

وانطلاقاً من هذه التجارب يمكن الخروج ببعض السمات التي تحكم العلاقة بين الفضاء التدويني والفضاء السياسي والإعلامي حتى الآن، منها:

– علاقة التدوين بالحركة السياسية التقليدية: الاعلام الاجتماعي موجود في العمل السياسي في لبنان منذ سنوات، وكانت المعارضة السابقة في التسعينات تعتمد عليه بشكل كبير لتعبئة الصفوف وجذب الشباب كما كان التدوين أداة فعّالة لفريق14 آذار خلال أحداث عام 2005. لكنه اليوم يدخل مرحلة جديدة على أكثر من صعيد: من ناحية أولى نلاحظ دخول الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية إلى الفضاء الالكتروني بقوة وبدء إدراكهم لأهمية هذه الأداة في التواصل مع مناصريهم ومع الناخبين. وبالإضافة إلى المواقع الرسمية للأحزاب التي تطوّرت كثيراً خلال الفترة الأخيرة، دخلت الأخيرة أيضاً مجال الإعلام الاجتماعي فانتشرت الصفحات الرسمية للنواب على الفايسبوك كما أنشأت بعض الأحزاب مدوناتها الخاصة وقنواتها على يوتيوب وتويتر. ولم يتوان بعض السياسيين مثل النائبان سليمان فرنجية ونهاد المشنوق في التواصل مع مناصريهم مباشرة على الفايسبوك، كما لم يتوان رئيس الجمهورية ميشال سليمان عن إرسال رجال المخابرات إلى منزل كل من ترك تعليقاً سلبياً على صفحته في الموقع. من ناحية ثانية هنالك زيادة كبيرة في عدد المدونين المستقلّين ولو كانوا مسيّسين. فنادراً ما نصادف في الفضاء الالكتروني اللبناني اليوم مدوّنين حزبيين، وغالبية المدونين هم إما مستقلون أو متمردون على أحزابهم أو خرجوا نهائياً من العمل السياسي. ويمكن القول أن ذلك يعود بشكل أساسي إلى بنيتي النظام السياسي والأحزاب اللبنانية. فالنظام السياسي هو مغلق على كل من هو خارج الاصطفاف العائلي والطائفي والمناطقي والسياسي، والأحزاب هي نسخة مطابقة عنه. كذلك، إن طبيعة الأحزاب وخاصة اللبنانية منها تعمل بشكل يومي على فرض الرأي الواحد في صفوفها، بل تذهب إلى حد اتهام أي رأي مخالف بالخيانة أو العمالة أو التخلي عن الطائفة، وبذلك فهي لا تشجّع مناصريها سوى على أن يكونوا ببغاء تردّد أقوال السياسيين ووسائل إعلام الحزب بنجاح، ولعلّ المعارك القانونية والسياسية لقيادات حزبي التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية للسيطرة على وسائل الإعلام الاجتماعي داخل كلّ منهما (شعارات الموقع الرسمي الوحيد) تعكس هذه الرغبة تحديداً. كذلك، لعلّ هذا ما يفسّر أيضاً الغياب الواضح في الفضاء الالكتروني لمدوّنين من صفوف الأحزاب المتشددة دينياً وتحالف 8 آذار كحركة أمل وحزب الله والمردة والقومي…ألخ. فرغم إدراك هذه القوى السياسية لأهمية الإعلام الاجتماعي، هي تفتقر للبنية الذهنية والثقافية وللمنهجية المناسبة التي يمكن أن تجعل منه أداة فعّالة. فالبنية الحزبية التنظيمية والثقافية الهرمية  فيها وإصرارها على منهجيّة الرأي الواحد “الصحيح” وارتيابها من محاولات أنصارها للتغريد خارج سرب الإعلام الرسمي تجعل منها معادية بطبيعتها لنشوء حالة تدوينية لأن الأخيرة لا يمكن أن تقوم إلا على التفكير الحرّ وعلى المجهود والرأي الشخصي.

صفحة السياسي اللبناني سليمان فرنجية على الفايسبوك ويبدو فيها دعوة لحوار مباشر معه على صفحات الموقع الاجتماعي (مصدر الصورة: مدونة خربشات بيروتية beirutiyat.wordpress.com)

– علاقة التدوين بالنشاط المباشر على الأرض: خلال الفترة الماضية أصبح الفايسبوك الأداة الرئيسية لقوى المجتمع المدني لتوجيه الدعوات إلى النشاطات المباشرة. وكانت التظاهرة العلمانية كما سبق وتحدثنا ابتدأت من دعوة بسيطة على الفياسبوك لتتحوّل فيما بعد إلى تظاهرة ضمّت الآلاف. ويبقى دور المدونات محدوداً نوعاً في هذا المجال إذ نادراً ما نشاهد دعوات للتحرّك على صفحاتها رغم المقالات التعبوية، مع العلم أن المدونين نفسهم هم في معظم الأحيان محرّكي النشاطات والدعوات على الفايسبوك. والسبب الأكثر منطقية لتفسير ذلك هو أنه فيما يتعلّق بالنشاطات، المدونات هي بشكل أساسي أداة تعبئة وتحريك للرأي العام فيما يبقى الفايسبوك الأداة المفضّلة للناشطين لتوجيه الدعوات الفعلية وتنظيم النشاط. لكن هنالك مدونات يغلب عليها الطابع العملي، فلا تخلو أسبوعياً من عدّة دعوات وتغطيات للنشاطات، ويحضر في هذا المجال مثال مدوّنة فرفحين التي تنقل القارىء مباشرة إلى جبهة النشاط. ولعلّ ذلك مرتبط أيضاً بالمدونين أنفسهم، إذ إن المدونات التي يديرها ناشطون هي أكثر ميلاً بطبيعة الحال إلى الاهتمام بالنشاطات المباشرة. وبحسب احصائنا للمدونات، يشكّل المدوّنون الذين ينشطون في جمعيات مدنية أو سياسية نحو ثلث عدد المدوّنين الفاعلين أو أكثر بقليل.

– علاقة التدوين بالاعلام التقليدي: هنالك ظاهرة “لجوء” واضحة للعديد من الصحافيين الشباب إلى المدونات، وخاصة من الذين يعملون في وسائل الإعلام المكتوب. ولعلّ الانتاج الأغزر للصحافيين على صفحات مدوناتهم مقارنة مع كتاباتهم في الجرائد هو إشارة واضحة على ضيق صفحات الجرائد أمام الأقلام الشابة، أو على الرغبة المتعاظمة للصحافيين بالكتابة والنشر من دون رقابة الناشر وإلزامات التوجه السياسي والاجتماعي للصحيفة. وهنالك بعض الصحافيين الشباب الذين تخلّوا جزئياً أو كلياً عن النشر في الجرائد وأصبحت مدوّناتهم الشخصية الأداة الرئيسية لنشر نتاجهم بعدما ضاق ذرعهم بعمليّات القصّ وتقلّص حجم مقالاتهم المنشورة والرقابة والامتناع عن النشر التي عانتها مقالاتهم على صفحات الجريدة والتي تمارسها كل الصحف من دون استثناء. ومن المدونات العائدة للصحافيين هنالك مدوّنة الصحافي جهاد بزّي، مدونة “هنيبعل يتسكع” لهاني نعيم، مدونة “مواطن جوعان” لخضر سلامة، ومدونة ريتا شهوان…ألخ. إلى ذلك، لا تزال العلاقة المؤسساتية بين الفضاء التدويني ووسائل الإعلام التقليدية غائبة أو غير ناضجة. وفيما تخصّص الصحف الأجنبية عدة عواميد جانبية وزوايا خاصة للمدونات على مواقعها بالإضافة إلى تغطيات مستمرّة عن الأحاديث الدائرة على الفضاء الالكتروني، لا تزال الصحف اللبنانية، حتى على مواقعها الالكترونية، تتعامل مع الفضاء الالكتروني كأنه غير موجود رغم أن عدد قرّاء المدوّنات يضاهي تقريباً عدد قرّاء الجرائد. ولا يوجد سوى صحيفة L’orient Le Jour تخصّص زاوية على موقعها لصلات نحو دزينة من المدوّنات اللبنانية. ويمكن اعتبار زيادة عدد قرّاء المدونات على أنه مؤشر إلى صعود المدونات كإعلام بديل ينبثق “من تحت إلى فوق”، كما يشير أيضاً إلى أزمة حقيقية في الإعلام المكتوب حيث لم تعد الصحف سوى صفحات مملة أو ببغاء لتبرير وجهات نظر المتحكمين الماليين والسياسيين فيها. وتبدو هذه الأزمة بوضوح عند مقارنة المضمون بين المدوّنات والصحف التقليدية؛ إذ فيما يكون الفضاء التدويني منهمكاً في مناقشة القضايا المعيشية والسياسية والدينية والاجتماعية التي تتصل مباشرة بحياة الناس ومستقبلهم، تكون الصحف منهمكة في نقل التصاريح المملة للسياسيين وفي التراشق الإعلامي السخيف بين أقطاب الطوائف والسياسة. ويمكن القول أن الفضاء التدويني بقي بشكل عام حقيقياً، حميماً وشرساً في الحديث والدفاع عن القضايا اليومية وتلك المصيرية التي يهملها الإعلام التقليدي. لذلك قد يكون التزاوج الغني بين الفضاء التدويني وذلك الصحافي في الفترة المقبلة أحد أفضل الطرق لإخراج الصحافة التقليدية من أزمتها وتطعيمها بحيوية الكترونية صاخبة تفتقد لها الصفحات الرتيبة للجرائد.

ملصق مبادرة "كلنا ليلى" التي شاركت فيها مئات المدونات حول العالم العربي (اضغط على الصورة لزيارة الموقع)

– علاقة المدونين اللبنانيين بالقضايا العربية والدولية: تتفاوت مشاركة المدونين اللبنانيين في النقاش حول القضايا العربية والدولية بين مدوّنة وأخرى في ظلّ ميل عام نحو البقاء ضمن القضايا اللبنانية البحت. لا يعني ذلك أن التضامن مع الحريات في بلدان مثل تونس والمغرب وليبيا ومصر والسعودية وسوريا يغيب عن المدونات اللبنانية بشكل تام، لكنه يعني أنه نادراً ما تنخرط هذه المدونات في النقاش المباشر مثل كتابة مقالات أو تحليلات حول الشؤون العربية. وغالباً ما تظهر العلاقة بين المدونات اللبنانية والقضايا العربية والدولية على شكل أيقونات تضامنية على جانب المدونة، أو في مناسبات تدوينية محدّدة عن موضوع ذات اهتمام مشترك. ويبرز في هذا المجال مثال يوم “كلنا ليلى” الذي تناول أوضاع المرأة العربية وشارك فيه عدد كبير من المدونات اللبنانية. أما المثال عن القضايا العالمية فيبرز أيضاً مشاركة أكثر من 30 مدونة لبنانية في يوم التدوين العالمي حول التغيّر المناخي في أيلول عام 2009. وهنالك في الواقع نقاش متقطّع بين المدونين اللبنانيين حول تناولهم قضايا غير لبنانية. ويعتبر بعض المدونين أن الحديث عن قضايا عربية هو “استيراد” لقضايا خارجية ويدعون لتركيز الاهتمام حصراً على لبنان، فيما يرى مدونون آخرون ونحن منهم أن قضايا الحرية والعقلانية والتقدم والعدالة والكرامة الإنسانية لا تعرف حدوداً سياسية ولا تميّز بين أرزة ونسر على جوازات السفر.

هل يمكن أن تتغير العلاقة بين التدوين والمجالين السياسي والإعلامي خلال الفترة المقبلة؟ على الأرجح نعم، خاصة من ناحية دخول المدوّنات كأحد وسائل النشر المرافقة لوسائل الإعلام التقليدية وهو الأمر الذي رأينا لمحة منه خلال مراقبة المدوّنين للانتخابات البلدية العام الحالي. لكننا نعتقد أن العلاقة بشكل عام لن تبتعد كثيراً في المدى المنظور عن السمات التي تحدّثنا عنها هنا خاصة أن بعض التغيرات الجذرية مرتبطة بتطورات سياسية وحتى تقنية (مثل تحسين خدمة الانترنت) واسعة لكي تكون ممكنة لكن يبقى العامل السياسي المرتبط بوضع حريات التعبير في البلد هو الأبرز في رسم صورة البلوغوسفير اللبناني خلال السنوات المقبلة لأنه يعني الفرق بين أن يكون التدوين باب تغييريّ جديد ومساحة للناشطين المدنيين وبين أن يكون عمل غير قانوني “تحت طائلة المخابرات والمخبرين”.. مستقبل التدوين اللبناني ودوره الممكن في ظلّ التوقعات باستمرار التضييق على الحريات في لبنان والعالم العربي هو ما سنحاول تناوله في المقال الأخير.

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine