البلوغوسفير اللبناني (4\4): مدوّنات، وزارات، شركات وحرّيات: لمحة من المستقبل

الأجزاء السابقة:

المقدّمة

الجزء الأول: نظرة عامة على المدونّات اللبنانية

الجزء الثاني: من الشاشة إلى الساحات: التدوين اللبناني في العمل

– الجزء الثالث: لا حبّ ولا غرام: علاقة البلوغوسفير اللبناني بالقوى السياسية والإعلام

*   *   *

الجزء الأخير: مدوّنات، وزارات، شركات وحريّات: لمحة من المستقبل

إن الحديث عن مستقبل التدوين اللبناني هو مهمة شبه مستحيلة لأي باحث في هذا المجال، إذ إن لبنان يبقى بلداً لا يعرف أهله إن كانوا سيستيقظون في اليوم التالي على حرب أو أزمة داخلية، أو حتى إن كانوا سيتمكّنون صباحاً من تفقّد بريدهم الالكتروني نظراً لسوء اتصال الانترنت وانقطاع الكهرباء المستمرّ، فكيف إذا كان الموضوع هو “مستقبل التدوين” ككل المرتبط مباشرة بكل هذه الظروف.

لذلك نرى أنه لا يمكن رسم صورة دقيقة عمّا سيكون عليه الأمر حتّى بعد بضعة شهور من الآن، لكن ما يمكن الحديث عنه هو مجموعة من العناصر التي ستؤثّر حتماً في أي مستقبل محتمل للتدوين. هذه العناصر تبدأ من خدمة الانترنت وتمرّ بأقبية الأجهزة الأمنية ومكاتب الوزارات وأروقة مجلس النوّاب وتصل لعالم المال والتسويق.

الأمر الوحيد الذي يمكن رؤيته بسهولة بين كل هذه العناصر هو أن التدوين سيتحوّل – وقد بدأ بالفعل – إلى ما يشبه الأكاديمية الجديدة، الحرّة، لتخريج (أو إبراز) الكتّاب ومصمّمي الغرافيك والفنانين والناشطين والعاملين في حقل التكنولوجيا والإعلام، خاصة مع ظهور الجيل الأوّل من المدرَّبين المحترفين على وسائل الإعلام الاجتماعي الذي يساهمون في تحويل هذه الأداة إلى قوّة حقيقية على أرض الواقع. وكان الفضاء التدويني شهد خلال الفترة الأخيرة انتقال بعض المدونين إلى الصحف، نشر بعض الكُتب التي جُمعت من النتاج الالكتروني، إطلاق محطّات شبه إذاعية، ولادة تحرّكات وحملات وجمعيات عرفت بنجاح تجربة الانتقال من الشاشة إلى الساحات.

إلى ذلك، يبقى العنصر الأكثر تأثيراً على مستقبل التدوين هو القمع الأمني الذي يتوقّع المدوّنون تصاعده مع الأيام.  وكانت أوساط المدونين تناقلت مؤخراً خبر قيام أهم جهاز أمني في البلد باستحداث مكتب خاص لمراقبة المدونات والمدونين اللبنانيين حيث أن الاستدعاءات الأمنية السابقة كانت مجرّد فاتحة لأعماله.

ما هو مستقبل التدوين اللبناني إن كانت الأيام المقبلة تحمل المزيد من القمع؟ ليس هنالك من جواب واحد. إن أخذنا التجارب العربية المجاورة كمعيار للإجابة، سنرى أن المستقبل مظلم إلى حد كبير. فالقمع الالكتروني في دول مثل مصر، تونس والسعودية كان في معظم الأحيان ذا أثر مدمّر على الفضاء التدويني حيث غالباً ما ينتهي البلوغوسفير من بعده بمضمون أقل حدّة (رقابة ذاتية)، بمدوّنات أقل عدداً وأدنى نوعية، وبحيوية أقل في الفضاء الالكتروني بعد غياب المدونين الأساسيين في السجون والمنافي وبعد قيام الأنظمة بملىء وسائط الإعلام الاجتماعي بالمخبرين والأنصار المدفوعي الأجر. في هذا السيناريو، سيحتاج البلوغوسفير لسنوات ليرمّم نفسه ويعيد اكتساب حيويته ودوره السابق.

كاريكاتور عن حالة الانترنت في الصين: لمحة من مستقبل لبنان؟

أما إذا أخذنا التجربة اللبنانية خلال الاعتقالات الأخيرة على أنها “بروفة” ومعيار لما سيكون عليه الأمر في المستقبل فسنكون أكثر تفاؤلاً بقليل من “السيناريو العربي”. ففي الاصطدام الأخير بين فضاء التدوين والأجهزة الأمنية، برز خطّ صلب للدفاع عن الحرّيات إذ لم يتبدّد المدوّنون ولم يتداعى خطاب المواجهة تحت وطأة القمع بل ما حصل هو العكس إذ كانت النتيجة خطاب راديكالي أكثر على صفحات المدونات في ظلّ تضامن جيّد بين المدونين حول قضية تمسّهم جميعاً. كما أسفر القمع عن ازدياد أعداد المدونات المشاكسة بعد انضمام العديد من الشباب إلى الفضاء الالكتروني كمدوّنين معارضين لحكم الأجهزة. لكن الاعتقالات المذكورة كانت محدودة في العدد وغير عنيفة، وبالتالي لا يمكن التنبؤ بدقّة بمواقف المدوّنين فيما لو كان القمع أشمل وأشدّ. وبعض المؤشرات الأخيرة غير مطمئنة إذ رفض العديد من المدونين مؤخراً التضامن مع زميل صحافي بناء، لا على موقفهم المبدئي، بل على موقفهم الشخصي أو السياسي منه ومن جريدته.

وإن كانت ردّة الفعل المواجهة للفضاء الالكتروني اللبناني هي نمط بعيد الأمد، فالمعركة لتدجينه وترويضه لن تكون سهلة على الأجهزة الأمنية وقد تحجم الأخيرة عنها من الأصل نظراً لكلفتها الإعلامية الباهظة. أما اذا كانت ردّة الفعل هذه مجرّد استقواء أولّي يمكن أن يتداعى إذا ما اشتدّ القمع فعندها على حريّات التعبير والمدوّنات اللبنانية السلام.

على صعيد آخر يواجه البلوغوسفير اللبناني تحدّيات قانونية في ظلّ محاولات إخضاع الفضاء الالكتروني لقانون المطبوعات القديم. وهذا يعني في حال تطبيقه إعطاء القضاء السند القانوني الكافي لاستدعاء واعتقال وتغريم وسجن أي مواطن عادي يعبّر عن رأيه في أي وسيلة الكترونية سواء كانت على صفحات المدوّنة أو الفايسبوك أو حتى في تعليق صغير على خبر لموقع الكتروني لجريدة. والنتيجة النهائية لذلك هي إنشاء رقابة يومية على 4 ملايين نسمة، خنق حريات التعبير وإخراج لبنان من عصر الانترنت وإعادته إلى حكم الوالي الذي يمكنه سجن الجميع بمادة قانونية واحدة.

رقابة؟

تحدّ آخر للفضاء الالكتروني هو إشكالية العلاقة بين الفضاء التدويني ووزارات الخارجية. وكانت وزارات خارجية بعض الدول، وخاصة الولايات المتحدة، دأبت خلال الفترة الأخيرة على تمويل وتدريب وتأمين التجهيزات اللوجستية لبعض الرابطات التدوينية والجمعيات المتخصصة بالتدوين وحتى لبعض المدونين الأفراد بشكل مباشر في عدّة دول عربية. ولا تهدف الإشارة إلى هذه المسألة الشائكة إشهار أصابع الاتهام أو العمالة لأحد (ونحن نعتبر ان هكذا اتهامات هي تبسيط وهروب من مناقشة الموضوع) لكننا نرى أنه لا بد من وضع الإصبع على الجرح والحديث عن إشكالية كبيرة تسبّبها هكذا علاقة للفضاء التدويني في لبنان. فارتباط جمعيّات محلية متخصصة بالإعلام الاجتماعي، وارتباط مدوّنون أفراد بتمويل خارجي من جهة حكومية غالباً ما يعني ضرورة التزامهم بالحدّ الأدنى من التوجه الإعلامي والسياسي لمصدر التمويل. وهذا يحدّ لدرجة كبيرة قدرة البلوغوسفير على مواجهة التحديات التي قد تكون متعارضة مع مصالح العواصم الخارجية (فلا يمكن لجمعية فلسطينية ممولة أميركياً مثلاً أن تستعمل تلك الأموال للقيام بحملة تضامن مع غزة، كما لا يمكن لها أن تدرّب المواطنين على الإعلام الاجتماعي في منطقة تعتبرها واشنطن في “محور الشرّ”). إلى ذلك، إن أي ارتباط لمدوّنة أو رابطة مدوّنين أو جمعية إعلام اجتماعي بتمويل خارجي يضع العديد من علامات الاستفهام على مصداقية التدوين والمواقف والحملات للجهة المعنيّة ويعرّض الجهة المدوّنة لخسارة تأييد وثقة المواطنين الذين تعمل من أجلهم. وعلى المدى البعيد، تكمن خطورة الارتباط المالي والخطابي بالعواصم الخارجية في إعطاء الوسط الاجتماعي والسياسي انطباع مفاده أن الفضاء التدويني والمدوّنين هم أداة إعلامية بيد عواصم خارجية يعملون معها لتحقيق أجندات مشبوهة، الأمر الذي يسهّل على القوى السياسية التقليدية المتضررة من بروز المدونين كقوة اجتماعية – سياسية – إعلامية مستقلّة، ملاحقة ومحاربة المدونين والتدوين ككلّ.

من ناحية أخرى، يبرز تحدّ – ظاهرة جديدة لا تزال في طور التكوّن في الفضاء التدويني العربي (وربّما لم تصل بعد إلى لبنان لكن هناك بوادر)، وهو قيام بعض الشركات التجارية بعقد اتفاقات مع مدونين لهم جمهورهم المعروف لترويج سلعها ومنتوجاتها الجديدة عبر الكتابة – المباشرة أو العرضية – عن تجربة شخصية ناجحة ومشجّعة مع المنتج المذكور. ونحن لا نعترض هنا على مبدأ التسويق الالكتروني عبر مدوّنات تابعة بشكل واضح للشركات التجارية، ولا نعترض كذلك على أي اتفاق بين مدوّن وشركة، فالتسويق له أدواته المختلفة ومن حقّ أي كان أن يمارس ما يراه مناسباً له على صفحته الشخصية. لكن على الصعيد البحثي لا بدّ من التساؤل عن الأثر المحتمل لهذه الظاهرة على التدوين إن انتشرت هكذا اتفاقات مالية – تسويقة بين المدونين والشركات بشكل واسع.

التدوين منطقة خالية من الديناصورات :p

فما يعطي للتدوين مساحته الواسعة من الحرية هو أنه مستقلّ تماماً عن تمويل الشركات والأطراف السياسية من جهة، وأنه شخصي ويعبّر عن رأي صاحب المدوّنة من جهة أخرى. لذلك عندما نقرأ عن رأي مدوّن في منتج أو مسألة ما على صفحته الشخصية، فإننا نثق عادة بما نقرأه لأننا نعتبره أنه رأي شخصي لشخص مثلنا تماماً مع نفس شكوكنا ومخاوفنا وحماسنا. وتمويل الشركات لإعلانات غير مباشرة على صفحات المدوّنات يقضي عملياً على الاستقلالية وعلى كون المدوّنات رأي شخصي. فهو يعني أن هدف المضمون على المدوّنة هو التسويق وليس النقد ولا لتنوير المستهلك أو تحذيره من مضار أو شوائب محتملة للمنتج، وليس أيضاً للمراجعة أو حتى لاستعراض موضوعي للمنتج، بل هو للتسويق والتسويق فقط. ويعني ذلك أيضاً أن ما تعبّر عنه المدوّنة هو فعلياً رأي الشركة لا رأي كاتب التدوينة.

في جميع الأحوال وحتى إذا ما انتشرت هذه الظاهرة مستقبلاً، فلنأمل أن تقتصر على الشركات التجارية وألا يدخل السياسيون على الخطّ فيستأجرون تدوينة أو مدوّن بكامله للحديث عن حسناتهم وترويج مشروعهم وتحسين صورتهم. فأفضل ما في الفضاء التدويني حالياً هو أنه منطقة متمرّدة على الديناصورات وأتباعهم، فلنأمل أن يبقى كما هو.

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

3 comments

  1. nihal · أغسطس 23, 2010

    رسالة الى الوالي على التوالي ……………………….

    تحياتي طوني

    صديقي العزيز من الضروري جدا ان تكون على يقين بأنه سيتم ممارسة قانون المراقبة على المدونات ايضا لاتمام عملية الاخضاع والاجبار على الصمت والخنوعو الذل فالمواطن الرافض يجب ان يتحمل كل العواقب فلبنان بلد الحريات لكن اي حريات؟ ما هو الممارس ابعد من المعنى الحقيقي للحرية كمصطلح …..
    كالانفلاج الاخلاقي و القيمي اذ اصبح هناك جيل يعيش على هامش الحياة …… كما في مصر الجزء الاكبر من الشعب “محشش او مسطول” والجزء الباقي من المثقفين فهم اما بالمعتقلات او منفيين او مقمعين من النظام اما المتبقي فهم النخبة الحاكمة وكل والي على طريقتة كذلك الحال في السعودية و باقي الدول العربية المحيطة القريبة والبعيدة ……. لبنان ذاهب على نفس الطريق والوتيرة فلبنان يمارس سياسة جديدة وقديمة في نفس الوقت سياسة الافقار والتجويع اذ انه لكما جاع المواطن اصبح اكثر خضوعا للرغيف وكلما ذاد الفقر ضعفت القدرة على التفكير والاتحليل وممارسة الحقوق بالرفض او الاحتى القبول فلا خيارات امام المواطن اللبناني ………………………
    هناك الكثير لكن هذا القدر يكفي حتى اليوم

    • Adon · أغسطس 24, 2010

      شو بدو الواحد يحكي ليحكي يا نهال، ما بيخلص الكلام.
      بس حبّيت فشّة الخلق : D

      تحياتي صديقتي

  2. تنبيه: خاتمة: التدوين مطرقة أم مسمار النعش؟ « نينار

التعليقات مغلقة.